رؤيا الحياة

حجم الخط
0

حسين سليمان

وأنني لمرة واحدة وهي في المشفى مصابة والنوافذ مفتوحة عليها، ورائحة الأدوية، والممرضات يركضن للتمريض بخفة ولا نسمة هواء تمر.

وساقها عند السرير مكشوفة إلى الركبة وهي مستلقية وعيناها الواسعتان مثل عيني غزال في الرمق الأخير. وتنظر نحوي بحسرة الألم الذي لماذا صار.

الحبيبة، حين تقترب من الموت وتنظر نحو حبيبها، سوف يمد لها يد الحياة، دوما كان يفعل، لكنه لا يفعل هذه المرة ليس لأنه لا يريد إنما لا طاقة لبني البشر على دفع الموت.

سوف تذهب وحدها!

وسأتمدد فوق قبرها، على البلاط، وكأنه طويل قليلا وذهبتُ أحفر في خيالي وألقي فيه ما كان الزمان يوما.

ولأنني لا أرتد، والذي ذهب لم يذهب نحو الوراء ـ هو في أعماقي ينطوي على مهل ـ في إحدى المرات رويت لها عن سلفادور دالي، سألوه إن كان سيموت فقال ‘ لا، أنا خالد، لن أموت’، وأنا أدرك أنها كذلك، لم تمت قط، وكيف لي أن أصدق الموت ما دامت في كل لفتة وفي كل خطوة هي هنا هنا، أمامي لا تنتهي، مثل السماء: الأنفاس التي لم تنقطع عن وجه الأرض منذ بدء الخليقة.

الفاصل، الهوة. الذي يربطني بالعالم هو وجهها وهبات ـ هيباتيا – الروح الرقيقة تلبس أثوابها وفساتينها، وهي كذلك المعنى الأول الذي يجعلني امسك واقبض على جسدي أنني هنا، في داخل العالم فوق الأرض، بها، ولن أكون في مكان آخر. هو الوجود القديم الذي حين خُلقتْ، الذي حين خُلق العالم، لو لم تكن هي هنا فستكون رامة العالم حيث دوامة الحركة الآلية من دون منحى.

مرور ساقيها مثل المرور في المرايا، وتجتازني بخصب وتمر بي ـ ظلالهما – حتى أكون أنا الشبح وهي الحقيقة – أفكر، أنني سأنتقل الى عوالم من غيم وفضاءات فراغية تبعتها أن ينعكس الضوء دوما وينبع ويظل ولا ينضب.

لا أحد منهن يفهم – فهذا ليس الحب، أنا تقريبا لا أحب، ليس الحب بل هو الظلال المتعاشقة. فشعرها حوالي، وفي مكاني، ويأخذ ما أملكه من فراغ وحرية. ورائحتها الأنفاس، والشواطئ… بينهما الماء الذي أغرقها.

ومع أنني اليوم بعيد عنها، بعد الحي عن المقبرة.

أبقى قريبا منها قرب الموت من الحياة.

كنت أمرر يدي على قدمها، حول ساقها نابتة الشعر المزال باضطراب، فهي كانت تكره أنها انثى، هناك مقادير كبيرة يجب حملها ولا تحب، لكنها تظهر أمامي كل مرة بصورة ألوان وروائح وأصوات صباح، تندى كل يوم عند الفجر الأشجار الباسقة ونقار الخشب عليها ينقر، بالقرب من نزلي، تقول كل صباح وهي ترتب شعرها وترفع بُكلتها وتنهض تسألني إن كنت أسمع نقارالخشب ـ هذه هي بداية الربيع. والعالم نصفه شمس توها بزغت ـ وشممت رائحة قدمها وأصابعها الخمسة وكيف كانت تضع سوارا موشوما حول رسغها الممتلئ اللبني الذي هو مرايا، فأبعدت قدمها عني وذهبت كأنها لتغتسل من طول الطريق الساخن الملموم حول قدم تعذبه أحذية وأربطة جاءت إليها بالحلم وبالمرارة التي تقلق يقظتها. عليها أن تذهب هكذا قالت ليس بمعنى الذهاب بل الغياب. أن أكون معها فهذا المحال.. بيننا المكان المخلوق الواسع، الممتد، كل الممتد هو لنا، نلف أيدينا حول شجرته الواسعة – ولا تلتقي.

خرجت من الحمام ـ من الماء – دلفينة في نهاية عمرها، أريد الشاطئ. وأنا أعلم انها جاءت من غرقها. وهي تخب وتنهت.

ولم يحدث لي مرة أن التقيتها وحملتها إلى المشفى، كما حملتها الآن، في إغماءتها وقد انتهت بين ذراعي وراعني المنظر لكن الرغبة أن أكون في أحلامها وإغماضتها البعيدة حيث نومها وذهاب أنفاسها العذبة، يرتفع صدرها بالقرب مني ثم يهبط للمرة الأخيرة. وتتدلى ساقاها من شولان راحتيّ تحت فخذيها، وثوبها ينحسر عن فراغ باطني شبه نهائي بين خطوتين تحتهما مسرة الموت الذي إن جاء أسعد البعض وأفرحهم… وليس طول الحياة هو اليوم واللحظة بل هو المسيرة التي لا تنتهي بالموت، والحياة التي تعدد على أصابعها أيام التاريخ، تبقى تجر وتوالد ما بعد المنتهى، وعلى علم أن ما ينتهي اليوم لن ينتهي إلا ليبدأ، أو أن الطريق الذي انتهى بالموت يبدأ بالحياة، وهما وجه واحد لمخلوق لا يموت ولا يحيا ـ كأن الحب هو وجه الله.

فأغلقت النوافذ، وتوقفت الممرضات عن الحركة، سكنّ للحظة وهنّ، عيونهن تدور في الرحى، واسعات خفيفات الحمل كأنهن الطير الذي يصعد أشجاراً غير مرئية، الغابة ليست هنا، لكن دوما ينبض شيء ويقدم لي صورة عن الذي جرى ـ فالتي ماتت ماتت، سكنت فوق السرير، وجسدها الذي فقد أنفاسه وكانت خصلة من شعرها فوق عينيها وواحدة قد خبت عن الحركة حين لفظت آخر أنفاسها، شعرة عند زاوية فمها الذي أقبـّل شفتيه، بأنفاسي، كل الوقت، في البعد والقرب، وأمنحه ما فقد وما انتهى وكأنني أفعل ما أفعله حتى تقوم مرة أخرى.

الممرضات سيسكنّ ويدرن حول أنفسهن ببله – كيف يحدث!

كأنها تعود وتقوم – ها؟! وواحدة تشهق، الكل يشهقحين يقوم المرء ويعود مرة أخرى، يقول العالم:

ربنا الذي في السماءهو وجه الحب الذي لن يغيب.’ كاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية