رئيس “ائتلاف الوطنية” إياد علاوي نحو خريطة طريق تنقذ المنطقة من الكارثة: موازين القوى في البرلمان تسير باتجاه إخراج القوات الأمريكية والاتفاقية الواضحة قد تغيّر المشهد

حاورته: رلى موفّق
حجم الخط
2

يقدّم زعيم “ائتلاف الوطنية” العراقية الدكتور أياد علاوي “خريطة طريق” علّها تُسهم في إخراج العراق من الكارثة الآخذة بالاتساع إذا استمرت بلاد الرافدين مسرحاً لصراع الدول الذي من الصعب التنبؤ بمآلاته، لكنه بالتأكيد سيشتد قبل أن ينفجر.

 تلك الخريطة تقوم، في شقها الإقليمي، على عقد مؤتمر للأمن والسلام الإقليميين بحضور تركيا وإيران وأثيوبيا يُبنى على ركيزتين للعلاقات في المنطقة، هما تبادل وتوازن المنافع والربط والاقتصادي والتجاري، واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعتمد في شقها الداخلي على وضوح في القرار الحكومي لجهة تغيير الواقع السياسي ليكون “طارداً للإرهاب” عبر تحقيق السلم الأهلي والوحدة الوطنية. وهو ما يتطلب أولاً، عقد اتفاقيات أمنية بين العراق والدول المتواجدة عسكرياً على أراضيه بهدف الدفاع عنه إذا تعرّض الأمن الداخلي لاهتزاز كبير أو هجوم خارجي، على أن يحتفظ العراق بسلطة القرار في شأنها. ويتطلب ثانياً، التزام الدول التي تدعم ميليشيات في العراق بالتوقف عن التدخل بالواسطة أو مباشرة في الشأن الداخلي، وأن تحترم سيادة العراق، وعدم استخدامه في “الحرب الباردة الثانية” التي تطل الآن على العالم.

القيادي العراقي، الذي يبدي على الدوام تحفظه على العملية السياسية واختلالاتها، ينطلق في ما يطرحه من اقتناعه بأن “جيلاً ثالثاً” من الإرهاب ينشأ في الداخل والخارج، وأن العراق غير قادر سياسياً وعسكرياً على الوقوف أمامه.

 واللافت في حديث علاوي محاولاته المتكررة للإيحاء تارة والتأكيد طوراً بأن ليس هناك من اتفاقية أمنية عراقية-أمريكية، كاشفاً أن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي اعتبر خلال وجوده في السلطة أن لا حاجة لهذه الاتفاقية. ويعتقد أن موازين القوى في البرلمان الحالي قد تكون على الأكثر في اتجاه إخراج القوات الأمريكية وغيرها من العراق، لكنه يرى إمكانية أن يتغيّر المشهد إذا جرى إعداد اتفاقيات واضحة.

وهنا نص الحوار:

○ بعض المراقبين يعتبر أن العراق سيكون الساحة الأقسى سياسياً وعسكرياً في الصراع الأمريكي – الإيراني، بعدما كانت التفاهمات أو “تفاهمات الضرورة” بين الجانبين ترسم السقوف، هل انتقل العراق من مرحلة التعايش الأمريكي – الإيراني إلى مرحلة الصدام العلني؟

  • للأسف بعد الاحتلال أصبح العراق في فراغ، وفي وضع واهن، يظلله الفراغ السياسي والإداري بسبب تفكّك الدولة وتبنّي الطائفية واجتثاث البعث المسيّس. أحياناً يتوافق الأضداد من حكومات ودول لتوحيد صفوفهم، وأحياناً أخرى يتحاربون ويتخاصمون لأسباب عديدة، فمنهم من يخشى من الولايات المتحدة وما قد يحصل لهم بعد سقوط نظام صدام، كإيران وسوريا، ومنهم من يريد الهيمنة معتقداً أن العراقيين لن يقدروا على مقاومة الاحتلال، وأن الاحتلال سيقضي عليهم.

العراق، بعد الاحتلال، تحوّل إلى مسرح لصراعات الدول، فهناك من يرغب بدعم السنّة، وهناك من يرغب بدعم الشيعة، ونحن هنا لا نعني كل السنّة أو كل الشيعة، فالمنخرطون في الإسلام السياسي والطائفية السياسية لا يُشكّلون، في أحسن الأحوال، أكثر من 5 في المئة من عموم العراقيين. هذه الدول كانت لا تُعير اهتماماً لموقف الأغلبية الصامتة من الشيعة والسنّة الذين هم جزء مهمّ من التوجّه والالتزام الوطني المنفتح، باستثناء ما حصل من دعم معنوي للقوى التي مثلت خط الاعتدال والوطنية، والتي كوّنت ائتلاف “العراقية” الذي كنت أرأسه أنا، إلا أنه بعد عشرة أشهر من فوزنا في انتخابات العام 2010 عادت الأمور إلى سابقها، هذا يدعم السنّة وذاك يدعم الشيعة، وجرى تآمر شرس على ائتلاف “العراقية” من قبل إيران والإدارة الأمريكية.

أما بالنسبة إلى الصراع الإيراني – العربي والإيراني – الأمريكي ودخول روسيا وأوروبا على الخط، إضافة إلى تركيا، فلا يمكن لأحد التنبؤ بما سيحصل تحديداً، لكن الصراع سيشتد بالتأكيد قبل أن ينفجر، واحتمال وصول القوى الدولية والإقليمية إلى توافق لن يؤدي إلى صدام كما حصل في الملف النووي. هذا المآل يعتمد إلى حد كبير على موقف الإدارة العراقية وشعب العراق، وعلى إمكانيات انعقاد مؤتمر للأمن والسلام الإقليميين بحضور تركيا وإيران وأثيوبيا (لأن المطلوب حل كل المشاكل العربية بما فيها الخلاف حول سد النهضة)، ووضع النقاط على الحروف باعتماد ركيزتين تحددان العلاقات في منطقتنا: تبادل وتوازن المنافع والربط والاقتصادي والتجاري أولاً، واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ثانياً، بخلاف ما يحصل حالياً من تصعيد في التوترات، وتدخلات ضارة من الدول المتضادة في ما بينها.

هنا لا بد من الإشارة إلى مواقف متميزة في احتضان العراقيين والعراق، أحدها ما ذهب إليه الشيخ زايد آل نهيان – رحمه الله – عندما تقدّم بجرأة وبُبعد نظر بمشروع يقضي باستقالة صدام. وموقف آخر للملك الأردني المرحوم حسين بن طلال، عندما احتضن القوى العراقية على اختلافها (سنة وشيعة وكُرد)، بعدما اشتد الصراع في الفلوجة، فأنشأ مستشفى لعيادة كل المرضى العراقيين، وكذلك مواقف الرئيس المصري حسني مبارك الإيجابية، وأخيراً مبادرة أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح بتبني الكويت مؤتمراً مهمّاً لإعادة إعمار العراق (كل العراق).

○ يمكن القول أن تيار مقتدى الصدر يقدّم نفسه رأس حربة في معركة خروج القوات الأمريكية من العراق من بوابة البرلمان، لإنهاء العمل بالاتفاقية الأمنية ما بين البلدين، ولكن كان يتم العمل على هكذا مشروع من قبل تحالف “الفتح” المحسوب على إيران، هل تأتي الدعوات النيابية كرد فعل فقط على كلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شأن إبقاء قواته في العراق لمراقبة إيران، أم انه مقدمة لمواجهة مقبلة مع الولايات المتحدة؟

  • أعتقد أن التحالف الدولي ومعه العربي لمحاربة الإرهاب أفلحا في مساعدة العراق عسكرياً على التخلص من إرهاب “داعش”، لكن لا العراق أفلح ولا الدول الداعمة للعراق أفلحت في تغيير الواقع السياسي بتحصينه إلى طارد للإرهاب، أي لم يتم الاتفاق على تحقيق السلم المجتمعي والوحدة الوطنية، فالمسألة إذاً ليست مسألة هذا التيار أو ذاك، وإنما هي مسألة الوضوح المتجرّد في التصرّف، فضلاً عن وضوح القرار الحكومي العراقي. بتقديري هناك ثلاثة أمور لا بد من اعتمادها:

أولاً: العمل على انعقاد مؤتمر للأمن والسلم الإقليميين بالسرعة الممكنة، وأن يكون صريحا وواضح الأهداف بإشراف الأمم المتحدة وحضور الأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن الدولي، وكذلك إيران وتركيا والحبشة.

ثانياً: عقد اتفاقيات أمنية بين العراق والدول المتواجدة عسكرياً على أراضيه، بحيث يكون أي تواجد أجنبي في العراق محدّد العدد، وبضمانة الأمم المتحدة، بهدف الدفاع عنه إذا تعرّض لهجوم خارجي أو إذا اهتز الأمن الداخلي بشكل كبير، وألا يُسمح للقوات الأجنبية بالاعتداء على دولة أخرى انطلاقاً من أرض العراق، وأن يكون قرار تحرّكها أو تمديد فترة بقائها أو الطلب بالمغادرة بيد السلطات العراقية.

ثالثاً: التزام الدول التي تدعم ميليشيات محلية، سواء أكانت إيران أم تركيا أم غيرهما، بأن تتوقف عن التدخّل بالواسطة أو مباشرة في الشأن العراقي الداخلي، وأن تحترم السيادة العراقية، وبهذا لا يمكن ولا يجوز لهذه الدول أن تستعمل “العراق” في ليّ الأذرع أو المواجهات على أرضه وعلى حساب شعبه، أو أن يكون جزءاً من الحرب الباردة الثانية التي تطل الآن على العالم. وينبغي أن يعلم الجميع أن استقرار العراق هو استقرار للمنطقة.

بشكل عام، أنا لا أعتقد أن القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية والاستخبارية العراقية التي بُنيت على المحاصصة، للأسف، قادرة على الوقوف أمام هبّةٍ شرسة جديدة لـ “الجيل الثالث من الإرهاب”، ولا أعتقد أن المناخ السياسي في العراق، بشكله الراهن، داعم للوحدة الوطنية وبعيد عن نهج الاجتثاث المسيّس والتهميش والإقصاء، لأن الأمور تسير في الاتجاه المعاكس.

○ هل الاتفاقية الأمنية هي المظلة القانونية الوحيدة للوجود الأمريكي في العراق؟

  • ليس لي علم بأن هناك اتفاقية أمنية ناقشها مجلس النواب السابق أو الحالي، ولم تُطرح مثل هكذا اتفاقية على القوى السياسية العراقية لأخذ رأيها. وليس لي علم بأن الحكومة لديها اتفاقيات بمذكرات واضحة تحدد السماح بوجود قوات أجنبية في البلاد أم لا.

○ تعني أن الاتفاقية الأمنية التي وقعتها حكومة نوري المالكي في العام 2011 لم تمرّ على مجلس النواب، أم أنك تشكك في وجود هذه الاتفاقية واتفاقات مع دول أخرى؟

  • هي عُرضت على اجتماع للقيادات السياسية للأحزاب والكتل والائتلافات الرئيسية، وبيّن المالكي من موقعه كقائد عام للقوات المسلحة ووزير للداخلية ووزير للدفاع ورئيس لمجلس الوزراء، بأنّ لا حاجة للاتفاقية.

في عام 2012 هربت مجاميع أعدادها بالآلاف من سجون العراق، وتلاها الإعلان عن تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق – داعش”. عندما شاركت قوات “التحالف الدولي” في الهجمات على “داعش” لم تُعرض الاتفاقية على مجلس النواب، وعندما اقتضت الحاجة الملحة بعد سقوط محافظتي نينوى والأنبار وابتداء هجوم كاسح من “داعش” ضد أربيل، دخل التحالف في معارك للدفاع عن هجمات “داعش” في أنحاء متعددة من العراق.

○ بمعزل عن وجود اتفاقية من عدمها، هل موازين القوى في البرلمان لصالح قرار إخراج القوات الأمريكية، وكيف سيكون المشهد إذا تطورت الأمور في هذا الاتجاه؟

  • نعم موازين القوى في مجلس النواب قد تكون على الأكثر باتجاه قرار إخراج القوات الأمريكية وغيرها، لأن الاتفاقيات – إن وُجدت – غير واضحة أو محددة، لكن إن جرى إعداد اتفاقيات واضحة فمن الممكن أن تتغيّر الصورة. أعتقد أن “خريطة الطريق” التي اقترحتها أعلاه هي التي يمكن لها أن تُخرج العراق والمنطقة من أزمة أو كارثة ملامحها آخذة بالاتساع، وستؤثر على المنطقة برمتها وتدمّر القضايا المهمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

○ أنتم من القائلين بأن العملية السياسية تشوبها عيوب جوهرية، من التهميش إلى المحاصصة الطائفية… باعتقادك هي نتاج عيوب في الدستور أم ممارسة خاطئة له؟

  • أنا مؤمن بأن العملية السياسية قامت على الخطأ والخطيئة، وولد منها دستور غير دقيق، ولا يحتوي على معالجة للأزمات، وقد كُتب على عجالة (ثلاثة أو أربعة أشهر) ومن قِبل قوى سياسية منقسمة أصلاً، أضف إلى ذلك التدخلات الدولية والإقليمية واستحواذها على القرارات السيادية العراقية.

العملية السياسة لا تزال قائمة على التهميش والإقصاء والاجتثاث المسيّس والطائفية. لقد أشرفت على آخر انتخابات في عام 2018 “مفوضية انتخابات” غير قادرة وغير مؤهلة، سمحت للمال السياسي وللتدخل الخارجي بأن يكون لهما دور فاعل. وما حصل في اجتماع مجلس النواب، الذي تم بموجبه اختيار رئاسة ورئيس المجلس النيابي، دليل على ذلك وأكدته عدسات الكاميرات.

لكن على الرغم من هذه العملية السياسية الحافلة بالمشاكل ومفوضية الانتخابات غير القادرة، هناك وجود مراكز متميزة في الدولة – مثل رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وبعض الوزراء القادرين والأكفاء كوزير المالية فؤاد حسين، ووزير النفط ثامر الغضبان، ووزير الصحة علاء العلوان، ووزير الخارجية محمد علي الحكيم، ووزير النقل عبدالله لعيبي ووزير الثقافة عبدالأمير الحمداني، وأخوة آخرين – هؤلاء هم الأمل الوحيد المتبقي في خروج العراق من الصراعات، وعليهم الإقدام بجرأة على العمل الممنهج الوطني. ونحن، وكل العراقيين الأشراف، جاهزون لدعمهم بالكامل لتحقيق ما يصبو إليه شعب العراق إن ساروا بقوة في نهج الإصلاح.

  • تحدثت عن عملية تفكيك مؤسسات في الدولة وإلحاقها بأجزاء من الحشد الشعبي، واعتبرته مؤشراً خطيراً، هل يمكن الإضاءة أكثر على هذا الموضوع؟
  • حصلت حادثة غير واضحة مؤخراً ولم أجد تفسيراً لها. تمّ إلغاء شركة المعتصم – وهي مؤسسة للبناء – من مؤسسات وزارة الإسكان وإلحاقها بمؤسسة أمنية هي “الحشد الشعبي” أو جزء منه، من دون الرجوع إلى مجلس الوزراء والنواب، وقد أصدرنا بياناً أشرنا فيه إلى خطورة هذه العملية إدارياً وقانونياً وسياسياً. هذا الأمر قد يدفع بالجيش أو الشرطة الاتحادية أو الشرطة المحلية أو الأجهزة الاستخبارية للمطالبة بالأمر نفسه أسوة بما حدث مع “الحشد الشعبي”، وهكذا يزداد العراق تقسيماً.

○ ما تصوّرك لحل إشكالية “الحشد الشعبي” الذي يُشابه “حزب الله” اللبناني كقوة يقوّض وجودها مؤسسات الدولة وقد يعمل خدمة لمشاريعه الإقليمية؟

  • “الحشد الشعبي” ابتدأ بفتوى من المرجعية الرشيدة التي دعت إلى الجهاد الكفائي، أي دعم الوحدات العسكرية كقوة مكمّلة للجيش، بعد هروب البعض من مواجهة “داعش” في الموصل والأنبار، نتيجة لذوبان الهوية الوطنية والعسكرية وغياب الانضباط العسكري لهذه الوحدات، ولانعدام بصيرة الأجهزة الاستخبارية والأمنية العراقية، وكذلك لعدم الالتفات الجدّي لناقوس الخطر عندما هرب آلاف الإرهابيين من سجون العراق عبر عمليات عسكرية اقتحامية.

لكن يبقى السؤال: هل العراق بحاجة إلى جيشين لكل منهما هكيلية قيادية… أم بحاجة إلى جيش وطني واحد قادر على الدفاع عن سلامة البلاد؟ لذا تقدمت باقتراحات واضحة من منطلق أن “الحشد” قام بمهام جدّية واقتحامية فيها تضحية كبيرة ضد “داعش”، والذي أسميه أنا “الحشد المقاتل”. الاقتراح يقضي بإدخال مَن هو مؤهل وقادر وراغب إلى القوات المسلحة أو إلى قوات الشرطة الاتحادية أو الشرطة المحلية في المحافظات، وإيجاد فرص عمل للآخرين ومكافأتهم، لا سيما وأن هناك عناصر في الحشد من السنّة والتركمان وطوائف أخرى، عبر هذه العملية نعيد تشكيل جيش واحد مقتدر يُعيد هيبة وقوة هذه المؤسسة العريقة. كما اقترحت على رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي تشكيل قيادة عامة للقوات المسلحة العراقية وليس تعيين قائد للقوات المسلحة فقط، حسبما جاء في الدستور الذي تشوبه نواقص. في هذه الحالة يكون هناك وجود لقوات الجيش والبيشمركه ولـ “الحشد المقاتل”، وتكون كلها تحت خيمة العراق ومؤسساته في مجال المساءلة والمرجعية، لكن الأمر ليس بهذه الصورة الآن وإنما بعيد عنها.

○ تتخوّف من أن “جيلاً ثالثاً” من الإرهاب بدأ يُطل برأسه في العراق أو خارجه، ما هي معطياتكم هذا الموضوع؟

  • نعم أنا متخوّف جداً من “الجيل الثالث” من الإرهاب. ربما يكون مختلفاً في تكتيكاته وسلوكياته، فالجيل الأول تمثّل بـ “القاعدة” والثاني بـ “داعش”، والآن المعلومات الأوّلية تُشير إلى أن هناك أهدافاً مشتركة للتنظيمين في تقويض سلامة المنطقة وربما العالم بأسره، كما أن هناك عوامل مساعدة خطيرة، أولها البيئة السياسية المساعدة للإرهاب في مناطق العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر، بسبب سياسات التهميش والإقصاء والتطرّف والطائفية السياسية، وكذلك انقسام المجتمعات والدول والصراع الدائر بينها، بعيداً عن الوصول إلى تفاهمات وحوارات بنّاءة، إضافة إلى الانقسام والصراع العالمي المتجدّد الآن وبدايات “الحرب الباردة”، الذين لهم شديد التأثير في ضبابية وتوترات الأجواء في منطقتنا. ولا شك أن التقنيات الحديثة كوسائل التواصل وسرعة انتقال الأخبار والمعلومات تساهم، بكل تأكيد، في استفادة قوى التطرّف منها، كما وجود أنظمة حاكمة تدعم قوى التطرّف.

أنا أذكر أن السفير الأمريكي لدى العراق زلماي خليل زاده طلب منّي في عام 2006 أو 2007 أن أساعد في الحوار بين طالبان وباكستان وحكومة أفغانستان، وكنت حينها خارج السلطة التنفيذية، وسافرت إلى دولة عربية والتقينا بصانع القرار فيها، وكان مؤيداً للفكرة، واتصلت بالأخ (الرئيس الباكستاني) برويز مشرف عبر أحد سفرائه. هذا حصل قبل أكثر من عشر سنوات. واليوم السفير نفسه (وهو ليس سفيراً الآن) مكلّف بالتفاوض بين طالبان والحكومة الأفغانية في قطر. هكذا أُزهقت أرواح كثيرة بسبب عدم وضوح الرؤى وضبابية المواقف وضياع خريطة الطريق، والأهم في ذلك هو تحقيق الوحدة الوطنية ومبادئ المواطنة التي تقوم على العدل والمساواة بالإضافة إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والتي بمجموعها تحصّن المجتمعات الإسلامية من التطرّف أو تأييد التطرّف.

○ التسليم بفكرة “الجيل الثالث” يُفرغ الانتصارات العسكرية التي تحققت من محتواها… في رأيك هل هناك رغبة عراقية فعلية في استعادة السنّة إلى كنف المشروع الوطني؟

  • الانتصار العسكري الذي هزم تنظيم “داعش” وأخرجه عسكرياً من مواقعه عندما أمسك بالأرض، كان يجب أن يؤدي إلى انتصار سياسي من خلال تحقيق السلام والوحدة الوطنية وإعادة بناء ما تهدّم، وتحسين فرص العيش الكريم والشريف، لكن هذا لم يحصل لغاية الآن، ولا أراه سيحصل في القريب العاجل، لكن علينا الاستمرار بالقيام بما يلزم، والتحذير مما قد يحصل، لا سمح الله.

○ ظلال قاتمة تخيّم على المجتمع العراقي، فمن سنّة مشتتين في مخيمات النزوح ومنقسمين بين العرب وإيران وتركيا، إلى شيعة “يطيّفون” السلطة وتستحوذ عليهم عقلية ثأرية من “حقبة صدام” وتحوطهم إخفاقات متتالية في الحكم وصراعات داخلية تنذر بالانفجار، مروراً بأكراد يطمحون بالانفصال وسط احتمالات حرب كردية – كردية، وصولاً إلى أقليات دينية مهددة بالزوال. في ظل هذه الصورة هل ما زال بالإمكان الحديث عن مستقبل عراق واحد موحد؟

○ ليس كل السنّة ولا كل الشيعة، وإنما جزء يسير منهم هو من يسير بهذا الاتجاه، ولا ننسى أن الشيعة والسنّة في العراق كانوا ولا يزالون أغلبية ضمن إطار الاعتدال والوطنية، لكن ليس لهم من نصير. وما حصل في انتخابات 2010 خير دليل على ما أقول، فبالرغم من قساوة الوضع واستهداف ائتلاف “العراقية” والاجتثاث المسيّس والقصف الذي أدى إلى احتراق بعض مناطق جماهير “العراقية” وأنصارها، زحف الشيعة والسنّة والمسيحيون والإزيديون والصابئة إلى صناديق الاقتراع، للتصويت لقائمة وطنية تضمّ سنّة وشيعة ومسيحيين، ويرأسها شيعي وطني غير طائفي، وحققت الفوز لكن الجمهورية الإسلامية في إيران والإدارة الأمريكية وقفتا ضدها في ذلك الوقت.

يقول بن رودس الذي كان مسؤولاً عن التفاوض السري مع إيران حول الملف النووي الإيراني عندما كانت المفاوضات تجري بشكل سريّ في مسقط بين أمريكا وإيران. رودس هو مَن ترأس الوفد الأمريكي وكان يُحيط الرئيس الأمريكي باراك أوباما علماً بما يجري بالمفاوضات، وقد ذكر في كتابه “العالم كما هو” والذي نُشر في 5 حزيران/يونيو 2018 عن دار “Bodley head of penguin, Random House, UK”، أن “إيران استاءت استياءً شديداً من فوز علاوي، وهدّدت بقطع التفاوض بشأن الملف النووي ما لم تقف الإدارة الأمريكية بالمرصاد لعلاوي، وتمنعه من تشكيل الحكومة كفائز في الانتخابات” (الكلام لرودس).

أما الأكراد فليس لديهم مشروع انفصالي لكن الأوضاع السياسة وعدم الاتفاق بينهم وبين بغداد، وعدم وجود القوانين (قانون النفط والغاز، وقانون توزيع الثروات المائية وهي نصوص عامة موجودة في الدستور) دفع القيادة الكردية والشعب الكردي في العراق إلى المطالبة بالاستفتاء، ولا أرى أن حرباً كردية – كردية ستقع. بشكل عام، ما لم تتحقق المواطنة التي تقوم على العدل والمساواة في أي مجتمع، وخاصة المجتمع الذي فيه شرائح متعددة، فلن يعرف الاستقرار.

○ وفي أي سياق تضع اغتيال الروائي علاء مشذوب وسط كربلاء؟

  • أضعه في سياق الفوضى التي تشهدها البلاد.

○ بادرتم إلى إطلاق “تجمّع المنبر العراقي” كمشروع عابر للطوائف لإصلاح العملية السياسية وبناء المؤسسات وتنمية الشعور الوطني خارج الاصطفافات المتعددة… هل ترى فيه فرصاً للنجاح أم أنه أقرب إلى “النوستالجيا”؟

  • أنا أعتقد أن “المنبر العراقي” مشروع غير طائفي، وهو عابر للطائفية ويهدف إلى إصلاح النظام السياسي في العراق وبناء مؤسسات الدولة وفق معايير الكفاءة والنزاهة والأهلية، ونأمل له النجاح.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية