لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” مقالا أعده عبد الله فياض تحدث فيه عن مقامرة السعودية الضريبية، إذ قال إن رفع الضرائب أمر غير سهل على الإطلاق، مضيفا أن هذا الأمر يعرض الأنظمة الاستبدادية للخطر.
وأشار إلى أزمة حظر تصدير النفط بعد حرب عام 1973، حيث أظهرت صور لتلك الفترة الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود في أنحاء الولايات المتحدة، بعدما فرضت الدول العربية آنذاك حظرا لتصدير النفط على الولايات المتحدة لدعمها إسرائيل في الحرب العربية-الإسرائيلية عام 1973.
وتضاعف سعر النفط أربع أضعاف تقريبا، مما أدى إلى نقص في كميات النفطـ الأمر الذي ترك أثره السيء على الأمريكيين، بينما ترك هذا الأمر دولا مثل السعودية غنية لدرجة جعلها تقوم بتفكيك البيروقراطيات الضريبية، ولم يدفع المواطنون السعوديون أية ضريبة في العقود التي تلت.
وأضاف أن الوضع استمر إلى ما قبل العامين الماضيين عندما فرضت الرياض- الى جانب الأنظمة الإستبدادية النفطية المجاورة- ضريبة القيمة المضافة بقيمة 5 بالمئة على معظم السلع والخدمات. وبشكل عام لا أحد يحب دفع الضرائب، ناهيك عن الأشخاص الذين لم يدفعوها ابدا، وقد شكا الكثير من مواطني تلك الدول أن الدولة فرضت عبئا ماليا غير ضروري. لكن تلك الحكومات كانت في مأزق: فالطلب العالمي على النفط انخفض، وهناك حاجة لتنويع اقتصاداتهم بعيدا عن قطاع الطاقة.
ومنذ ذلك الحين، وبفضل الأزمة الاقتصادية التي نجمت عن فيروس كورونا انخفض الطلب على النفط أكثر مما كان عليه، مع دخول الأسعار إلى مرحلة سلبية بمقياس واحد. وفي مواجهة تفاقم العجز في الميزانية، قررت الحكومة السعودية خفض الانفاق ومضاعفة القيمة الضريبية ثلاثة اضعاف عما فرضته عام 2018، فيما لم تضع الدول المجاورة مثل الإمارات، حتى الآن خططا لزيادة الضريبة الخاصة بها. لكن السعودية ليست وحدها التي سارعت لإيجاد حلول ومعالجة آثار الوباء. ففي جميع انحاء العالم تقترح الدول ضرائب جديدة أو توسيع شبكة الأمان الاجتماعية في محاولة للتخفيف من الضغوط المالية الأسوأ على المواطنين. وفي الوقت الذي يأمل فيه المسؤولون أن تكون العديد من هذه الإجراءات مؤقتة- ويبدو أنها تعول على تعافي اقتصادي قصير المدى فقط- إلا أنها قد تتحول إلى سياسات طويلة المدى وتحول أساسي في توقعات الناس من حكومتهم، مما قد يطلق العنان لتحولات جيوسياسية رئيسية ستظهر في العقود القادمة.
وفي حالة السعودية، يعتبر معدل الضريبة الجديد وإجراءات التقشف استجابة مناسبة على ما يبدو لدولة تعتمد بشكل حصري على قطاع واحد لتمويل نفقات الحكومة. وقد تحدث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة، ومنذ سنوات عن انفتاح بلاده على استثمارات دولية أكبر وتنويع الاقتصاد، فضلا عن ترويج صورة أكثر علمانية لها إلى العالم الخارجي. وتعرقلت هذه الجهود عندما انسحب المستثمرون الأجانب بعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي الذي كان مقيما في الولايات المتحدة.
إلا أن الحكومة السعودية- وهي نظام استبدادي كبير- قاومت تاريخيا فرض الضرائب على مواطنيها لسبب ما: أن الضرائب تدفع الناس لطلب المزيد من حكوماتهم، ويمكن أن تكون في كثير من الأحيان حافزا للديمقراطية. ونقل عن سفين ستينمو البروفسور في جامعة كولورادو قوله إن “الضرائب تلعب دورا عميقا في صعود الديموقراطية”.
الحكومة السعودية قاومت تاريخيا فرض الضرائب على مواطنيها لسبب أن الضرائب تدفع الناس لطلب المزيد من حكوماتهم، ويمكن أن تكون في كثير من الأحيان حافزا للديمقراطية
ويضيف الكاتب أن الضرائب وجدت فعليا مع وجود الحكومات- فالأولى ضرورية لتمويل الأخيرة. لكن وبحسب وولفغانغ شون مدير معهد ماكس بلانك لقانون الضرائب والمالية العامة فان الأنظمة الضريبة مثل السعودية جديدة نسبيا وغير شائعة. وبفضل الأرباح من الموارد الطبيعية، تمكنت السعودية ودول خليجية أخرى من بناء حكومات كبيرة ذات صناديق رعاية اجتماعية كبيرة دون ان تطالب المواطنين بالدفع. ولكن عندما “تفرض الضرائب بدون أي فائدة مباشرة للمواطن”، فإن “الناس سيطالبون بتقاسم الأعباء ولانضباط في الميزانية على قدم المساواة، حتى في البلدان الديموقراطية”.
والتاريخ العالمي مليء بأمثلة على أنظمة ضريبية غير شعبية قادت إلى اضطراب سياسي. فالثورة الأمريكية اشتهرت بصرخة الحشد “لا ضرائب بدون تمثيل”. أما الثورة الفرنسية فقد كان سببها النظام الضريبي الرجعي، إلى جانب اتساع التفاوت الاقتصادي، مما أدى لاستياء شعبي ضد الارستقراطية. وحتى وثيقة ماغنا كارتا- وهي وثيقة أساسية في تطور الديموقراطية الغربية- قد وافق عليها ملك بريطانيا جون بعد تمرد الناس ضد الحروب والضرائب.
لكن في أحيان أخرى ليست الضرائب التي عادة ما هي التي تسبب الانتفاضات. فعندما يتم الغاء الإعانات طويلة الأمد- الضرائب السلبية بشكل فعال- تزداد الأسعار. وهذا لوحده كاف لاندلاع ثورات قوية. فعندما توقف دعم الوقود عام 2007 في ميانمار أو بورما على سبيل المثال اشتعلت ثورة الزعفران. وعندما حد السودان من دعم القمح والوقود عام 2018، الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الخبز قاد الى حركة احتجاجية أطاحت في نهاية المطاف بديكتاتورها عمر البشير.
وفي النهاية لا تؤدي الثورات الضريبية دائما إلى الديمقراطية: على الرغم من مساهمة الناشطين في ميانمار بفتح البلاد بعد ذلك بسنوات، إلا أن عملهم لم يؤد لديمقراطية الدولة بشكل كامل. وحتى إندونيسيا، التي شهدت نتيجة مماثلة لكن أكثر نجاحا عندما رفعت الحكومة أسعار الغاز عام 1988، استمر النضال من أجل التصنيف الديموقراطي على الرغم من إجراء انتخابات حرة ونزيهة الآن.
ويعلق أن الضرائب المباشرة قد تترك تأثيرا مختلفا: ففي الوقت الذي يؤدي فيه رفع المعونات إلى ضجة كبيرة، فإن الضرائب الإيجابية، خاصة عندما تكون دائمة، تشكل تذكيرا لا مفر منه للمواطنين بضرورة أن يكون لهم رأي في طريقة حكمهم. وبينما قد لا تؤدي الخطة الضريبية الجديدة في السعودية إلى سلسلة من الأحداث التي تقود إلى الديموقراطية في شبه الجزيرة العربية، إلا أنها قد تحمل تأثيرا سياسيا كبيرا. ونقل الكاتب عن جيم كرين الخبير في الجغرافيا السياسية للطاقة في معهد بيكر بجامعة رايس، انه عندما يدفع المواطنون الضرائب فانهم يميلون الى الاهتمام بالتأثير- أو حتى تحديد- كيفية إنفاق تلك الأموال. كما قال “إنها تشجع على المشاركة، وبالتالي فهي تحد من استقلالية الحكومة”.
وهذا لأن الضرائب تجعل الحكومة مسؤولة أمام من يدفعون لها المال. والديمقراطية هي الطريقة الوحيدة التي تجعل دافع الضريبة يخبر ممثله أنه يدعم الحكومة أم لا. وتظل الديمقراطية وسيلة من وسائل محاسبة من هم في الحكم، فالنظام قد يلجأ لتلبية مطالب المواطنين حتى ولم يكن لديه مؤسسات ديمقراطية لأنه يعرف أن انفصامه عن مطالب المواطنين يجعله عرضة للمشاكل كما يقول ستينمو، مؤلف كتاب “الضريبة والديمقراطية”. وعليه تشعر تلك الحكومات أنها بحاجة لتقديم تنازلات قليلة. والصين هي حالة للدراسة فهي لا تزال تأخذ بعين الاعتبار المشاعر العامة وتسمح للمواطنين بالحراك الاجتماعي وتحسن من أوضاعهم المعيشية. ويعلق كرين أن الصين لديها نوع مختلف من العقد الإجتماعي تظل فيه الدولة في السلطة بناء على إدارة الإقتصاد.
عندما تتلاعب الحكومة بالعقد الاجتماعي بدون تشاور مع المواطنين وتطلب منهم مزيدا من المال فهذا قد يقود إلى تذمر ومقاومة أو ثورة
أما العقد الاجتماعي في السعودية فهو باتجاه واحد حيث ظلت الأموال تتدفق من الحكومة إلى المواطنين، حتى العامين الماضيين. ولأن هذا تغير في فترة زمنية قصيرة فمن الصعب التكهن بالطريقة التي سيؤثر فيها على العلاقة بين المواطنين والحكام. ومن هنا فالتنازلات قد تأتي على شكل توفير حريات اجتماعية مثلما تفعل الآن من فتح الباب أمام المرأة لقيادة السيارة والمشاركة في الانتخابات المحلية. ولا تتعامل السعودية وغيرها من الدول مع الأزمة الصحية العالمية والانهيار الاقتصادي المرافق لها بل ومع القيود المفروضة على اقتصاداتها، مما يعني ترك الكثير من سياساتها مثل ارتفاع الضريبة وإجراءات التقشف آثارا. وعندما تتلاعب الحكومة بالعقد الاجتماعي بدون تشاور مع المواطنين وتطلب منهم مزيدا من المال فهذا قد يقود إلى تذمر ومقاومة أو ثورة.