لندن- “القدس العربي”:
لماذا صمّ ترامب أذنيه لكل التحذيرات التي تلقاها؟ يجيب ديفيد إي غراهام من مجلة “ذي أتلانتك” أن الرئيس دونالد ترامب تحدث يوم الإثنين في مؤتمره الصحافي اليومي: “هناك وفيات غير ضرورية في البلد” و”كانت هناك فرصة لوقفه وكان يمكن وقف كل هذا، إلا أن شخصا ما قرر عدم فعل هذا، ولهذا السبب فالعالم كله يعاني”.
وتعليق ترامب كلاسيكي من ناحية حديثه بطريقة مظلمة وغامضة عن عدو لم يسمه، ولو كان هناك شخص اتخذ القرار فالرئيس نفسه. وبالطبع لم يكن الفيروس خطأ ترامب، ولكن طريقة تعامل الحكومة الفدرالية مع الوباء وهو المسؤول عنها. ومن أهم الأمور الكاشفة والمثيرة للدهشة التي ظهرت في الأشهر الماضية، هي أن الرئيس لم يحذر مرة واحدة، بل ومرة بعد المرة، ولكنه تجاهلها ورفض التحرك.
وكشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن الإيجازات الأمنية التي تقدم يوميا للرئيس، ذكرت فيروس كورونا “أكثر من مرة” في كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير، وهي الفترة التي لم تعمل فيها إدارة ترامب الكثير لوقف الوباء في الولايات المتحدة. وربما لن نستغرب هذا السهو لو لم يكن جزءا من تحذيرات متعددة تلقاها الرئيس ثم تجاهلها. ففي بداية كانون الثاني/ يناير وحتى شباط/ فبراير ذكرت الإيجازات اليومية الأمنية الوباء أكثر من مرة، وكان الموضوع الرئيسي حسب “واشنطن بوست”.
وفي 18 كانون الثاني/ يناير، قدم وزير الصحة والمصادر البشرية أليكس أزار، إيجازا لترامب عن الفيروس عبر الهاتف.
وفي 22 كانون الثاني/ يناير، عندما تحدث ترامب في منتدى دافوس قلل من فيروس كورونا “لقد سيطرنا عليه، إنه شخص واحد جاء من الصين وسيطرنا عليه”. وعبّر عن ثقته بقدرة الصين وصراحتها حول الوباء.
وفي 27 كانون الثاني/ يناير نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا عن لقاء مساعدي الرئيس في الأبيض لمناقشة الفيروس وبتحذير من خسارة ترامب الانتخابات 2020 بسبب الوباء.
وفي 29 كانون الثاني/ يناير، كتب مستشار الرئيس لشؤون التجارة بيتر نافارو مذكرة قال فيها إن الفيروس قد يؤدي لوفاة أعداد كبيرة من الناس ودمار اقتصادي.
وفي 31 كانون الثاني/ يناير، قرر ترامب منع دخول الأجانب الذين زاروا الصين إلى الولايات المتحدة. مع أن القرار جاء بعدما بدأت الحالات تنتشر في الولايات المتحدة، كما أن القرار استثنى الأمريكيين الذين جاءوا من الصين.
وبعد إيجاز 5 شباط/ فبراير، بدأ أعضاء في مجلس الشيوخ يطلبون من البيت الأبيض التحرك بقوة. وكتب السناتور الديمقراطي عن كونيكتيكت، كريس ميرفي تغريدة قال فيها: “لقد غادر الإيجاز اليومي حول فيروس كورونا” وفي “الحد الأدنى: لا يتعاملون معه بالجدية المطلوبة، ومن الواضح أنهم لم يطلبوا تمويلا طارئا، وهذا خطأ كبير. ويحتاج العاملون الطبيون المحليون لإمدادات وتدريب وطواقم للفحص وهم بحاجة إليها الآن”.
وفي 25 شباط/ فبراير، قالت نانسي ميسنير من مركز المناعة وأمراض التنفس من أن “الإرباك في الحياة اليومية قد يكون خطيرا” وبسبب الفيروس. واهتاج ترامب من تصريحات ميسنير التي قال إنها أخافت الرأي العام بدون داعٍ، ولم يقرر فرض التباعد الإجتماعي إلا في 16 آذار/ مارس.
وبالإضافة لتقارير “واشنطن بوست” بدأ المسؤولون الأمريكيون العاملون في منظمة الصحة العالمية التي اتهمها ترامب بالتستر على الفيروس، بنقل أخبار وتحذيرات إلى واشنطن منذ نهاية العام الماضي. ولا تضم التحذيرات مظاهر القلق العامة حول الوباء التي تنتشر منذ سنوات ولا تخفيض جاهزية الولايات المتحدة للتعامل مع الفيروس عندما قررت إدارة ترامب إلغاء مكتب مكافحة الوباء في مجلس الأمن القومي وتخفيض فريق مركز السيطرة على الأمراض والتحكم بالصين الذين ربما قدموا تحذيرات مبكرة.
ويتساءل الكاتب: “كم مرة يحتاج فيها ترامب للتحذير؟”. ويعتقد الكاتب أن الرئيس لم يكن ليتحرك حتى لو تلقى كما هائلا من التحذيرات، وذلك لسبيين، الأول هو أن ترامب لا يهتم بالأمور الدستورية، أما الثاني فهي حالة الرهاب التي يعاني منها، لدرجة أنه تعامل مع التحذيرات كمحاولة للهجوم عليه وإيذائه سياسيا.
وبداية من تقارير الإستخبارات اليومية، فهو معروف بتجاهله لها ولا يستهلك معظم ما فيها، ويتم تقديم المعلومات المهمة الواردة فيها شفهيا له. مع أن “واشنطن بوست” قالت إن موضوع فيروس كورونا كان من ضمن النقاط الشفاهية التي قدمت إليه من تلك التقارير اليومية.
لكن ترامب لا يلتفت في العادة إلا للأجزاء التي تهمه. وقاطع مكالمة أزار مثلا التي حذره فيها من الفيروس للشكوى إليه حول طريقة تعامله مع منتجات التنباك (فايبنغ). وحتى عندما تصل إليه التحذيرات فمن النادر ما يتعامل معها كجهود لتقديم معلومات جيدة إليه. ومن الواضح أن فيروس كورونا بات يهدد حظوظه الإنتخابية وأن ردا سريعا وفعالا كان سيضعه في وضع جيد بانتخابات تشرين الثاني/نوفمبر.
وبدا أحيانا في نقاشه للوباء على أنه دليل عدم ولاء كما في حادثة تحذيرات ميسنير. واستخدم ترامب الفيروس في تجمعاته الانتخابية عندما اتهم أعداءه بتزييف موقفه من كورونا وقوله إنه زائف.
وتعبر تعليقاته عن حالة خوف وأن أي تحذير من الفيروس هي محاولة لإيذائه سياسيا “لقد حاول المحاكمة الزائفة وحاولوا كل شيء، مرة وبعد المرة. وهم يعملون هذا من انتخابي وخسروا وفكروا به ، فهذا زيفهم الجديد” في إشارة للفيروس.
وحتى الديمقراطيين الذين لم تكن دوافعهم حقيقية رأوا في الفيروس مضرا به، وأنه كان سينتفع من التحرك سريعا. وكان من الأفضل لو تحرك سريعا من خلال إدارة مصغرة للأزمة مع أن هذا كان سيتناقض مع رؤيته في القرارات الفردية التي يتخذها كرئيس.
وكان لدى ترامب قوة كبيرة وهي البيروقراطية الفدرالية التي لو حول الرد إليها لحلل نفسه من المسؤولية. ولكنه قرر منذ وقت طويل أنها جزء من “الدولة العميقة” المصممة على تدميره. ولهذا رفض الاستماع لأي معلومة جديدة وقرر أن يجعل الأحداث ترد عليه لا العكس. فالسلطات الفدرالية ضخمة تعطي الرئيس الفرصة لكي يدفع بالأحداث، لكن الفيروس لا يعمل بهذه الطريقة، ففي زمن الوباء على الرئيس الرد على الأحداث. ولأنه غافل ومصاب بالرهاب فلم يكن مستعدا للتحذيرات.