القاهرة ـ «القدس العربي»: بين التطورات على ساحة جنوب لبنان وأحدث العروض المتعلقة بمصالحة بين الإخوان والنظام، تهدف لفتح الزنازين أمام أفراد الجماعة القابعين خلف الأسوار منذ ما يزيد على عقد، تعددت المعارك وثار مزيد من الجدل وإن ظلت غزة وبطولات أهلها الأسطورية محط اهتمام الأغلبية خاصة أولئك الذين ينظرون للقضية الفلسطينية باعتبارها منتهى آلام العرب وآمالهم.
وفي أخبار السياسة استقبل الرئيس السيسي، رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، في زيارة رسمية لمصر، على رأس وفد حكومي عراقي، وذلك بحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، ووزراء الخارجية، والإسكان، والاستثمار، والبترول. وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أن اللقاء تضمن الإعراب عن الارتياح للمستوى المتميز، الذي وصلت إليه العلاقات بين الدولتين. وأكد الرئيس السيسي، دعم مصر الكامل لوحدة العراق وسيادته وسلامة أراضيه، وجهود تحقيق الاستقرار والأمن والتنمية فيه، وتعزيز الروابط بينه وبين محيطه العربي. كما توافق الزعيمان على أن الظروف الراهنة تستوجب تكثيف العمل العربي المشترك، على المستويين الثنائي والجماعي، منوهَيْن في هذا الصدد إلى آلية التعاون الثلاثي بين مصر والعراق والأردن، ومؤكدَيْن مواصلة العمل على إنجاح مشروعاتها وتحقيق أهدافها، لتصبح نموذجاً للتعاون العربي والتكامل الإقليمي.
وقال إبراهيم الديب عضو مجلس النواب، إن الأفعال التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي تتعارض مع كل الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية والقوانين الإنسانية، مشيرا إلى حالة الصمت الكبير في المجتمع الدولي. وأوضح أن جيش الاحتلال يمارس يوميا مجازر في قطاع غزة، من قتل وتشريد الأبرياء والأطفال والعزل، ما يستدعي التساؤل إلى متى سيظل هذا الصراع في المنطقة؟، إلى متى ستظل دولة الاحتلال تقتل الأطفال والنساء والأبرياء والشيوخ في قطاع غزة دون تدخل دولي؟. وأعلن خالد البلشي بصفته نقيبا للصحافيين تضامنه الكامل مع كل ما ورد في بيان نقابة المحامين بشأن مشروع قانون الإجراءات الجنائية. وأوضح أن قانون الإجراءات الجنائية هو العمود الرئيسي لمنظومة العدالة ودستورها.. ونصوصه هي نصوص مكملة للدستور، وسيظل أحد أركان حماية وصون حقوق وحريات الأفراد والمجتمعات في جميع مراحل التقاضي، وأي خلل يناله سيقوض أعمدة هذه المنظومة، وسيتسبب في النيل من ثقة المواطنين في نظام العدالة.
وأكد البلشي أن القانون في مصر شأن خاص لكل مصري وشأن لكل مؤسسات المجتمع المعنية بالحقوق والحريات وبتحقيق ودعم العدالة. وأوضح أن انضمامه وتضامُنه مع بيان نقابة المحامين جاء بصفته وبشخصه. وحذر من أن مناقشة القانون بعيدا عن حوار مجتمعي شامل تُشارك فيه كل أركان منظومة العدالة والمواطنين وممثليهم والمؤسسات المعنية بالحقوق العامة، هو علامة خطر، وسيمثل انعكاسا لخلل كبير، وأثاره ستكون وخيمة على الجميع.
جنون القوة
مطلع تسعينيات القرن الماضي، قال الرئيس السوفييتي الراحل ميخائيل جورباتشوف، لنظيره السوري الراحل، حافظ الأسد: «إن اعتماد القوة العسكرية آلية لحل الصراع في الشرق الأوسط فقد صدقيته». واليوم، حسب الدكتور بشير عبد الفتاح في “الشروق” تحذر الإدارة الأمريكية حكومة، نتنياهو، من السقوط في براثن «جنون القوة»، إلى حد الإمعان في ارتكاب جرائم الإبادة، والتجويع، والتطهير العرقي، وتطبيق سياسة «الأرض المحروقة».
فضمن استراتيجية «الردع بالعقاب»، تبنى جيش الاحتلال، منذ عام 2008، «عقيدة الضاحية» باعتبارها استراتيجية محورية في حروبه ضد حركات المقاومة والتجمعات المدنية، التي تشكل قواعد دعم لها. وتعتمد تلك العقيدة مبادئ شتى، أبرزها: استخدام القصف الجوي المكثف لتقويض قدرات المقاومة، عبر التدمير الشامل لبنيتها التحتية، ومنشآتها الحيوية والرمزية، وبلوغ الردع من خلال العقاب الجماعي، والتنكيل بالمدنيين، بغية محاصرة تنظيمات المقاومة، وتجريدها من حاضنتها المجتمعية. وأخفق جيش الاحتلال الإسرائيلي في إدراك «النصر المطلق»، الذي طالما تغنى به، نتنياهو. فللمرة الأولى منذ حرب عام 1973، استدعى قرابة 350 ألف ضابط وجندي في الاحتياط، واستخدم أبشع أساليب العنف، واستنفد كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة. كما دعم اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة والقدس، ما أسفر عن استشهاد قرابة 700، وإصابة زهاء 6000، مع مصادرة مساحات شاسعة من المزارع والمراعي الفلسطينية. بيد أن كل تلك الجرائم لم تفلح في تحقيق مآرب حكومة نتنياهو من العدوان، والمتمثلة في: قهرحركة حماس والإجهاز على قدراتها العسكرية، وإعادة الأسرى الإسرائيليين في القطاع، وضمان عدم تكرار سيناريو «طوفان الأقصى»، وإنهاء التهديدات المتجددة ضد العمق الإسرائيلي.
وبموازاة فشله في فك الارتباط العملياتي بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجبهات إسنادها المتمركزة في لبنان، واليمن، وسوريا والعراق؛ يتلقى جيش الاحتلال ضربات موجعة يوميا من المقاومة الفلسطينية في جميع نقاط توغله. ورغم القوة النيرانية المذهلة، والإمكانات التكنولوجية المتطورة، والتغطية الجوية المكثفة لمناطق العمليات البرية، فإنه لم ينجح في تحييد منظومة أنفاق المقاومة، أو هجمات مسيراتها ومقذوفاتها.
استراتيجية فاشلة
لا يزال عصيا على نتنياهو، إعادة ما يربو على مائة ألف نازح إسرائيلي داخليا من مستوطنات وبلدات غلاف غزة والجليل، تحت وطأة ضربات المقاومة المتواصلة. وحسب بيانات جيش الاحتلال، بلغت حصيلة قتلاه، منذ بداية اجتياحه البري لغزة في 27 أكتوبر الماضي، 700 قتيل، بينهم 360 ضابطا وجنديا، وأكثر من 10,000 جريح، منهم 3,700 تلقوا إصابات وبتر في الأطراف. أما على جبهة لبنان فقد قتل 44 إسرائيليًا، بينما أصيب 271 آخرون، منذ بداية الطوفان. ولم تؤت استراتيجية “الردع بالعقاب” على حد رأي الدكتور بشير عبد الفتاح أكلها، وظهر لقيادات جيش الاحتلال، أن حرب غزة الحالية أظهرت حاجته الماسية إلى زيادة عدد قواته النظامية والاحتياط. ومن ثم يستهدف نتنياهو تجنيد 4800 من اليهود الحريديم هذه السنة، معتقدا أن انضمام كتيبة من الفئات المستبعدة، سيوفر تعبئة عشر كتائب احتياط سنويا.
واستعرضت صحيفة «نيويورك تايمز» فشل جيش الاحتلال في القضاء على حركة حماس، رغم تمكنه من إضعافها. ويرى مسؤولون أمريكيون أن الجيش الإسرائيلي لن يحقق المزيد من المكاسب في قطاع غزة، وأن الحل الوحيد لاستعادة 115 أسيرا إسرائيليا أحياءً أو أمواتا، يكمن في إبرام صفقة. تماهيا مع هذا الطرح الأمريكي، سرب مسؤولون عسكريون إسرائيليون معلومات تفيد بأن الحرب على غزة قد انتهت، إذ تم القضاء على معظم الوحدات القتالية التابعة لحماس، وهزيمة لواء رفح، وردم معظم الأنفاق في محور فيلادلفيا. ومن ثم يوقن المستوى العسكري أن الوقت قد حان لإبرام اتفاق لتبادل الأسرى.
تزامنا مع سقوط استراتيجية الردع الإسرائيلية، في مواجهة فصائل المقاومة، التي تتهافت على إمطار دولة الاحتلال بالصواريخ والمسيرات، من اليمن ولبنان وغزة وسوريا والعراق؛ يتواصل النزيف المروع للاقتصاد الإسرائيلي. ورغم فارق القوة لصالح جيش الاحتلال، تأبى المقاومة إلا الصمود. ففصائلها فواعل دون الدول والجيوش النظامية، وبالتالي تختلف حساباتها عن تقديرات تلك الأخيرة. فبينما تستخدم المقاومة تكتيكات غير تقليدية مثل الأنفاق، وتتمتع بصلابة تخولها تحمل الخسائر وامتصاص الضربات، تجدها لا تتيح لفارق القوة فرصة للتأثير في قراراتها، الأمر الذي يحرم دولة الاحتلال من استثمار تفوقها العسكري والتكنولوجي الكاسح، لتحقيق مآربها، أو دحر المقاومة، وكسر إرادتها.
وسيط قاتل
بات عماد الدين حسين على يقين بأن المهمة التي ينبغي أن نعد أنفسنا لها ضرورة أن نقتنع جميعا شعوبا وحكاما في منطقتنا العربية بأن أمريكا تدعم إسرائيل بصورة مطلقة، وأن منطق القوة هو الحاكم الأبرز، وإذا لم ندرك ذلك فلا أمل أن نعيش بكرامة في أوطاننا، وأن ندرك أيضا أن البلطجة الإسرائيلية سوف تتواصل بدعم أمريكي صريح، ضد الجميع طالما أن موازين القوة مختلة بهذا الشكل المريع. وقال تخيلوا أن «حزب الله» تلقى ضربة قوية باغتيال قائده العسكري فؤاد شكر أو «الحاج محسن»، وأنه كان يستعد للرد، وأجله أكثر من مرة خوفا من اتهامه بإفشال المفاوضات الرامية للوصول إلى هدنة توقف العدوان على غزة، وبدلا من كل ذلك تبادر إسرائيل إلى شن هجوم استباقي على لبنان، بحجة إجهاض أو إحباط الهجوم المنتظر!. وتابع الكاتب في “الشروق”: لا ألوم إسرائيل أو أفند موقفها، فهي لا تدَّعي الفضيلة، وتعتمد منطق البلطجة منذ زرعها عنوة في المنطقة، وحتى هذه اللحظة، لكن ألوم الانحياز الأمريكي الفج والمكشوف للعدوان الإسرائيلي.
وقال تخيلت لو أن «حزب الله» أو «حماس» أو إيران أو أي قوة معادية لإسرائيل، هي التي بادرت بشن الهجوم على إسرائيل، وقبل أن تفكر الأخيرة في الرد قام الطرف الآخر بشن هجوم استباقي على إسرائيل مرة أخرى، فكيف سيكون وقتها رد الفعل الأمريكي؟! التصريح الأمريكي يكشف بوضوح للمرة المليون أن الولايات المتحدة تغطي على كل الجرائم والاعتداءات الإسرائيلية، ومعنى التصريح الأمريكي أيضا أنه لا قيمة لكل ما يقوله المسؤولون الأمريكيون عن رغبة في التهدئة والوصول إلى هدنة ووقف إطلاق النار، سواء في قطاع غزة أو جنوب لبنان.
لولا الأمريكي
من يتابع الموقف الأمريكي مما يحدث على جبهة الصراع بين «حزب الله» وإسرائيل، يجد صدق ما انتهى إليه عماد الدين حسين من أن واشنطن تصنف الحزب منظمة إرهابية، وحتى بعد قليل من اغتيال إسماعيل هنية وفؤاد شكر وتباهي إسرائيل بذلك، فإن غالبية كبار المسؤولين الأمريكيين سارعوا للإعلان أنهم سوف يدعمون إسرائيل في التصدي لأي رد عسكري تنفذه إيران أو حزب الله، ورأينا مخازن السلاح وخزائن المال الأمريكي يتم فتحها بلا حدود لكي تغرف منها إسرائيل بلا حدود في الأيام والأسابيع الأخيرة.. رئيس الأركان الأمريكي تشارلز براون وصل للمنطقة والهدف الأساسي هو التنسيق مع إسرائيل لصد أي هجمات محتملة من إيران أو «حزب الله» أو القوى الأخرى الداعمة لهما.. واشنطن قالت بوضوح إنها أرسلت حاملات الطائرات الكبرى وأنظمة صواريخ الدفاع الجوي المختلفة إلى المنطقة، وأكملت نشرها، حتى تبعث برسالة واضحة إلى أي جهة تفكر في مهاجمة إسرائيل. القراءة المتأنية للموقف الأمريكي من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وجنوب لبنان تقول بوضوح وفقا للكاتب في “الشروق” إنه لولا الدعم الأمريكي الذي صار سافرا، ما كان يمكن لإسرائيل أن تستمر في العدوان بهذه الوحشية والتدمير، وبالتالي فعلى أي طرف في المنطقة يفكر في مواجهة إسرائيل أن يدرك بوضوح أنه يواجه أمريكا وليس إسرائيل فقط. وبالتالي فلا منطق ولا عقل بعد الآن عند من يتحدث عن «الوسيط الأمريكي النزيه»، لأن واشنطن نفسها لم تعرف نفسها في أي لحظة بأنها «وسيط ونزيه!».
من يغذي الاستقطاب؟
لم يكن العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، بما خلَّفه من مجازر وإبادة جماعية وتجويع وتهجير وقصف، على مدار أكثر من عشرة أشهر، كافيا لتعاطف بعض المحسوبين على العرب، مع قضية الفلسطينيين العادلة، والمقاومة المشروعة ضد المحتل.. لكن ذلك لم يمنع، كما يرى محمود زاهر في “الوفد” من توفر “المناخ المثالي” للاستقطاب، وإشعال النعرات المذهبية، وتأجيج العداوة والبغضاء، وتقديم “خدمة مجانية” لـ”الصهاينة”! فبعد استشهاد «إسماعيل هنية» في قلب العاصمة الإيرانية طهران، لاحظ الكاتب دعاية إلكترونية مضلِّلة، من بعض قادة وأنصار وأتباع عموم التيارات السلفية و«الجامية المدخلية»، تستهدف الإساءة للراحل الكبير، وصلت حدّ اتهامه بالكفر!.. هاشتاجات «شامتة» وشائعات خبيثة، غالبيتها مدعومة من أجهزة مخابراتية، تحت عناوين بغيضة، لتوسيع هوَّة الخلاف المذهبي، ودغدغة مشاعر البسطاء، وتصدير أخبار كاذبة، تستهدف تشويه الرجل، والنَيْل من المقاومة، وإحداث فتنة بين السُّنَّة والشيعة!
وقال اللافت أنه في الوقت الذي نحتاج فيه إلى الوحدة والتقارب، نجد من يُشعل حرب الـ«هاشتاجات»، عن طريق «الذباب الإلكتروني» الموجَّه، الذي استغل الفرصة لدعم «الكيان الإسرائيلي»، وبث سموم التفرقة، وإشغالنا بخلاف مذهبي عقيم!
تلك «الهاشتاجات»، التي لم تتوقف، تحت عناوين متطرفة: «الشيعي عدو الإسلام»، و«الشيعة اغتالوا إسماعيل هنية»، و«الشيعي ليس أخي»، و«إيران راعية الإرهاب»، لاقت صدى واسعا لدى الذين «ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم»!
سنة وشيعة
في الطرف المقابل والكلام لمحمود زاهر قام بعض المُغالين، بتجييش وحشد البسطاء المتعاطفين مع ما يحدث للفلسطينيين من مأساة إنسانية، لم تحدث في التاريخ الحديث والمعاصر، فدشنوا “هاشتاجات” مضادة، تحمل شعارات “السُّنَّة تخلت عن فلسطين”، و”الشيعة فقط يستطيعون التصدي لإسرائيل”!.. آلاف الحسابات المجهولة، ومئات الحملات الموجَّهَة والمنظمة، انتبه لها الكاتب في “الوفد”، ظهرت جميعها بعد عملية طوفان الأقصى مباشرة، وغالبيتها مرتبطة بلجانٍ إلكترونية تابعة لأجهزة استخبارات، خصوصا أن كل “التويتات” مُعَدَّة سلفا ويتم نشرها في توقيت واحد!.. واللافت أنه على مدار شهور طويلة، لم ينجح العرب في وقف العدوان “الصهيوني”، لكن بعضهم تفوق كثيرا في إطلاق “الهاشتاجات” و”الحملات الزرقاء”، وتغذية “بنك التغريدات” بأرصدة ضخمة من “التويتات”، وتمويل الحسابات الوهمية و«الذباب الإلكتروني».. وهو ما بدا واضحا في تشويه المقاومة! وخلص الكاتب إلى القول إذن، استشهاد إسماعيل هنية، وقبله فؤاد شكر، وباقي سلسلة الجرائم والاغتيالات «الإسرائيلية» التي لم تتوقف، كانت كاشفة لحجم الكراهية والتحريض والإساءة للمقاومة المشروعة ورموزها وأبطالها، والتقليل من التضحيات الكبيرة والدماء الزكية. وتبقى “الاصطفافات” الحادَّة، شاهدة على أننا في ظل هذا الشَّتَات والتشرذم، نعيش متاهة التعصب والضَّياع الفكري والعقائدي منذ عقود، لتفريغ أزمات نفسية، أو “تنفيس جهل”، وكَيْل الاتهامات والافتراءات، وبالتالي فإننا أمام معركة خاسرة، عندما يتجرد “ذوو القربي” من آدميتهم وإنسانيتهم. وفصل الخطاب: “لا تدع ميولك وإصرارك ينقلبان إلى عِنَادٍ وجهل”.
ورثتي سيتخلصون مني
إنني أعاني من أصوت الباعة الجائلين الذين يستخدمون مكبرات الصوت في ندائهم على بضائعهم، فأصواتهم تقتحم صمتي وهدوئي داخل حجرات بيتي، لكن صوتاً بعينه أكرهه أكثر، فهو يعذبني، هو صوت مشتر كتب وكراسات قديمة، يقف أمام بيتي وينادي في إلحاح وكأنه يقصدني: إللي عنده كتب قديمة، الكيلو بربع جنيه.. تابع مصطفى نصر بث شكواه في “المشهد” قائلا: أنظر حينذاك إلى كتبي المصفوفة حولي في المكتبة، فإذا مت فجأة قد يبحث الورثة عن تنظيف الشقة من هذه الكتب، التي تشغل جزءا كبيراً من الحجرة، ولن يجدوا سوى هذا الرجل ليشتريها بالكيلو. أو ربما يرمونها في صناديق القمامة الكبيرة.. المهم أن يخلوا الشقة منها.
وأضاف: كنتُ أسير مع صديقي شوقي بدر يوسف وتوقفنا في محطة مصر أمام بائع كتب قديمة، وفاجأني شوقي بقوله للبائع: فيه زميل لنا مات، خد رقم تليفونه من مصطفى واعرض على أسرته شراء مكتبته. كان يقصد زميلنا أنور جعفر، ولم يكن قد مر على موته سوى أيام قلائل. فشعرت بالخوف، وقلت لشوقي: معنى هذا إنك سترشد باعة الكتب القديمة لبيتي فور موتي، ليتفاوضوا مع ورثتي في شراء مكتبتي. ومرت فترة قصيرة وفوجئت بكتب أنور جعفر تباع عند بائع الكتب القديمة على ترام الرمل. وأتذكر عندما مات المستشار فوزي عبد القادر الميلادي، وذهبتُ لتعزية أهله في الصباح، فأمسك أخوه الصغير بذراعي، وسار بي بعيدا عن أمه قائلا: أبقى تعال خد الكتب دي، علشان عايزين ننظفوا الشقة. وكان لدى المستشار كتباً كثيرة ذات قيمة، ملقاة في حجرته في إهمال، بعضها هدية من المركز الثقافي الأمريكي، كان يطلبها ويقدمها مكافأة في المسابقات الأدبية التي يقيمها ويشرف عليها، بصفته رئيساً لهيئة الفنون والآداب. وعندما ذهبتُ لطلب الكتب كما اتفق معي أخوه؛ قالت أمه: أخوه إللي في أمريكا، قال، حانهديها للمكتبة.
لا تبيعوني
سافر مصطفى نصر إلى القاهرة لزيارة المعرض الدولي للكتاب، فوجد عند باعة الكتب القديمة – سور الأزبكية – كتب المرحوم أحمد محمد عطية، ملقاة في ركن، وفيها كتبه التي أهداها إليه، وتعليقاته عليها بالخط الأحمر، وفي الناحية الأخرى، كتب المرحوم أنس داود.. تابع الكاتب: عندما عدت إلى الإسكندرية، وجدت كتب المرحوم الدكتور أحمد ماهر البقري تباع في شارع النبي دانيال عند بائع قريب جدا من المعهد الفرنسي، وبعدها بأيام كانت كتب المستشار الميلادي تباع أيضا، واشتريت بعضها. وحدثنا الأديب رجب سعد السيد فقال إنه وجد مكتبة الكاتب الكبير نيقولا يوسف عند باعة الكتب القديمة في شارع النبي دانيال في الإسكندرية، وفوجئ بوجود مخطوطات لكتب لم يسبق نشرها، ضمن الكتب، وسأل البائع عن ثمنها قال له: ثلاثة آلاف جنيه. وعندما جمع المبلغ وذهب لشرائها وجده قد باعها.. فقال شعرتُ بالحزن، فكأن الورثة يبيعون أعضاء فقيدهم. وتذكرتُ ما يحدث في سوق الجمعة، صور رجال ونساء داخل إطاراتها تباع على الأرصفة، فشعرت بالرجفة: من يستطيع بيع صور والده أو والدته؟! فقال لي صديقي الذي يرافقني في مشاهدة بضائع السوق: أكيد زوجة الإبن باعت صور حماها وحماتها بعد موتهما.. هذا هو مصيرنا، سنباع للبائعين الجائلين الذين يشترون المتروكات والأشياء التي تضايق ربة البيت، وذلك ذكرني بزميل باع مكتبته منذ سنوات لبائع كان يقف أمام سينما الدورادو، فسألته: لماذا بعت مكتبتك؟ قال: أبيعها بنفسي أفضل، فالورثة لن يعرفوا قيمتها، وسيبيعونها بأبخس ثمن. وصديقي الذي باع ابنه مكتبته.. كتبه وأجنداته وأوراقه الأدبية الخاصة، كل شيء باعه بسهولة ليخلي الحجرات ليسكنها، وكتبي التي وضعتها خارج الشقة وقت ترميم بيتنا، فجاء رجل في الصباح الباكر وحمل أجولة فوق ظهره ليومين، وكان باب الشارع مخلوعا لزوم الترميم، فأخذ الأعمال الكاملة لتشيخوف والأعمال الكاملة لجوركي والأعمال الكاملة ليوسف إدريس، والمجموعات القصصية المترجمة التي اشتريتها من المكتبة العراقية في شارع سليمان، وكنت سعيدا بها وحريصا عليها. اختار الرجل الكتب الكبيرة والممتلئة لتكون ثقيلة في الميزان وقت البيع. وتحدثت مع صديق عن مخاوفي، فقال: مش معقول ورثتنا يفعلون بنا هذا ونحن نضحي بكل شيء من أجلهم.. ذلك ذكرني بأبناء الكُتاب، البعض يذكر والده ويظل وفيا له ولكتبه، والبعض ما إن يموت والده، حتى ينتهي كل شيء بالنسبة إليه.
عندما فزت بالجائزة الأولي في الرواية في مسابقة نادي القصة في القاهرة عن روايتي “الجهيني” عام 1982 كتبتْ المجلات والصحف عن إبن الشهيد يوسف السباعي، الذي سيحضر حفل توزيع الجوائز ويهديني كأساً بإسم أسرة يوسف السباعي، لكن يوم الحفل لم يحدث هذا، ولم يأت أحد من أسرة يوسف السباعي. بعكس ما تفعله أسرة المرحوم إحسان عبد القدوس، فقد وهبوا جائزة مالية بإسم والدهم في الرواية والقصة القصيرة، وأقاموا صالونا بإسمه، ودافعوا عن كتبه، وهذا ما فعله الدكتور رؤوف سلامة موسى مع والده، لقد وهب حياته وماله وكل ما يملك من أجل تراث والده، ومن أجل فكره فأعاد طبع كتبه ومجلاته التي كان يصدرها في حياته، حتى ظن البعض أن دولاً مغرضة تبنت فكر سلامة موسى، وتقوم بإعادة طبع كتبه وإعادة طبع وتوزيع مجلاته.
ضحايا البالطو
رغم كل الضغوط التي يتعرض لها الأطباء في مصر وخاصة الشباب إلا أنهم مازالوا قادرين على الصمود والعطاء والاحتفاظ بالريادة على المستوى العربي والإفريقي.. هؤلاء الشباب يعملون في ظروف صعبة جداً ويتحملون عبئا ثقيلا وفقاً لهشام الهلوتي في “الوفد”، خاصة في اقسام الطوارئ والاستقبال، في ظل نقص الإمكانات المتاحة لتقديم خدمة طبية متكاملة.. وقال هؤلاء يعانون أيضا من تدني المرتبات مقارنة بزملائهم الذين هاجروا إلى دول عربية أو أجنبية، وفوق كل هذا فهم عرضة للتعدي عليهم من قبل أهالي المرضى. ولعل أزمة الفنان محمد فؤاد مع طبيب استقبال مستشفى عين شمس التخصصي أحد صور هذه التعديات.. وهناك صور أكثر قسوة قد تصل إلى الضرب والتهديد بالقتل، وهي مستمرة منذ سنوات كما حدث مؤخراً مع طبيب في كفر الشيخ أصيب بكسر في الكتف اليمنى والقدم وتم إجراء عملية جراحية وتركيب مسامير له، وذلك بعد أن قام مريض وزوجة ابنه باستدعاء أشخاص من الخارج، وحولوا المستشفى إلى ساحة حرب وقاموا بالتعدي على الطبيب والشروع في قتله.. ومن قبلها بأيام واقعة تعد أخرى على طبيب في مستشفى سوهاج التعليمي تم طعنه بسلاح أبيض.
هذه الاعتداءات المتكررة على الأطباء أدت إلى تزايد حالات الهجرة للخارج والإحجام عن قبول التكليف. وحذرت نقابة الأطباء أكثر من مرة ودقت ناقوس الخطر من المناخ الطارد للأطباء، الذي وصل خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى درجة مقلقة لعدة أسباب أهمها تدني الأجور وزيادة ساعات العمل نتيجة نقص الأعداد، والتعدي على الأطباء في المستشفيات، وتأخر صدور قانون المسئولية الطبية لحماية الأطباء في أماكن عملهم، والحفاظ على حقوقهم.. وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن عدد خريجي كليات الطب يصل سنويا يصل إلى 11 ألف طبيب، وهو عدد كاف لاستقرار المنظومة الصحية، لكن للاسف أكثر من 60% منهم يتجهون للهجرة خارج مصر، والغريب أن 80% من هؤلاء المهاجرين فوق سن الثلاثين، أي إنهم حصلوا على خبرات ومهارات تجعلهم ثروة ومكسبا لأي دولة وخسارة فادحة لمصر.. هذا المناخ الطارد لصفوة العقول يحتاج إلى تدخل سريع من الدولة للحفاظ عليهم.
انتظرنا حتى تكلم
كل المهتمين بالشأن العام في العالم، عربا وغير عرب، انتظروا خطاب السيد حسن نصرالله، أمين عام “حزب الله”، بعدما أعلن عن موعده. ومن بين المنتظرين عبد اللطيف المناوي في “المصري اليوم”، الذس قال حُشدت الساحات، وعلت الهمم، واتسعت المدارك، انتظارا لهذا الحدث الجلل، فجاء الخطاب في 55 دقيقة، سادت فيه نبرة السخرية، لكن التوتر لم يغب عن نبرة نصرالله. احتوت كلمات زعيم الحزب على رد بلا معلومات أو إثباتات.. غابت الدولة اللبنانية بشكل كامل عن كلمات السيد نصر الله، الذي أقر بأن الهجوم الاستباقي الإسرائيلي حدث قبل نصف الساعة من بدء هجوم الحزب، وهذا الإقرار بمثابة إقرار صريح بأن القيادة العسكرية للحزب مخترقة أمنيّا، وهذا يفسر نجاح إسرائيل في اغتيال قياداته العليا في أوقات سابقة، وآخرهم فؤاد شكر.. حمّل نصرالله تل أبيب مسؤولية التصعيد، مشددا على أن اغتيال فؤاد شكر في ضاحية بيروت تجاوز كل الخطوط الحمراء، وأن حزبه تأخر في الرد على هذا الحادث عقابا لإسرائيل (مثلما قال قبل ذلك)، لكن الرد جاء وبالطريقة التي فضلها حزب الله، معلنا أن الرد انتهى!. وأعلن نصرالله في خطابه كذلك أن كل طرف في «محور المقاومة» سيقرر كيف يرد بطريقته، إذ سيكون هناك رد لإيران وللحوثيين بعد ردّه!..
هذه أهم نقاط الخطاب الذي انتظره الكثيرون، إلا أنهم بقدر انتظارهم لهذا الخطاب، اختلفوا في تقييمه.. كان المتفائلون يرون أن أحسن الأوقات للمشاركة في الصراع ضد إسرائيل لتحقيق أفضل النتائج السياسية هو فتح الجبهة في الجنوب اللبناني، خصوصا أن لدى المتفائلين انطباعا بأن «حزب الله» لديه من السلاح والرجال ما هو أفضل للمواجهة. والحقيقة أن استقبال المتفائلين المنتمين يشير إلى أنه لا أمل في هؤلاء أن يفيقوا، ولا معنى للتوجه إليهم بحديث العقل.. أما استقبال المعارضين لكل طرح ومواقف «حزب الله» وسيده صاحب «السرديات»، فإن قناعتهم أنه ليس أكثر من ذراع إيرانية في المنطقة، وهؤلاء مثلهم مثل المجموعة الأولى ستظل على موقفها مهما تمت مواجهتهم بمنطق، فلن يغيروا آراءهم.
عرض الموسم
من أبرز المعارك الصحافية ضد الإخوان تلك التي شنها عماد فؤاد في “الوطن”، فقال تكرّمت جماعة الإخوان على الشعب المصري بتقديم آخر عروضها عبر فضائية «الشرق»، التي تبث من تركيا، وهو اعتزال السياسة لمدد تتراوح بين 10 و15 عاماً، ونسيان ما فات منذ الإطاحة بحُكم الجماعة قبل 11 عاماً، في يونيو عام 2013، والمقابل هو الإفراج عن عناصرها في السجون. وقال هذا العرض (السخي) قدّمه القيادي الهارب في العاصمة البريطانية «لندن» حلمي الجزار، نائب القائم بعمل مرشد الجماعة. ويبدو أن الجماعة الإرهابية وضعت شرطاً شفهياً «غير مكتوب» لكل من يرغب في الانضمام إليها.. بأن يتمتّع بالغباء الكافي، وهذه الصفة متوافرة لديهم من أكبر قيادة إلى أصغر عضو، ومن يتذاكى منهم سعى لاستعباط الآخرين. وبالمناسبة أجاز المجمع اللغوي في مصر استخدام كلمة «استعبط» في اللغة العربية. وأوضح أن سبب هذه الإجازة يعود إلى أن كلمة «عبيط»، كما جاء في المعجم «الوسيط»، تعني الأبله غير الناضج، وبالتالي فإن فعل استعبط أخذ معناه من الصفة، وأن عبارة «استعبط فلان فلاناً»، تعني أنه ظنه عبيطاً.. وأضاف هذا العرض الإخواني يمثل قمة «الاستعباط»، فالجماعة الإرهابية تريد من المصريين أن يتناسوا جرائمها في حق الوطن أولاً، وفي حقهم ثانياً، ولم يوضح «الجزار» أن كان عرضهم هذا مقدماً إلى الشعب المصري، أم إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه.
في انتظار الرد
إذا كان العرض الذي يحدثنا عنه عماد فؤاد من أحد رموز الإخوان مقدماً إلى الشعب المصري، فهو مرفوض جملة وتفصيلاً، حسب قوله، فذاكرتنا ليست كذاكرة الأسماك، ولم نقُم بثورتنا العظيمة، وإسقاطكم عن حكم مصر في 2013، لنُعيدكم إلى المشهد مرة أخرى في 2024، ولم نراكم فصيلاً سياسياً أخطأ أو ضل طريقه، لكننا أسقطناكم كتنظيم إرهابي، ودفعنا الثمن غالياً من دماء شهدائنا أبناء الجيش والشرطة، ومن المدنيين أيضاً.. وواصل الكاتب هجومه العنيف: فات الجماعة الإرهابية أن المظلومية التي طالما رفعتها منذ تأسيسها، كلما اصطدمت بأنظمة الحكم على مدى تاريخها، ذهبت إلى غير رجعة، وتم القضاء عليها بحكم الشعب نفسه، وليس بقرار إداري أو أمني، والحقيقة المؤكدة أن وجودها في مصر الآن، مجرد الوجود، وليس العودة للحكم أو المشاركة في الحياة السياسية أصبح من رابع المستحيلات. وإذا كان العرض مقدماً إلى الرئيس السيسي بصفته رأس النظام الحاكم، فهو يُبلور قمة الغباء الإخواني في أوضح صوره، لأن أصحاب العرض تغاضوا، من قبيل الاستعباط، على أن «السيسي» قالها جازماً: لا وجود للإخوان في عهدي. وقال الكاتب نحن الآن أمام محاولة يائسة لعودة الجماعة الإرهابية إلى المشهد العام في مصر، وهذا العرض لا يتّسق مع سيرة ومسيرة الجماعة، ولا يستأهل الرد عليه سوى بعبارة «العبوا غيرها»، وقد اعتادت النكوث بعهودها، ولم تلتزم بعهد واحد قطعته على نفسها، سواء مع الشعب، أو أنظمة الحكم، بداية من الملك فاروق، مروراً بالرئيسين جمال عبدالناصر، وأنور السادات، وحتى الرئيس حسني مبارك، وفوق كل ذلك، أظهرت فُجورها في الخصومة، مع كل خلاف، على حد قوله.
صفقة مفخخة
نبقى مع الهجوم على الصفقة بين الجماعة والنظام على يد حمدي رزق في “المصري اليوم”، إذ قال بمناسبة «حديث المصالحة»، الذي تلوكه ألسنة ثعالب الجماعة الإرهابية ما بين لندن واسطنبول، ويُنسب إلى جزار الإخوان، حلمي الجزار، الرجل الثاني في جماعة الإخوان، نائب القائم بعمل المرشد العام.. يلزم الحيطة والحذر.. وأضاف كل عام في نفس الموعد، يخرج علينا جزار الإخوان في ثياب الواعظين، يسرب بيانا من مكمنه ليشغل به الفضاء الإلكتروني.. وأضاف بيان أغسطس الماضي، بيان الصيف، كان بعنوان «الجماعة تراجع نفسها»، وبيان الصيف الحالي «الجماعة تصالح نفسها». ومضى للقول تخيل الثعلب الذي لا يجد مأوى يعصمه وإخوانه في الشتات، ضاقت بهم الأرض، يطلب صلحا موهوما بعد مراجعات مزعومة، على طريقة الصلح خير قوم نتصالح..
جراد أسود
واصل حمدي رزق هجومه على الجماعة قائلاً: الإخوان إذا دخلوا دولة، الخراب في أذيالهم، برلين تشكو من الأخونة في «ميونخ»، ولندن تشكو الأخونة في «برمنجهام».. كالوباء الإخوان جراد أسود يلوث وجه الحضارة الإنسانية.. من مكمنه «الجزار» يتثعلب سياسيّا، يرسل رسالة، والرسالة بعلم الوصول: صفح وغفران وتوبة عن العمل السياسي لعقد أو أكثر. وقال “فعلا يموت الزمار ويده بتلعب”.. الجزار يحتاج فقط عشر سنوات هدنة لإحياء الجماعة، نفس خطة مرشده عمر التلمساني، ونجحت مع السادات، واغتالوا السادات بعد عشر سنين.
يتخبطه الشيطان
لا تجد وصفاً على حد رأي الدكتور محمود خليل أوقع للإنسان حين يقع في حالة “تخبّط”، ولا شرحاً أوفى للأسباب التي تؤدي إلى سقوطه في “فخ التخبط” ، مثل ذلك الوصف والشرح الذي تقدّمه الآية الكريمة التي تقول: “الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ”. وهي حسب الكاتب في “الوطن” تصف الحالة التي تتلبس الإنسان حين يترخص في أكل الربا ويتقبّل فكرة التربّح منه، فهو يصبح مثل الإنسان المصروع الذي مسّه الشيطان، يعيش حالة ترنّح لا تقوى قدماه على حمله، يسقط على الأرض، يضرب يميناً ويساراً، يصعد جسده ويهبط، هكذا بلا راحة.. والآية كما تعلم تشرح الحالة التي سيكون عليها أكلة الربا حين يخرجون من قبورهم للقاء الخالق العظيم يوم القيامة، لكنها تصلح كأساس لفهم طبيعة وأسباب حالة التخبّط التي يمكن أن تضرب الأفراد أو المجتمعات، خلال فترات معينة من أعمارهم.
ويرى الكاتب أن “المس الشيطاني” الذي تتحدث عنه الآية الكريمة أبعد دلالة من المعنى المتداول شعبياً لكلمة ممسوس، إذ يشير إلى هذا السبب أو ذاك من الأسباب التي تؤدي إلى سقوط الإنسان في “فخ التخبّط”.. فالمسألة مجازية وتمثل محاولة لتقريب المعنى إلى ذهن القارئ أو السامع، فالتخبّط حالة تصيب الإنسان حين يفقد رشده أو هداه، أو بعبارة أخرى حين يفقد البوصلة التي تنظم حركته في الحياة، ليصبح أداؤه “خبط عشواء”، يضرب يميناً ويساراً، وأعلى وأسفل، يحاول القفز في السماء، ثم يرتمي على الأرض.. وفي كل الأحوال لا يدري من تصيبه تلك الحالة التي حدثنا عنها الدكتور محمود خليل سبباً لما يفعل، فالحركة التي يأتيها أو اتجاهها ليس لها أي معنى، سوى محاولة يائسة ومُبهمة للخروج من حالة المس (سبب التخبّط) التي يشعر بها.
عاقبة الربا
المفروض أن الإنسان حين يدرك سبب علته يُبادر إلى التعامل معها، مما يؤدي إلى تحييد السبب، وبالتالي التخلص من الأعراض. لكن المسألة ليست سهلة أو بسيطة بهذا القدر. فالإنسان في هذه الحالة لا يضغط على زر يوقف به السبب، بل يحاول بسذاجة أن يجد لنفسه المبرّرات.. وفي الحالة التي تتحدّث عنها الآية الكريمة حالة الربا تجد أن المرابي يسارع إلى القول إن البيع مثل الربا.. يقول تعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا»، إنها محاولة للمراوغة تستهدف تبرير التمسّك بأسباب التخبُّط. فالمرابي يرى أن الربح الذي يتحقّق من البيع يماثل الربح الذي يتحقّق من الربا.. فما الفارق؟ هذه فلوس وتلك فلوس، ويرد الخالق العظيم على هذه المحاولة للمراوغة بقوله تعالى: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا». فالبيع حلال والربا حرام، وفارق كبير بين الحلال والحرام.. في هذا السياق نستطيع أن نفهم التخبّط: فهو أولاً حالة من حالات افتقاد البوصلة، وثانياً حالة يحركها سبب واضح يعرفه المتخبّط، ويدركه من حوله، وهو ثالثاً حالة مراوغة يحاول فيها المتخبّط التستر على السبب الذي أدى به إلى التخبّط، في محاولة للتعامي عما يراه في نفسه وما يبصره المحيطون به.
أزمة كل عام
سوف تبقى الثانوية العامة، على حد وصف فاروق جويدة في “الأهرام”، الشبح الذي تخشاه الأسرة المصرية بدءا من الدروس الخصوصية، وكتب الفجالة وانتهاء بالمجموع ومكتب التنسيق والجامعات.. وكل من تولى مسؤولية التعليم في مصر كانت الثانوية العامة هي أولى معاركه مع المدرسين والطلاب والجامعات.. ولذلك كانت المعارك تدور في هذه المنطقة بين الدروس الخصوصية والكتب المساعدة ومكتب التنسيق، مشيرا إلى أن الأزمة الحقيقية أن الثانوية العامة كانت حقل تجارب، لأن كل وزير يتولى المسؤولية يحاول أن يغير فيها، ولم يكن هناك برنامج يحافظ على أهداف هذه الشهادة رغم أنها تمثل العمود الفقري للتعليم في مصر..
وفي الأيام الأخيرة شهدت الثانوية العامة بعض التغيرات مثل حذف بعض المواد وتقليص ودمج البعض الآخر. وقد هبطت هذه التغيرات على رأس الأسرة المصرية، دون تمهيد أو حوار أو تخطيط، رغم أن لدينا جهات كثيرة كان ينبغي أن نستعين بها في هذه المهمة، وعلى سبيل المثال فإن إلغاء مواد مثل اللغة الفرنسية أو علم النفس أو الجيولوجيا يحتاج إلى دراسات أمام عالم يعاني ظواهر طبيعية احتار فيها العلماء، ومنها الأعاصير والزلازل والبترول، والخلل النفسي الذي اجتاح شعوبا كثيرة. كما إن تهميش اللغة الفرنسية يمثل خسارة كبيرة للعقل المصري أدبيا وإبداعيا، ويطرح أكثر من سؤال حول مستقبل آلاف المدرسين وعشرات الأقسام الفرنسية، التي تنتشر في جامعاتنا..
وقال الكاتب قضية الثانوية العامة قضية شائكة جدا، وإذا أردنا أن نغير مناهجها أو نحذفها يجب الرجوع إلى أصحاب الخبرة والمتخصصين.. وإن ما دار من حوارات حول مستقبل الثانوية العامة يتطلب المزيد من البحث والدراسة، خاصة إذا تعلق الأمر بإلغاء مواد أو دمجها، من خلال قرارات تحتاج لدراسة أكبر، لأننا نتحدث عن مستقبل وطن ومصير أجيال..