ذوات في مفترق الكتابة

من المحتمل أن تُحدث مقاربةُ العلاقةِ القائمة بين ذات الكتابة، والذات الكاتبةِ، حالةً من الالتباس لدى المتلقي التقليدي، حيث سيتساءل إزاءها عن دلالةِ استحضارٍ «غيرِ منطقي» لذاتيْنِ، تحاول كل منهما إقناعه بانفصالها عن الأخرى، وهو التباسٌ موضوعي ومشروع، بالنسبة لقراءةٍ تجزِم بلاَ جدوى تضخيمِ الحديث عن ذات الكتابة، باعتبار أن الذاتَ الكاتبةَ هي التي تحتل مركزَ الثقل في كل عملية إبداعية، والحال إن أجواء الالتباس، تظل مخيمة بظلالها، بفِعل تعذر إمكانية إسنادِ تعريفٍ محكمٍ، من شأنه وضع حد فاصل بينهما، ذلك أن تبادلهُما، وبشكل شبهِ مباغتٍ لوظائفهما، يحُول دون الاحتفاظ بتصورٍ محددٍ، يُضفي على كل من الذاتين خصوصيتها المستقلة، مع التأكيد على تنويهنا بإيجابية هذا الالتباس، الذي نعتبره مكونا مركزيا، حاضرا في صلب العلاقات المتبادلة بين الذات الكاتبة، وذات الكتابة، كما هو معبر عنه في مراوحتهما المشتركة، بين فضاء المعيش وفضاء المتخيل، التي غالبا ما تكون سببا مباشرا في تتالي لحظات توحدِهما وتداخلهما، بموازاة تتالِي لحظاتِ انفصالهما، إلى درجة استحالة تلمس الفرق بين بنيتَي كل منهما.

ثم إن الحياة وفي خضم جموحها الكبير، وهوسها المفرط بتحقيق الحد الأقصى من الإشباع، تنزعُ وبكثير من المكابدة والمكابرة والألم والعشق أيضا، إلى التموضع في رحاب أرض الكتابة، بوصفها فضاءً لحياةٍ محتملةٍ، تقيم خارج عنفِ الواقع وشروطه القاسية، وأيضا بوصفها سيدةَ التخومِ النائية، التي تحلم الحياة الواقعية ببلوغها، لأنها تجد فيها مجالَ تَمَثلِ كل ما له صلةٌ بحد الاستحالة، الذي لا يفتأ الواقع يطاردنا به، حيث ما من رغبةٍ لتحصِيل أفقٍ مَا، إلا تبدو مهددة بالإجهاض، ما يجعل حياة الكائن، سلسلة متوالية من الإخفاقات، والإقامات الإجبارية في منافي المستحيل، بما تعنيه الكلمة من دلالات مادية ورمزية، فيما الكتابةُ، أو بالأحرى الحياة المستحضرة داخلها، تكون قابلة للتملك، على ضوء ما هو متاح للقراءة من قابلية للتفاعل الجمالي والإبداعي مع الكائنات المتواجدة في عوالمها، الذي يمكن اعتباره، بمثابة عامل ديناميكي، تستند إليه القراءة في تفاعلها مع عوالم الكتابة، بما تتضمنه من مواقف إنسانية وأحداث ووقائع، على أساسِ أن منهجيةَ التعرف المعتمدةِ في قراءة الحياة داخل النصوص، تختلف بشكل جذري عن تلك المعيشة بشكل مباشر في الواقع، ولعل أهم العناصر الواجب استحضارها في هذا التعرف، هو الاقتناع بنوع من التكامل القائم بين الذات الكاتبة، وذات الكتابة، اللتين تصبحان في غمرة حلولاتهما وتماهياتهما المتبادلة، ذاتا مركبة بصيغة جمْع، منفتح على احتمالاته، كما يصبح كل تبئير/تركيز على ذات مفردة، مخصوصة بملامحها وسماتها، نوعا من التمييز المقصود، الهادف إلى إبراز ما يميزها عن غيرها من الذوات المحايثة لها، وهو ما يضعنا مباشرة في قلب العلاقة الجدلية، التي نتبين من خلالها، مختلف ما تتعرض له الذات من تحولات، وهي تتفقدُ مساراتها في مراياها الشخصية، أو في مرايا الآخر.

وفي سياق الإشارة إلى مبدأ التعرف المغاير، المعني بتأويل الأبعاد الجديدة التي تأخذها الحياة المعيشة لحظة انتقالها إلى فضاءات الكتابة، يمكن الحديث عن التجلي المحتملِ لكل تلك النماذج البشرية، التي لم يكن ربما حضورها واردا، حتى بالنسبة للذات الكاتبة، وهي تعيش تخلقها في خضم ما تقترحه علينا ذات الكتابة من إبدالات، خلال ترحالها بنا من نسق لآخر، ومن إطار قول لآخر، فاتحةً بذلك الباب لذات القراءة، كي تتولى أمر تدبير ما يحدث أمامها وفيها، من أحداث وكوابيس وأحلام، ربما تكون أكثر واقعية، عما هو معيش في مضايق الحياة.

وكما هو معلوم، فإن مكونات هوية الذات الكاتبة، لا تتحدد فقط بحيثياتها الأوتوبيوغرافية، التي يستدل بها القارئ على مصادر النصوص المعروضة تحت عينيه، بل إنها فضلا عن ذلك، تنبهنا بحكم تواطئها مع ذات الكتابة، إلى إمكانية تنكرها لهويتها، وإلى عدم قابليتها للتقيد الدائم بالتوصيف المدني والمجتمعي، في ظل ما تمليه عليها علاقاتها المتعددة بأصوات العالم، من خطابات، وردود أفعال تجاه مواقف وقضايا، موجهة بطابعها الاجتماعي أو الثقافي، ما يجعلها، في حركية دائبة، تؤثر في تحجيب غير قليل من ملامحها، كما أن قوانين التكيف والتعايش، سواء داخل واقع الحياة، أو داخل متخيل الكتابة، تحفزها على امتلاك ما يكفي من المقومات المعرفية والسلوكية، في أفق انفتاحها على هويات نصية مختلفة، تتقمص بها أكثر من جسد، وأكثر من روح، وأكثر من خطاب. ففي الكتابة فقط، نستطيع أن نكتشف حدود تفاعل الذات مع أهم إشكاليات الجسد والروح، التي يصطخب الواقع بأمواجهما الحجرية، كما نستطيع التعرف على مدى استعداد الذات، ﻷن تكون مؤقتا ذلك الآخر المتحول بِتحَول ما يَرِدُ عليه من مقامات ومواقف.

ولعل الحديث عن الدينامية التي تتميز بها كل ذات عن غيرها، هو حديث ضمنِي عن قدرتها على تحقيق هذا النوع من التفاعل المتباين والمتعدد، من حيث مستوياته وأنواعه، والمراوح بين إطاره الخاص والعام، المحلي والكوني، انسجاما مع طبيعة ما تمتلكه من قناعات نظرية، وخبرات إبداعية واجتماعية. بمعنى أن الجانب المعرفي، يمارس هنا دوره الحاسم في تحديد مسارات الذوات، إما باتجاه ذاتها، أو باتجاه الآخر.

الحديث عن الدينامية التي تتميز بها كل ذات عن غيرها، هو حديث ضمنِي عن قدرتها على تحقيق التفاعل المتباين والمتعدد انسجاما مع طبيعة ما تمتلكه من قناعات نظرية، وخبرات إبداعية واجتماعية

وفي هذا السياق تحديدا، تحضرنا حالات، تخضع فيها الذات الكاتبة لسلطةِ مدونةٍ إبداعيةٍ أو فكرية، مفردة وأحادية، تجد فيها نموذجها المثالي، فتغدو من خلال تماهيها الأعمى معها، عبارة عن كائن معاق، حينما يتحول التماهي، إلى مطيةٍ لاستنساخِ منْجزِ الآخر، والسطوعلى خصوصياته، عوض الارتقاء به إلى مستوى تفاعلي، تندمج من خلاله ذات الكتابة في أفقٍ حِواري مشترك، يُعتبر بحق، إطارا جمعا وجامعا، تتوحد فيه ذوات الكتابات المتشظية والمتفرقة، الخبيرةِ بالسير في تلك المسالك الخفية، الممتدة بين فضاءات المعيش، وفضاءات الكتابة، مع الأخذ بعين الاعتبار، تلك الاستقلالية الملموسة بينها، التي يفترض فيها، أن تظل محتفظة بملامحها الفارقة، داخل ما اعتبرناه إطارا جامعا وموحدا، سواء على مستوى دلالات القول، أو على مستوى جمالياته، بحيث يمكن الحديث أحيانا، عن تَقدم مبدأ الاستقلالية، كي يأخذ شكل قطيعة موضوعية، تسري ذبذباتها في نسيج هويات نصية، إبداعية وجمالية، غير معنية تماما بأي شكل من أشكال التفاعل أو التواصل الأوتوبيوغرافي، الذي قد يكون في بعض الحالات الاستثنائية، غريبا ومنفصلا عن مجالات اشتغالها، بدون أن يمنع ذلك، من ظهور ضرورة سياقية مؤطرة بقوانينها، تستدعي استضافة ذات الكتابة لذات الكاتب، كي تتواجدا معا في الفضاء نفسه، مع هيمنة ملموسة لمن تَؤُول إليها مِلكيته. علما بأن ما يميز ذات الكتابة، هو تملكها لإمكانيات الإقامة المرنة في كل الفضاءات المحتملة، لاسيما بالنسبة للفضاء العام، الذي يُلزم المتواجدَ فيه، بامتلاك الحد الأدنى من بساطة القول وواقعيته، على غرار أي ذات مجتمعية، مطالبة بالاندماج الحتمي في مجريات وإكراهات اليومي، بكل ما يقتضيه السياق من تسطيح، وعفوية، وبؤس كذلك. وبالتالي فإن التواصل الموظف في هذه الفضاءات، ومهما بلغت درجة تَرَديه، يحتاج أيضا إلى مهارات حقيقية، هي نوع من العزف الاضطراري على ما يعتبره التلقي العام، الأوتارَ الأكثر حساسية بالنسبة لاهتماماته وانشغالاته، ما يستدعي توافر قدرة استثنائية على توظيف المعجم، وانتقاء وحدات الحكي المنتقاة من دائرة المِخْيال المشترك، وكفاياته المعرفية والثقافية.إلى جانب المعرفة بآليات تبسيط القضايا الشائكة، ذات الحمولة الدلالية، المتسمة عادة بكثافتها العلمية الإبداعية، أو السياسية، ولو أدى الأمر إلى إفراغها من كل ما تتبجح به من دلالات، حيث سيتأكد وبالملموس أن الذوات، المتواجدة داخل الكتابة أو خارجها، لا تكف عن استطابة ما تعيشه، وما تهفو إليه من تقاطعات واقعية وجمالية، في مفترق طرقات القول كما في طرقات الكتابة.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية