لندن – القدس العربي”:
كشف تقرير لمنظمة “هيومان رايتس ووتش” عن مظاهر الخلل في نظام البنك الدولي لمساعدة فقراء الأردن. وأشار موقع “ذي انترسبت” في تقرير أعده سام بيدل إلى أن البرنامج الذي أطلقه البنك الدولي والذي يعتمد في عملية اتخاذ القرار على الخوارزميات لتحديد الإمكانات المالية لتخفيف حدة الفقر، يخذل الأشخاص الذين ينوي حمايتهم.
وقد وضع برنامج مكافحة الفقر هذا، المعروف باسم “برنامج الدعم النقدي الموحد”، الحكومةُ الأردنية أو “تكافل”.
وغالبا ما يجري وصف وجود أنظمة برمجية تتخذ خيارات مهمة على أنها وسيلة لجعل هذه الخيارات أكثر عقلانية وإنصافا وفاعلية. لكن في حالة برنامج تخفيف حدة الفقر، وجد تحقيق “هيومن رايتس ووتش” أن الخوارزمية تعتمد على الصور النمطية والافتراضات الخاطئة حول الفقر.
وخلص التقرير إلى أن “المشكلة لا تكمن فقط في أن الخوارزمية تعتمد على بيانات غير دقيقة وغير موثوقة حول الموارد المالية للأفراد، بل وتعمل صيغته أيضا على تسطيح التعقيد الاقتصادي لحياة الناس وترتيب فجّ يضع أُسرة في مواجهة أخرى، مما يغذي التوتر الاجتماعي والشعور بالظلم”.
ويهدف “تكافل” إلى حل مشكلة حقيقية، حيث قدم البنك الدولي إلى الدولة الأردنية قرضا بمليارات الدولارات لتخفيف حدة الفقر، لكن من المستحيل أن يغطي القرض جميع حاجات الأردن.
وبدون نقود كافية لمنح شيك لكل أردني محتاج، يعمل برنامج “تكافل” على تحليل دخل الأسرة ونفقات كل متقدم، إلى جانب ما يقرب من 60 متغيرا اجتماعيا واقتصاديا، مثل استخدام الكهرباء وملكية السيارات وتراخيص العمل وتاريخ التوظيف والمرض والجنس.
ويجري بعد ذلك تصنيف هذه الردود – باستخدام خوارزمية سرية – لتحديد من هم الأكثر فقرا والأكثر استحقاقا للإغاثة تلقائيا.
الفكرة هي أن خوارزمية الفرز هذه ستوجه الأموال إلى الأردنيين الأكثر ضعفا والذين هم في أمس الحاجة إليها. ووفقا لـ هيومن رايتس ووتش، فإن الخوارزمية لا تعمل.
ووجد تحقيق المنظمة الحقوقية أن ملكية السيارة هي عامل كما يبدو في تحديد عدم أهلية العديد من المتقدمين بطلبات التكافل، حتى لو كانوا فقراء جدا لا يستطيعون شراء الوقود لاستخدام السيارة.
وبالمثل، تجري معاقبة المتقدمين لاستخدام الكهرباء والمياه على أساس افتراض أن قدرتهم على تحمل نفقات المرافق هي دليل على أنهم ليسوا معوزين مثل أولئك الذين لا يستطيعون. وأوضح تقرير هيومن رايتس ووتش أنه في بعض الأحيان يكون استخدام الكهرباء مرتفعا على وجه التحديد لأسباب تتعلق بالفقر. “على سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2020 حول استدامة الإسكان في عمان أن ما يقرب من 75% من الأُسر ذات الدخل المنخفض إلى المتوسط التي شملها الاستطلاع تعيش في شقق ذات عزل حراري ضعيف، مما يجعلها أكثر تكلفة للتدفئة”.
وفي حالات أخرى، قد تستخدم أسرة أردنية كهرباء أكثر من جيرانها لأن أجهزتهم الكهربائية المنزلية قديمة لا تمتاز بفاعلية عالية في استخدام الطاقة.
وإلى جانب المشكلات الفنية المتعلقة ببرنامج “تكافل” نفسه هناك الآثار الجانبية لاختبار الإمكانات المالية رقميا. يشير التقرير إلى أن العديد من الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى أموال الإغاثة يفتقرون إلى إمكان الوصول إلى الإنترنت حتى يمكنهم التقدم للحصول عليها، مما يتطلب منهم البحث عن أو دفع ثمن رحلة إلى أحد مقاهي الإنترنت، حيث يخضعون لمزيد من الرسوم والتكاليف للاتصال بالإنترنت.
“من يحتاج إلى المال؟” سئل أحد الأردنيين عمره 29 عاما وحصل على مساعدة من برنامج “تكافل”، وتحدث إلى “هيومان رايتس ووتش”، مجيبا: “الأشخاص الذين لا يعرفون حقا كيف [يقدمون الطلب] أو ليس لديهم اتصال بالإنترنت أو الكمبيوتر”.
وانتقدت هيومان رايتس ووتش” إصرار برنامج “تكافل” على أن الدخل المبلغ عنه ذاتيا للمتقدمين يتطابق تماما مع نفقات الأسرة التي أبلغوا عنها بأنفسهم، وهذا فشل في “إدراك كيف يكافح الناس لتغطية نفقاتهم، أو اعتمادهم على الديون ودعم الأسرة وغير ذلك من تدابير مخصصة لسد الفجوة”.
ووجد التقرير أن صلابة هذه الخطوة أجبرت الناس على التلاعب بالأرقام ببساطة حتى يتم التعامل مع طلباتهم، مما يقوض وهم الخوارزمية بالموضوعية.
وقال التقرير: “إن إجبار الناس على تنميط مصاعبهم لتلائم حسابات الخوارزمية للحاجة، يقوض دقة استهداف برنامج تكافل، وتدعي الحكومة والبنك الدولي أن هذه هي الطريقة الأكثر فاعلية لتعظيم فائدة الموارد المحدودة”.
ويؤكد التقرير، الذي يستند إلى 70 مقابلة مع متقدمي طلبات لبرنامج “تكافل” وموظفي الحكومة الأردنية وموظفي البنك الدولي، على أن النظام جزء من اتجاه أوسع من قبل البنك الدولي لتعميم الخوارزميات المتعلقة بالمعونات الاجتماعية التي اختُبرت على البرامج الشاملة في جميع أنحاء الاقتصادات النامية في ما يسمى بالجنوب العالمي.
إن الحيرة بخصوص الخلل الوظيفي لبرنامج يعتمد على الخوارزميات مثل تكافل، هو الافتراض الساذج على نحو متزايد بأن برنامج صنع القرار الآلي معقد للغاية، لدرجة أن نتائجه أقل احتمالا أن تكون خاطئة. مثلما يقبل مستخدمو تشات جي بي تي، المبهورون غالبا، مخرجات غير منطقية من آليّ محادثة لأن مفهوم آليّ المحادثة المقنع مثير للإعجاب بطبيعته.
ويحذر علماء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من أن بهرجة الذكاء الآلي المتعلقة بالتوزيع الآلي لأموال الرعاية الاجتماعية يؤدي إلى قصر نظر مماثل.
يقدم البيان الرسمي للحكومة الأردنية لـ هيومن رايتس ووتش الذي يدافع عن التكنولوجيا الأساسية لبرنامج تكافل مثالا ممتازا: “تصنف المنهجية الأسر الفقيرة إلى 10 طبقات، بدءا من الأفقر إلى الأقل فقرا، ثم تشتمل كل طبقة على 100 طبقة فرعية، باستخدام التحليل الإحصائي. وبالتالي، ينتج عنه 1000 قراءة تميز بين حالة الرفاهية الفريدة وحاجات الأسر”.
وعندما طلبت “هيومن رايتس ووتش” من معهد أبحاث الذكاء الاصطناعي الموزع دي إي اي أر مراجعة هذه الملاحظات، خلص أليكس حنا، مدير الأبحاث بالمجموعة، إلى أن “هذه كلمات تقنية لا معنى لها معا”. وأضاف نيالينج موروسي، كبير الباحثين في المركز: “أعتقد أنهم يستخدمون هذه اللغة للتشويش التقني”.
كما هو الحال مع جميع أنظمة صنع القرار الآلية تقريبا، وبينما يصر الأشخاص الذين صمموا برنامج تكافل على نزاهته ووظائفه، فإنهم يرفضون السماح لأي شخص بالنظر تحت غطاء المحرك. على الرغم من أنه من المعروف أن تكافل يستخدم 57 معيارا مختلفا لتصنيف الفقر، إلا أن التقرير يشير إلى أن صندوق المعونة الوطنية الأردني، الذي يدير النظام، “رفض الكشف عن القائمة الكاملة للمؤشرات والمعايير المحددة المخصصة، قائلا إنها كانت للأغراض الداخلية فقط، و”تتغير باستمرار'”.
في حين أن الرؤى الخيالية للذكاء الاصطناعي الشبيهة [بذلك المستخدم في فيلم الخيال العلمي] “تيرمينيتر”، قد هيمنت على مخاوف الجمهور حول صنع القرار الآلي. ويجادل خبراء تقنيون آخرون بأنه يجب على المجتمع المدني التركيز على الأضرار الحقيقية الحالية التي تسببها أنظمة مثل تكافل، وليس سيناريوهات الكابوس المستمدة من الخيال العلمي.
وفي النهاية فكلما ظلت طريقة عمل برنامج “تكافل” وأمثالها من أسرار الحكومة والشركات، فإن مدى هذه المخاطر سيظل غير معروف.