منذ الإعلان عن التوصل إلى اتفاق سلام مع الإمارات والبحرين، يتجول رئيس الوزراء نتنياهو كطاووس فخور؛ “جئت بالسلام مقابل السلام”، يقول لكل من يسأل ولمن لا يسأل. ومن أجل تحريك الرأي العام، يعرف نتنياهو بأنه يجب الاتصال به في مستوى العينين، في رسائل بسيطة وقابلة للاستيعاب. وبالفعل، فإن السلام مقابل السلام شعار رائع في بساطته، فهو قابل للاستيعاب ومختصر، وإذا ما كررناه ما يكفي من المرات، سيبدو مصداقاً أيضاً. ولكن الفرضية التي بموجبها يصنع اليمين القوي “السلام مقابل السلام” بينما يبقى اليسار أسير مفهوم “السلام مقابل الأرض”، هي بالإجمال كذبة أخرى غلفها نتنياهو بغلاف لاذع بهدف زوغ عيون الجمهور.
قبل كل شيء، السلام ليس “مقابل السلام”، بل مقابل التخلي عن “حلم” الضم، الذي عمل عليه نتنياهو كأنه إرثه التاريخي. ثانياً، سابقة “السلام مقابل الأرض” مسجلة في الطابو على اسم مناحم بيغن، من آباء حركة الليكود، الذي تنازل عن أراضي شبه جزيرة سيناء في صالح السلام مع مصر. وبالمقابل، لم تتنازل إسرائيل في إطار اتفاق السلام مع الأردن عن أراض (باستثناء تعديلات حدودية هامشية)، ومثل السلام مع البحرين والإمارات، اشترط السلام مع الأردن بالتقدم بالتسوية مع الفلسطينيين (رابين في اتفاقات أوسلو، نتنياهو في التنازل عن الضم). وإذا كان كذلك، فإن ادعاء نتنياهو في خلق معادلة جديدة ورائعة أخرى سيختفي قريباً مع الإعلانات الكاذبة مثل “لن يكون هناك شيء لأنه لا يوجد شيء”، و”سنسقط حكم حماس” أو “سأنفذ اتفاق التناوب مع غانتس”.
إن أولئك الذين يدعون بأن دولة إسرائيل الآن “صحت من وهم السلام”، غرقوا عميقاً في حلم الصيف، الذي يعيش فيه نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة تحت الاحتلال، ومليونا فلسطيني في غزة تحت الحصار. إذا كان اليسار غارقاً في “الأوهام”، فما هو “حل” اليمين؟ رئيس الوزراء يرفض عرض حله للمشكلة.
لا توجد هنا حلول سحرية: فلا يدعي أحد بأن السلام سهل، ولكن الناظر إلى الواقع ملزم بأن يعترف بأن ليس هناك حل آخر. دولة غربية وديمقراطية، ترغب في البقاء كذلك أيضاً، لا يمكنها أن تبقي الملايين تحت سيطرة عسكرية وتمنع عنهم إمكانية كتابة قصة حياتهم بأنفسهم.
إن رفض التساوم على الأرض سيجرنا إلى التنازل عن ديمقراطيتنا، ليس أقل.
المفارقة هنا هي أن نتنياهو يفهم ذلك أيضاً: في تنازله عن الضم، يعترف نتنياهو ضمناً بأن إسرائيل ستواصل الاحتفاظ بالمناطق بمكانة احتلال مؤقت فقط. كل شيء جاء في صالح نتنياهو: لم يحلم اليمين في الماضي برئيس أمريكي، وبعدم اكتراث من جانب العالم العربي، وهدوء أمنى نسبي من جانب الفلسطينيين. كل هذه لن تكفيه كي يفي بوعده لقاعدته اليمينية. وإذا كان هناك تطبيع مع دولة بعيدة، وكان هناك أفق لنتنياهو لدفن حلم الضم، فهذا يقول شيئاً ما عن الضم، وليس عن نتنياهو فحسب.
بقلم: شكيد مورغ
المديرة العامة لـ”السلام الآن”
معاريف 29/9/2020