رأي في المسألة الطائفية في سورية

حجم الخط
0

رأي في المسألة الطائفية في سورية

د. محمد عجلانيرأي في المسألة الطائفية في سورية ما يحدث في العراق من اقتتال طائفي يثير الاشمئزاز والادانة لمثل هذه الاعمال، وكذلك الامر في مصر من حرق كنائس الاقباط، وما جري سابقا في لبنان واقتتال طائفي علي الهوية الدينية كما حدث يوم السبت الدامي عندما ذبح الانسان اللبناني علي الحواجز بسبب هويته الدينية يجعلنا نتطرق في موضوعنا هذا الي المسألة الطائفية في سورية ونعالجها بشكل علمي قبل ان يعالجها الاخرون، ونضع يدنا علي الجرح مهما كلف ذلك من امر. فقبل الحديث عن هذه المسألة، لا بد ان نضع القاريء في البنية والتركيبة السوسيواجتماعية للشعب السوري الذي هو عبارة عن موازييك ديني وعرقي يشكل السنة اغلبيته انصهر في بوتقة الدولة السورية التي تم انشاؤها في عام 1918.ويسمع القاريء العربي نقلا عن رسائل اعلام اجنبية وغربية عن السلطة العلوية في سورية، او الفريق العلوي الحاكم في سورية، ولنضع القاريء في الصورة يجب ان نشرح له من هم العلويون، ونشأة هذه الطائفة، وعلاقتها بالسلطة، وكذلك علاقتها مع الطوائف الاخري، ومستقبل سورية الطائفي والاخطار المحدقة بها.العلويون هم طائفة دينية قبل ان يطلق عليهم هذا الاسم كانوا يدعون بالنصيرين نسبة الي مؤسس الطائفة محمد بن نصير وهي احدي الفرق الشيعية، وتم تكفيرهم وادانتهم من قبل العلامة الديني الشيخ ابن تيمية الذي اعتبرهم متمردين علي الديانة الحقيقية للاسلام، ومنع اي تعامل معهم، حتي دفنهم في مقابر اسلامية، وفتوي ابن تيمية كانت شاملة لجميع الطوائف الدينية من غير المسلمين السنة.واثناء الحكم العثماني لبلاد الشام لاقي ابناء الطائفة اضطهادا مريعا حيث عاشوا في فقر مدقع ولم يسمح لهم بالانخراط في اي منصب مرموق للدولة العثمانية وحتي انهم عانوا اضطهادا كبيرا من مواطنيهم السنة حيث عاشوا في القري الجبلية للمناطق الساحلية وبشكل ذاتي حيث لم يسمح لهم بالانخراط في حياة المدينة، وكان عليهم ان يعيشوا متقوقعين خائفين بشكل غير انساني وحضاري. الي ان نشأت الدولة السورية الحديثة عام 1918، وحاولت فرنسا ان تلعب علي الورقة الطائفية لسورية اثناء فترة الانتداب الفرنسي وتثير النعرة الطائفية الدينية بين ابناء الشعب السوري الواحد، فأنشأت دولة للعلويين وهو الاسم الذي منحته فرنسا لهم، وانشأت دويلتين دولة الشام ودولة حلب للسنة، وانشأت دولة اخري للدروز.لقد فشل مشروع فرنسا التقسيمي، وانتسب ابناء الطائفة العلوية ومن بينهم حافظ الاسد الي الجيش السوري مع بداية الدولة السورية الحديثة وكان امامهم هذا الباب الوحيد، للرزق والعيش، وخاصة انهم كما ذكرنا سابقا لم يكونوا اصحاب مهن او حرف او مراكز مهنية مرموقة، حيث منحت السلطة العثمانية الاراضي والمناصب للطائفة السنية، هذا لا يعني انه لم يكن هناك اقطاع علوي في قري اللاذقية، ولكنه ليس بالحجم الذي كان موجودا في مدن الداخل، وقد تكونت لدي ابناء الطائفة العلوية اثناء انتسابهم للجيش فكرة تغيير هذه الاوضاع الاجتماعية والانقلاب عليها، فانتسبوا بشكل كبير للاحزاب السياسية المتواجدة آنذاك علي الساحة السورية: الحزب القومي السوري، الحزب الشيوعي، حزب البعث العربي الاشتراكي، ولكن بقيت فكرة الجيش والانقلاب علي المجتمع من خلال المؤسسة العسكرية الفكرة الاكثر رواجا لديهم، وهنا كان الخلل الكبير والخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبوه، لان سورية في الاربعينات والخمسينات كانت تسير بشكل تدريجي نحو دولة المواطنة وحقوق الاقليات الدينية وحتي العلمانية بعد ان نبذت مورثات الدولة العثمانية وكل ما يمت اليها من مساويء.واصدرت قوانين تشريعية وحديثة تلغي كل ما يمت الي فرمانات العثمانيين وقوانينهم المتخلفة غير الانسانية.وظهر من ابناء الطائفة العلوية كتاب ومفكرون وحقوقيون واساتذة جامعة بعد ان تحسن الوضع الاقتصادي للريف نوعا ما مع دولة الاستقلال، ولكن العقلية الثورية التي تريد ان تحرق المراحل عبر الانقلابات العسكرية التي وجدت تعاطفا مع بعض السياسيين الذين اعتمدوا علي المؤسسة العسكرية لتحقيق مآربهم السياسية الغت هذا التطور التدريجي.وبدلا من ان يتركوا سورية مثلها مثل السودان في ذلك الوقت تسير بشكل تدريجي نحو دولة المؤسسات والقانون انقلبوا عليها شر انقلاب وكل يوم وليلة تسمع عن انقلاب ثوري لتصحيح الاوضاع البائدة. كانت هناك طموحات شخصية سياسية اكثر من رغبة حقيقية في تغيير الاوضاع غير العادلة بشكل جذري.وجاء حافظ الاسد الي الحكم عبر انقلاب (العقلية الانقلابية) علي صديقه صلاح جديد الذي خرج من السجن الي القبر ليكرس مرحلة جديدة من تاريخ سورية، فحافظ الاسد لم يكن طائفيا ولكنه كان مهتما بتحقيق مأربه السياسي وان يكون بطلا قوميا للمنطقة علي شاكلة عبد الناصر وبالطبع الاحتفاظ بالسلطة وتوريثها لانه كان ضعيفا امام عائلته، ويعتبر انه احق بالسلطة والاحتفاظ بها من غيره.واقام حافظ الاسد نظاما امنيا وعسكريا ازدادت شدته بطشا وقوة بعد الحوادث الدامية التي شهدتها سورية بين تنظيم الاخوان المسلمين والسلطة السياسية في الثمانينات، وانشأ حافظ الاسد مؤسسة امنية عسكرية رهيبة وضخمة جدا لحماية النظام حتي اصبحت دولة داخل دولة لها موازنتها الخاصة بها وتسيير امورها يسير بشكل هرمي وسرطاني مخيف.لم يكن الانقلاب العسكري في السبعينات لصالح ابناء الطائفة العلوية والطوائف الاخري، ولو لم يحدث هذا الانقلاب وسارت الامور علي نحو طبيعي لوصل شخص علوي او درزي او مسيحي الي قمة السلطة في سورية عن طريق الاحزاب وصناديق الاقتراع، والمثال علي ذلك فارس الخوري والشخصيات السياسية الكردية التي وصلت الي قمة السلطة في سورية، لان الشعب السوري بشكل تلقائي غير طائفي ولا يعرف التفريق بين ابنائه، حتي السبعينات والثمانينات اذا قمت باحصاء في المدن الداخلية لسورية وسألت الناس من هم العلويون، لكانت الاجابات تدل علي جهل كبير بابناء هذه الطائفة، وان وصلت معلومات عنهم فتصل مشوهة او غير صحيحة. والجواب سيكون لا نعرف من هم، الجهل والتشوه الثقافي والترجمة الخاطئة للدين ادت الي احداث الثمانينات في سورية حيث اخذت هذه الاحداث بعدا طائفيا عنيفا من مقتل شيخ علوي في وسط مدينة اللاذقية الي مقتل شيوخ اخرين من السنة، هذه الاحداث والجانب التكفيري للعلويين من طرف منشورات النذير الاسلامية رمت النظام السوري في احضان الثورة الاسلامية الايرانية وقام تحالف غريب بين نظام علماني بعثي ونظام اخر اسلامي.حصل شرخ طائفي في سورية بعد احداث الثمانينات لا يمكن تجاهله، النظام والرئيس الاسد اصيب شخصيا بكابة نفسية بعد ان كفره بعض المشوهين من العناصر الاسلامية، ولكن بدلا من ان يعالج الاسد الراحل الموضوع بشكل علمي ومنهجي وعقلاني ويفتح الباب امام القوي غير المتعصبة والمنفتحة والمعتدلة، وجدناه يضع العلمانيين والمخلصين في السجون وما زالوا (عارف دليلة وميشيل كيلو وقبلهم رياض الترك) وبدلا من ان يخلق حراكا ديمقراطيا سياسيا، رأيناه يتجه اكثر فأكثر نحو السلطة الامنية. ومن جهة اخري، حتي لا يشعر ابناء الطائفة السنية بانه ضد الدين ومعاد له انتشرت الحلقات الفكرية والمدارس والمعاهد الدينية بشكل كبير لم تشهده سورية من قبل، واصبح هناك داعيات ومرشدون اسلاميون ودراويش وامبراطورية كفتارو الدينية. ابناء الطائفة السنية لا يريدون تخديرهم بواسطة الدين، هم يبحثون عن مستقبل مادي واجتماعي لابنائهم، يرغبون بالعيش بشكل متسامح مع الجميع، يريدون دولة لادينية علمانية تبحث عن حرية المواطن وحقوقه الاساسية ضمن عقد اجتماعي.في دولة الامن والجيش تقضم حقوق الجميع، ليس فقط السنة ولكن جميع الطوائف الدينية والعرقية الاخري، لم يستطع الرئيس الشاب الدكتور بشار الاسد قلب المنهج الذي سار عليه والده، ويتخلص من عقلية الهاجس الامني والعقدة الدينية تجاه السنة والاسلام السني، وان يبني دولة القانون وفق العقود الاجتماعية الحديثة روسو وهوبز والي اخره من المفكرين، في سورية نرغب بالعيش بدولة المواطنة بدون دولة الدراويش ودولة كفتارو، الخطر الطائفي غير ظاهر الان، لان الحكم المركزي ما زال قويا في سورية، ولكن من يضمن استمراريته الي هذا الحد، خاصة ان المتغيرات والتحولات الدولية المتمثلة بالعولمة الغت عقودا سابقة واظهرت انواعا جديدة من التعامل بين الدول. لا يستطيع النظام السوري ان يسبح لوحده في بركة مياه تغيرت حركة مياهها ونمط مسارها، لا يستطيع الدكتور بشار الاسد ان يكون دون كيشوت عصري يحارب الجميع بسيفه الخشبي.ما يحدث في العراق ومصر، وما حدث سابقا في لبنان يدعو للتفكير والحذر، وسورية ليست بمنأي عن هذا الخطر.من الممكن جدا، ان تضعف سلطة الدولة وان يكون هناك سلاح في ايدي المشوهين ثقافيا والحاقدين لنشهد اقتتالا طائفيا، من المحتمل جدا ان تتحول الازمة الاقتصادية التي تعيشها سورية خمسة ملايين مواطن سوري تحت خط الفقر وان تأخذ هذه المعركة ضد الفقر والتهميش الاجتماعي ابعادا طائفية، من المحتمل جدا ان يحدث اعتداء صغير علي مقر ديني لاحدي الطوائف لكي يكون هناك رد طائفي اخر، الاخطار الاقليمية ووجود اسرائيل علي الحدود مع سورية، والعراق ايضا لا يدعيان للتفاؤل، عدم الحراك هو الطامة الكبري. عدم القيام بمبادرة من طرف السلطة سيجعلها تنتظر السجان الذي سيأتي بالحبل ليشنقها به. لا توجد حلول سحرية، الحل في عودة السلطة الي الشعب وتبني منهج تبادل السلطة، والخط الديمقراطي، والعلمانية كحل لمشكلة السلطة والمجتمع، بحيث تكون سورية ملكا لجميع الطوائف بدون استثناء، وكما وصل الي الحكم ابن طائفة معينة، يصل في نفس الوقت ابن اخر من طائفة اخري ولكن عن طريق صناديق الاقتراع ومبدأ التصويت الديمقراطي، الدبابة ليست هي الحل، وانما صندوق الاقتراع، دولة المواطنة لا تقبل حلقات دينية وفكرية لتصحيح وتحسين موقع المواطن وتقديم الخدمات له، المواطن يحصل علي حقوقه من الدولة وفق عقد اجتماعي جديد، نحن بحاجة في سورية الي مثل هذا العقد مصنوع بأيد سورية خالصة، قبل ان يصبح الوقت متأخرا ويفرض علينا من الخارج، ونتحول الي عراق اخر.ہ رئيس مركز دراساتالحياة السياسية السورية بباريس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية