ذهب وقار البرلمان… وسقطت هيبة السياسيين!

الذي فكّر في ترجمة النقل التلفزيوني لجلسات البرلمان المغربي إلى اللغة الأمازيغية بتعبيراتها الثلاثة (تاريفيت وتاشلحيت وتامازيغت) خلق مشكلة عويصة جدا، حتى وإن كانت نيته حسنة، ورغبته أكيدة في تقريب كلام نواب الأمة من المواطنين الذين لا يفهمون سوى اللغة الثانية في البلاد بعد العربية.
وسبب ذلك أن المترجمين سيشعرون بحرج كبير، وهم يبحثون عن مفردات مقابلة للكلام الذي يتفوّه به بعض البرلمانيين، والذي لا يمكن فهمه بالعربية، فما بالك بالأمازيغية!
وصارت مداخلات العديد من النواب والوزراء مدعاة إلى السخرية والتهكم، لكون أصحابها لا يقوون على الحديث السليم باللغة العربية وفق أبسط قواعدها.
وكان الأجدر بالحكومة والبرلمان أن ينظّما دورات تدريبية للملتحقين الجدد بالعمل السياسي في كيفية الإلقاء والنطق السليم بلغة الضاد، عوض أن يُترَكوا متورطين في مأزق أوراق لا يستطيعون فك طلاسمها، أمام الميكروفون وعين الكاميرا خلال دقائق معدودات.
مخجل حقا، أن تجد دبلوماسيا صينيا في المغرب يتحدث باللغة العربية بطلاقة، في حين يتلعثم السياسي ابن البلد في خطابه، أو يهرب بلسانه إلى لغة “ماما” فرنسا، كما لو أنه حقق نصرا كبيرا!
مقابل ذلك، اختار نائب برلماني أن يذهب بعيدا في “تطرفه” اللغوي، حيث أصبح ظهوره في البرلمان من خلال النقل التلفزيوني المباشر، مقترنا باستعمال كلمات عربية مفرطة في الغموض والغرابة.
ويبدو أنه يتعمد البحث عن المفردات المهجورة لينمق بها كلامه، أكثر من حرصه المطلوب على ممارسة دور الرقابة البرلمانية على الحكومة، ونقل انشغالات المواطنين وقضاياهم.
بمعنى آخر، إنه يبحث عن الإثارة بتصنع تضلّعه في الحديث، لكنّ المشهد يتحول إلى فرجة سخيفة. فما كاد الناس ينسون كلماته التي رددها تحت قبة البرلمان وتناقلتها وسائل الإعلام: (جش، عش، هش، بش، كش، مش، نش)، حتى عاد مطلع الأسبوع الحالي إلى هوايته المفضلة، التي تستدعي من زملائه البرلمانيين والوزراء وحتى “المتفرجين” أن يحملوا معهم كل قواميس اللغة العربية، لعلهم يدركون معاني كلام سيادته!
وهكذا، خاطب النائب البرلماني وزير الميزانية قائلا: “لقد (تشنشنت) وعودكم (المشبورة) و(تشأشأت) و(استشنت) عهودكم التي شننتم على المواطنين، و(تهرطقت) بعدما (تهركلت) حتى أصبحنا أمام حكومة الهوامش والتبريرات، وليست حكومة الكفاءات والحلول والبرامج”.
وسيكون علينا جميعًا انتظار تدوينة ينشرها سيادته بعد أيام على صفحته الفيسبوكية، حتى نطّلع على تفسيراته الخاصة لـ(تشنشنت، وتشأشأت، واستشنت، وتهرطقت، وتهركلت)، مثلما فعل مع طلاسمه الأولى!
والظاهر أن الرجل استهوته لعبة المفردات لا سيما أمام كاميرات التلفزيون، فردد بيت الشاعر الجاهلي “الأعشى” الذي يقول فيه:
“ودّعْ هريرة إن الركب مرتحل/ وهل تطيق وداعا أيها الرجل”؟
ولسائل أن يتساءل: أية علاقة لهذا البيت مع موضوع سؤال البرلماني المفترض أن يكون ذا صلة بقضايا المواطنين؟
أضاف النائب البرلماني، وكأنه وصل إلى اكتشاف عظيم، قائلا “المواطن المغربي اكتوى بالزيادات المتوالية في أسعار المواد الاستهلاكية”، ليتحدث عن معاناة البسطاء مع الاقتراض من البقال لسدّ احتياجاتهم اليومية؛ ثم يعود من جديد إلى شعر “الأعشى” باحثا عن وصف مطابق للحالة، فخانه التعبير، إذ ردد:
“وقد غدوتُ إلى الحانوت يتبعني/ شاوٍ مشكل شلول شلشل شول”
وبغض النظر عن التباس المعنى في عجز البيت إذا قيس باللغة المعاصرة، فالبرلماني المومأ إليه فهم الحانوت على أنه محل البقال؛ بينما تجمع كل القواميس على أن “الحانوت” في اللغة العربية القديمة يدل على معنى الحانة التي يباع فيها الخمر ويُحتسى.
وبذلك، ألا يخشى البرلماني المحترم أن يُتّهم بكونه ارتكب وزرًا من غير أن يدري، إذ تحوّل كلامه إلى تحريض على ارتكاب الفاحشة واحتساء الخمر، في مؤسسة تشريعية ذات هيبة مفترضة؟
ولكن، هل بقي للبرلمان المغربي حقا وقاره وهيبته؟!

هجاء الساسة أم العوام؟

جملة ذات دلالة وردت على لسان برلماني “تشنشنت وتشأشأت واستشنت”، لكنها مرت مرور الكرام، تحت تأثير انتشائه الشديد بالمهجور من الكلام، إذ قال “لن أذهب في التعقيب مذهب (الذيب الشارف) والحمار”، وفي ذلك إحالة على الهجاء المتبادل بين عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب “العدالة والتنمية” المعارض ورئيس الحكومة السابق من جهة، وبين رشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب “التجمع الوطني للأحرار” من جهة ثانية.
الهجاء نزل إلى الحضيض، إذ وصف الطالبي العلمي بن كيران بـ(الذيب الشارف) أي الذئب الهرم، ليرد عليه الثاني بوصف (الحمار) و(الميكروب) !
وناقل الكفر ليس بكافر، خاصة وأن الكلام سارت بذكره قنوات “اليوتيوب” والمواقع الإخبارية. وبدا إلى أي حد سقطت صورة السياسيين وهيبتهم في أعين الناس، فهذه النخبة التي يفترض أن تقود الجموع، ها هي اليوم تردد لغة العوام والدهماء في السباب المنحط والحروب الكلامية.
إنهم بذلك، يسيئون لأنفسهم كشخصيات عمومية، قبل أن يسيئوا لأعضاء أحزابهم وللمواطنين ولمؤسسات الدولة، وللوطن أولا وأخيرا!

دروس شيرين!

كشفت حادثة اغتيال الإعلامية الفلسطينية الشهيدة شيرين أبو عاقلة من طرف قوات الاحتلال الإسرائيلي عن نفاق بعض وسائل الإعلام الغربية التي تتفادى الإشارة إلى مسؤولية الكيان الصهيوني في العملية الإجرامية الجبانة، وهو أيضا سلوك عدد من قادة العواصم الكبرى.
أما في بلداننا العربية والإسلامية فقد ظهرت فجأة غيرة على الإسلام لدى البعض، إذ أمسوا يفتون بعدم جواز الدعاء لشيرين أو الترحم عليها أو اعتبارها شهيدة، بسبب ديانتها المسيحية. ويغضّون الطرف عن الإشكال الحقيقي، وهو العدو الإسرائيلي!
فعوض التركيز على سيدة ودّعت الدنيا برصاص غادر، وهي الآن عند خالقها، كان الأولى بالمنافحين عن الدين الإسلامي ـ كما يقدمون أنفسهم ـ أن يُظهروا غضبهم على المحتل ذي السجل الإجرامي الأسود.
شيء آخر: في حديث لقناة “الجزيرة” قال الإعلامي إلياس كرام زميل شيرين في فلسطين إن جيش الاحتلال وساسته يتعاملون مع الصحافيين عموما ومندوبي القناة المذكورة خصوصا كأعداء، ويحرّضون الناس ضدهم.
ماذا تبقى أمام “الجزيرة”، إذن، كي تعرض عن استضافة “محللين” من الكيان الصهيوني في برامجها ونشراتها الإخبارية؟ اللهم إلا إذا كانت ترغب في أن تنفّر الناس منهم، ما داموا يصرّون على تبرير جرائم الاحتلال الغاشم.

٭ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية