ابراهيم محمد الهنقاري لابد قبل الدخول في هذا البحث ان اعرف القارئ بنفسي.. فقد يكون هناك بعض الناس الذين لا يزالون يذكرون كاتب هذه السطور غير انه لا شك ان هناك الكثير من الناس الذين لا يعرفونه او لم يسمعوا باسمه. أنا مواطن ليبي ولد في احدى القرى النائية في جنوب غرب ليبيا منذ ما يزيد عن سبعين عاما ودرس الفلسفة وعلم الا جتماع في الجامعة الليبية في بنغازي. انتمي الى الطبقة الوسطى في هيكل الا سر الليبية قاسيت ما قاساه غيري من الشباب الليبي من شظف العيش في سنوات الجوع والحرمان التي اعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية وكتب القدر علي ان اكون واحدا من هذا الجيل المتميز الذي عاش ما يمكن تسميتها بفترة التحدي.. اجل لقد تحدى هذا الجيل الثالوث المعروف: الجهل والفقر والمرض.. فقد كانت نسبة الامية في ليبيا في ذلك الوقت تفوق التسعين في المائة فقام هذا الجيل بتحدي هذه الافة عن طريق الاقبال على العلم والمعرفة باصرار وعزيمة لا تلين لا اعتقد ان المدارس الليبية قد شهدت مثيلا لها في العقود الخمسة الاخيرة. كان كل واحد من هذا الجيل لا يدرس لكي ينجح ولكن ليكون هو الاول بين الناجحين. .. وفي ذلك فليتنافس المتناسفون وكما تحدى هذا الجيل آفة الجهل وانتصر عليها كما اسلفنا فانه تحدى الآفة الثانية وهي الفقر.. فقد كان يبحث عن الكفاف من لقمة العيش ويقتسمه مع من تعب من البحث عنه ولم يجده، اما المرض فحدث ولا حرج.. ولولا أجال كتبها الله على بعضنا لكنا جميعا في عداد الأموات.. فإنني لا اعلم مرضا عرفه الناس الا كان لنا فيه نصيب. وربما تعجبت احيانا بعد هذا العمر الطويل كيف أمكنني ان أظل على قيد الحياة حتى الان. نحمد الله على ذلك حمدا كثيرا، وندعو الله ان يطيل ولو قليلا في هذا العمر حتى نرى ليبيا الجديدة وقد أخذت مكانها المرموق في هذا العالم دولة حرة مستقلة تعيش في ظل الدستور والقانون وتحترم حقوق مواطنيها كما تحترم حقوق الانسان في كل مكان.. كان اول عمل التحقت به بعد التخرج من الجامعة في دار الاذاعة الليبية محررا ومترجما بقسم الاخبار ثم اصبحت مذيعا وكبيرا للمذيعين ثم رئيسا لقسم الاخبار وأخيرا مديرا للبرامج.. كما كنت اقدم العديد من البرامج كان من اشهرها برنامج ‘صباح الخير’ والذي ربما كان اول برنامج بهذا الاسم في االاذاعات العربية ور بما كان لنا بعض السبق في ذلك.. وبرنامج ‘ايام العرب’ وغيرهما من البرامج الاخرى.. وربما كان هناك البعض ممن يذكرون تلك الايام الجميلة حينما كانت دار الاذاعة تعج بالفنانين والأدباء والمثقفين ولم يكن يقف على مدخلها سوى شرطي واحد لم يكن يحمل اي سلاح.. ولم تكن تحرسها الدبابات والمدافع المضادة للطائرات.. وتحيط بها الكتائب المدججة بالسلاح كما هو الحال هذه الايام.. كانت دار الاذاعة في تلك الايام الجميلة ملكا للشعب مشرعة أبوابها لكل المبدعين فأصبحت بعد انقلاب سبتمبر ملكا للعسكر.. لا يدخلها الا من كان همازامشاء بنميم عتلا بعد ذلك زنيما.. كم اتمنى ان تعود لدار الاذاعة الليبية تلك الايام الجميلة في عهد ليبيا الجديدة.. وما ذلك على الله بعزيز.
نسيت ان اشير الى واقعة اخرى.. وهي ان الجيل الذي انتمي اليه كتب عليه كذلك ان يعيش ويشهد فترة المد القومي العربي التي اعقبت قيام ثورة 23 يوليو 1952 في مصر بقيادة اللواء محمد نجيب ثم البكباشي جمال عبد الناصر بعد ذلك والذي تبين فيما بعد انه القائد الحقيقي للــــثورة ومعه عدد من ضــــباطه الاحرار.. او كما قيل.. وكنا مهيئين لجميع الأسباب التي يمكن تصـــورها ان نتبنى في ذلك الوقت افكار هذه الثورة التي بدات بالدعوة الى مكافحة الاستعمار وأدواته في المنطقة العربية والى الدعوة الى الوحدة العربية والاشتراكية والى دعم كفاح الشعوب من اجل الحرية والاستقلال.. وكنت من الذين وجدوا في فكــــر حزب البعث العربي الاشتراكي حدا أدنى من الطموحات القومية الكبرى للامة العربية.. وقد دفعت ثمن ذلك قضاء سنة من عمري في السجن منها 120 يوما في زنزانة منفردة.. ولولا اجـــل امتد بعلم الله سبحانه لكنت لقيت حتفي خلال الإضراب عن الطعام الذي اعلناه في السجن والذ ي عجل بمحاكمتنا واصدار الأحكام علينا.
بعد السجن عدت الى الاذاعة… ولكن بعض المسؤولين في الدولة لم يرق لهم ان يكون احد اصحاب السوابق السياسية مسؤولا في مرفق حساس مثل دار الاذاعة الليبية.. فتقرر نقلي من الاذاعة.. وتم وضعي تحت تصرف الادارة العامة للخدمة المدنية.. لبضعة اشهر ثم تم تكليفي بالتدريس في معهد الادارة بسبها.. قبل ان يقرر أستاذي واخي الاكبر الاستاذ فؤاد الكعبازي وزير البترول في ذلك الوقت ان اعمل معه مديرا للشؤون المالية والادارية في وزارته.. وقد قبلت عرضه على الفور لكي استريح من مشاكل الانتقال بين سبها وطرابلس وذلك بالرغم من انني لم اكن اعلم شيئا في ذلك الوقت عن البترول سوى ما كنت اسمع عنه من انه الذهب الاسود.. كان ذلك في اوائل عام 1964 وبعد عام واحد من التحاقي بالوزارة تم تعييني سكرتيرا عاما للمجلس الاعلى للبترول.. وكانت فترة السنتين اللتين قضيتهما في هذا المنصب شبيهة بالفترة التي يقضيها طالب الماجستير في تحضير رسالته.. فقد أتيح لي ان أتعلم الكثير عن شؤون الصناعة النفطية والسياسات النفطية للدول المنتجة ومحاولات الشركات النفطية السبعة الكبرى للسيطرة على الموارد النفطية العالمية المعروفة باسم ‘أوبك’ كما أتيحت لي فرصة حضور بعض جلسات مجلس الوزراء لعرض بعض المذكرات المتعلقة بقرارات المجلس الاعلى للبترول خلال توليتي لمنصب وكيل وزارة شؤون البترول وهو المنصب الذي كنت اشغله عند قيام الانقلاب.. كما قمت خلال السنوات الست التي قضيتها في خدمة هذا القطاع بمهام اخرى اضافة الى عملي الاصلي في الوزارة.. فقد عملت محافظا لليبيا لدى منظمة الأقطار المصدرة للنفط ‘اوبك’ ورئيسا لمجلس المحافظين في المنظمة سنة 1969وممثلا لليبيا في المجلس التنفيذي لمنظمة الأقطارالعربية المصدرة للنفط مؤتمرا عربيا ودوليا في شؤون النفط خلال تلك السنوات… كرئيس للوفد الليبي او عضو فيه. وعند قيام الانقلاب في الاول من ايلول/سبتمبر كنت في لندن في طريقي الى الولايات المتحدة لإجراء سلسلة من المفاوضات مع شركات النفط الرئيسية العاملة في ليبيا بشان ادخال تعديل رئيسي وهام في قانون البترول الليبي. وعندما بلغتني أنباء الانقلاب قررت قطع مهمتي تلك والعودة الى ليبيا وكانت المطارات الليبية مغلقة فقررت العودة عن طريق تونس حيث تم اعتقالي فور وصولي الى النقطة الحدودية في راس جدير.. وكان ذلك ظهر يوم 8 ايلول/سبتمبر 1969.. وتم اقتيادي الى معسكر للجيش في مدينتي الزاوية ومنها الى دار الاذاعة ثم الى مقر قيادة الجيش في باب العزيزية ومن هناك صدر الامر بإحالتي الى السجن المركزي بطرابلس حيث تم ايداع معظم رجالات ما سمي بالعهدالبائد. وبقيت اكثر من ستة اشهر رهن الاعتقال في السجن حيث تم الإفراج عني ووضعي تحت الإقامة الجبرية في بيتي لمدة سبعة اشهر اخرى.. وكان قد صدر قرار من مجلس وزراء حكومة الانقلاب بإحالتي التقاعد وكان عمري اذ ذاك يزيد قليلا عن نصف السن القانوني للتقاعد. وهكذا كان الفراق بيني وبين الدولة الليبية.. التي لم تعطني ولم أخذ منها اكثر مما قرره القانون من المرتبات والمزايا لصغار الموظفين وكبارهم.. وقد تأكد ذلك كله لجميع اجهزة التحقيق والرقابة التي أقامتها حكومة الانقلاب للنظر فيما سمي حينها بقضايا الفساد الاداري والمالي في العهد المباد، غير انه من المفارقات الغريبة ان القضية الوحيدة التي وقفت فيها امام محكمة الشعب هي تلك القضية التي عرفت بقضية تضليل الرأي العام، وذلك من خلال عملي في الاذاعة الليبية، حيث اتهمت مع جميع اصحاب الصحف في ليبيا بأنني كنت أضلل الرأي العام من خلال التعليقات الإخبارية التي كنت اكتبها او اقرأها في الاذاعة.. وعندما قلت للمحقق انني لم افهم تلك التهمة وطلبت منه ان يشرح لي ماهو التضليل.. وما هو الرأي العام وكيف ارتكبت هذه الجريمة وجدت ان المحقق نفسه في حاجة الى من يقدم له الاجابة المطلوبة، ومع ذلك اصدرت تلك المحكمة العجيبة حكما بسجني لمدة سنة مع وقف التنفيذ وغرامة مقدارها الف جنيه دفعتها من تصفية مستحقاتي التقاعدية عن سنوات خدمتي في الدولة، وكنت قد طلبت ذلك حتى أتمكن من بدء حياتي الجديدة في العمل الحر بعيدا عن الحكومة ومشاكلها.. وهكذا قدر لي ان ادخل السجن مرتين في حياتي.. دخلت السجن في العهد الملكي بتهمة انني كنت ثوريا اخطط لقلب نظام الحكم.. ودخلت السجن في عهد ‘الثورة’ بتهمة انني كنت رجعيا وامثل خطرا على الثورة. كانت تلك مقدمة رأ يت انه لابد لي من ذكرها حتى يعلم من لا يعلم من يكون كاتب هذه السطور وباي حق عدى حق المواطنة يدلو بدلوه في هذا الحديث الذي يجري هذه الايام عن ليبيا الجديدة بعد ثورة السابع عشر من شباط/فبراير.. واعتذر لمن يرى في هذه المقدمة ما لا ارى او من يرى ان بها إطالة لا ضرورة لها وان كنت أخالفه الرأي.
رأي المتواضع في ثورة السابع عشر من فبرايرلعل اهم ما يلفت النظر في الاحداث التي سبقت وأدت الى قيام ثورة السابع عشر من شباط/فبراير التي سميت بحق بالثورة المجيدة هو ان الشباب الليبي الذي خطط لهذه الثورة ويتولى قيادتها هم انفسهم أولئك النفر من الليبيين الذين فرض عليهم النظام البائد ان ينخرطوا فيما كان يعرف ببراعم وأشبال الفاتح عندما كانوا يضعون أقدامهم في اولى مراحل التعليم الابتدائي.. ثم فرض عليهم هذا النظام مناهج جرى أعدادها بعناية فائقة في المرحلتين الإعدادية والثانوية بحيث لا يكون في فكر هؤلاء غير الولاء التام والايمان المطلق بالمقولات الشاذة التي كان يجري الترويج لها من خلال الكتاب الاخضر على انها الحل النهائي لجميع مشاكل الدنيا والآخرة والتي وضعها رسول الصحراء والقائد الاممي وملك ملوك افريقيا وصاحب اغرب الألقاب والأزياء التي عرفها العالم.. ثم اجبر النظام هذا الشباب بعد ذلك كله ان يدخل المدرجات الخضراء في طول البلاد وعرضها ليتعلم مبادئ وقيم الثورة الخضراء وهي قيم التصفية الجسدية والتعذيب وهتك الأعراض والسجن والتغييـــب القسري للمــــواطنين على أيدى أعتى الأفاقين واكبر المنافقين وأسوأ الدجالين الذين عرفتـــهم ليــبيا عبر تاريخها الطويل من المنتمين الى ما كان يسمى مكتب الاتصال باللجان الثورية، من الذين باعوا دينهم بدنياهم واصبحوا وصمة عار في جبين هذا النظام الذي اسقطته ثورة السابع عشر من شباط/فبراير المجيدة.. فكيف انقلب السحر على الساحر.. وكيف امكن إسقاط ذلك النظام على أيدي الذين حرص النظام نفسه وخلال اربعة عقود على أعدادهم للدفاع عنه والموت دونه؟
ان الاجابة البسيطة على هذا السؤال الهام هو ان كل ما قام به النظام البائد من اجل محاولة السيطرة على عقول الليبيين وطمس إرادتهم والغاء اي دور لهم في صنع مستقبلهم وإخضاعهم بالكامل لسيطرة نظام شاذ ومريض قد باءت كلها بالفشل الذريع، واثبت هؤلاء الشباب ان إرادة الشعوب تعلو دائماً على إرادة الحكام.. وان الظلم والقهر والاستبداد لا يستطيع مهما بلغ من القوة ان يصمد امام ثورة الشعوب حينما تنتفض وتقول للظالمين أتى امر الله فلا تستعجلوه. هذه الثورة إذن هي ثورة الشباب الذين فشل النظام في ترويضهم او شراء ذممهم او تجنيدهم للدفاع عنه وعن قائده.. هم الذين قال النظام عنهم انهم جرذان ومتعاطو مخدرات واتباع تنظيم القاعدة، بئس الاسم الفسوق بعد الايمان. يبقى السؤال بعد ذلك الى أين سيمضي بنا شباب الثورة؟
يبدو للوهلة الاولى ان الذين استطاعوا ان يحققوا هذا الحلم الليبي الذي كان اشبه بالمستحيل لابد ان يكونوا قادرين على حماية هذه الثورة والعمل على تحقيق أهدافها في تاسيس نظام جديد في ليبيا يحقق طموحات جميع الليبيين في الحياة الحرة الكريمة ويضع حدا نهائيا لكل مغامرة دموية اخرى يمكن ان يقوم بها كائن من كان في المستقبل، ولكن هل تبقى تلك مجرد أمنية.. ؟ وهل يملك شباب الثورة القدرة والخبرة والإمكانيات لتحقيق هذا الهدف النبيل.. ؟ اعتقد ان الثورة والمحافظة عليها وتحقيق أهدافها هي مسؤولية الليبيين جميعا في داخل ليبيا وخارجها واذا كان من حق الذين فجروا الثورة وخططوا لها ان يتولوا قيادتها خلال فترة انتقالية محدودة الى ان يتم الاستفتاء على الدستور وانتخاب اول مجلس نيابي وتشكيل اول حكومة فان المأ مول هو ان هؤلاء الثوار سوف يقدمون انفسهم للشعب كثوار حقيقيين ليس من أهدافهم الوصول الى الحكم ولكن إيصال الشعب الى الحكم من خلال انتخابات حرة عبر صناديق الاقتراع وتنافس شريف بين احزاب وطنية يسعى كل منها لخدمة الوطن والمواطنين.. وهذا هو الفرق بين الثورة والانقلاب.. وهذا هو الفرق بين الثوار والانقلابيين.. مطلوب من الليبيين جميعا ان يكونوا في مستوى هذا الحدث الكبير وعلى كل من يجد في نفسه القدرة والكفاءة ان يساهم بالقول وبالفعل في بناء ليبيا الجديدة ان يتقدم الصفوف وان يقوم بما يستطيع القيام به ولو بالفكرة والرأي السديد.. اما ان يجلس كل واحد منا في بيته وينتظر ان يقوم الثوار بكل شيئ نيابة عنه فان ذلك يعني اننا لسنا في مستوى هذه الثورة وكأننا نقول للثوار لسنا معكم.. هذه ليبيا أمامكم.. فافعلوا ما شئتم بها.
هذا ما اردت ان اقوله، والله من وراء القصد.. رحم الله شهداء ليبيا الأبرار.. وليكن شعارهم الخالد: نحن لا نستسلم.. ننتصر.. او.. نموت.. هو شعار ليبيا الجديدة حتى لا يفكر كائن من كان ان يعيد ليبيا مرة اخرى الى الوراء.. وعاشت ليبيا حرة مستقلة.’ كاتب ليبي