رأيت في ما يرى اليقظ…

إنه طه حسين.. قلت عندما عبرت الطريق هذا الصباح، في لحظة جاءت مقترنة تقريبا بمرحلة نهاية الأسبوع، التي اعتاد فيها ذهنيا أن أفحص ما تطفح به شؤون الساعة وشجونها.. وشؤون الساعة وشجونها مادة تشكل فعلا سندا يستعان به لمحاولة تدقيق آخر التطورات الميدانية، ورصد المستجدّ من المواقف السياسية وسبر المترسّب حديثا من ردود الفعل الدولية. ولمحاولة قياس أيضا، ونكاد نقول مع الأسف، مدى تصادم الأيديولوجيات ببعضها بعضا.
إنه طه حسين.. قلت في نفسي هذا الصباح وأنا أعبر الطريق إلى مؤسسة التدريس.. وما أدراك ما طه حسين، لكنك قد تسألني أولا: ما دخل طه حسين في موضوعات ساعتنا، وما وجاهة ذكر شخصه في هذه السطور المكرسة، مبدئيا، لموضوعات راهنة؟ وأنا سأجيبك بالتالي: إنّ موضوع ساعتنا في سطور مقال اليوم جاء متناغما مع واحد من كبار أبناء ساعته أحضرته بنات أفكاري تلاقت هي نفسها مع فحوى مقالي ومبتغى حديثي.
ولئن التقى مبتغى حديثي مع هذه السطور التي سنعتبرها تكريما لرجل بات علامة فارقة في زمانه، فلأن ربّ صدفة خير من ألف ميعاد. فقد رأيت في ما يرى اليقظ، أي أنا المتجه إلى مؤسسة التدريس بحزم وحماس، في آخر يوم فترة دراسية تسبق مرحلة العطلة بساعات، شيخا وقورا في يده عكازة، يخطو خطوات وئيدة، وقد حجب نظره عن أنظار غيره بنظارات سوداء.
إنه طه حسين قلت مع نفسي.. وبينما كانت تجول في خاطري الملاحظة، جالت في نفس الوقت ملاحظة أخرى، ما أقربها إلى الواقع فيما أقرب الأولى إلى الرؤيا.
نعم، زارني طه حسين في اليقظة الشديدة هذا الصباح، ثم ما لبث أن ارتبطت الخاطرة بأخرى أوثق صلة بالميدان، جعلت من عميد الأدب العربي ضيفا على تطورات شؤون ساعتنا، الأليمة في أحايين كثيرة، المفرحة في القليل منها، فأنشأت أتسأل: ماذا سيكون موقف طه حسين، لو كان لا يزال على قيد الحياة، من سلسلة الأحداث الموصوفة بالربيع العربي؟ كيف سيصبح رده من صعود الإخوان المسلمين إلى قمّة سرعان ما تدحرجوا منها؟ أسيكون مثل ردّ عدد من المثقفين اكتفـــوا بربط تنحيـــة الجماعة بالظلم والاضطهاد، مبررين موقفهم من تفريط سلطات الانقلاب بديمقراطية الانتخابات؟ أم أنه سيكون من الناطقين بلسان حال تيار فكري آخر ذلك الذي لم يحظ بطنين ورنين وسائل الإعلام العربية الممولة خير تمويل، فيرى في ملايين الموقّعين على عريضة ‘تمرد’ نمطا من التصــويت الديمقراطي لا يقل جدارة واستحقاقا عن الاستحقاقات الانتخابية؟
نعم.. لقد رأيت في ما يرى اليقظ طه حسين الرجل، ولكني رأيت طه حسين الرمز أيضا.. وطه حسين الرمز كثيرا ما يشكّل الحلقة المفقودة المنعدمة من الحديث عن شخصه وهو حديث نحصره في الأغلب عند جانب المثقف، فنصنف الرجل عن جدارة في خانة أئمة الأدب والعلامات الفارقة للكتابة العربية الحديثة، لكننا نوقع الرجل خطأ في حظيرة رجال الدولة المنسيين، في وقت كان فيه طه حسين رجل دولة بامتياز، وزيرا للمعارف، وزيرا للتعليم بعبارتنا اليوم، وما أجمل كلمة المعارف، التي اختارتها اسما لها دار مصري للنشر منذ عقود.
كما نغفل جانبا أساسيا آخر من شخص رجلنا، ألا وهو ارتباطه في الصميم بتطورات شؤون ساعته، أي بعبارة أخرى ارتباطه الوثيق بموضوعنا، أنسينا أن طه حسين إنما هو صاحب حديث الأربعاء، وهو النسخة الأدبية لحديث إذاعي أسبوعي كان يتناول فيه ما يجول في ذهنه من مناح لافتة أدبية خاصة، ولكن أيضا ذات أبعاد أوسع مساحة وأرضية أشمل تغطية أيضا.
كان هذا طه حسين.. لم أقل حتى كان يشبه طه حسين…عندما اختلط الواقع بالخيال وكأنه الرؤيا.. ولأنّ من خصائص الرؤى أن تحمل رسائل للمضي قدما إلى الأمام، فقد حقّ التساؤل عن الرسالة التي كان سيحملها عميد الأدب العربي إلى شعبه لو كان شاهدا على عصرنا..

‘ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية