رئيس اتحاد غرف التجارة والبرلماني الليبي محمد الرعيض: كل من يحمل قبعة عسكرية أو قضائية لابد أن يتخلى عنها قبل الترشح للانتخابات

حاوره: سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

يشرح محمد الرعيض – رئيس الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة الليبية في هذه المقابلة التي خص بها «القدس العربي» تفاصيل المشهد الليبي، ويوضح أبعاد الخلافات المستمرة بين الفاعلين وما ترتب عنها من جمود بسبب الرؤية المتضادة لمختلف الأطراف، حول الاختصاصات المالية للحكومة والمصرف المركزي في ظل الانقسام السياسي الحاصل. كما يبرز تداعيات ذلك على قدرة ليبيا على الاستفادة اقتصاديا من أزمة أسعار الطاقة في أوروبا والاتفاق الجديد مع إيطاليا لاستثمار 8 مليار دولار في تطوير حقول غاز. ويفكك الاقتصادي الذي يشغل أيضاً منصباً سياسياً بعضويته في مجلس النواب، المشهد الليبي على ضوء التحولات التي يشهدها البلد ومساراته وأبعاده المتداخلة وارتباطها بعمق دولي وإقليمي يحدد خريطة القرارات المتخذة في بلد ما يزال يعاني من أزمات متتالية. وبرز اسم الرعيض للواجهة في ليبيا لترؤسه اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة، وهي المنصة الرئيسية لقطاع الأعمال والمال الخاص بليبيا، والمنظمة التي تمثل رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات الاقتصادية. ومؤخراً كان لها حضور لافت في الأراضي الفلسطينية وإعلان اتفاقيات لتصدير المنتوج الفلسطيني ووعود باستقطاب العمالة الفلسطينية. كما يتحدث الرعيض في هذا الحوار عن المستجدات الأخيرة على الساحة الدولية والإقليمية والداخلية، وعن التقارب التركي المصري، والحرب الروسية في أوكرانيا والخريطة الطاقوية الجديدة في أوروبا، والمعادلة الاقتصادية في الصراع، وملفات أخرى لها تأثيرها على مسار التسوية السياسية السلمية للأزمة المستمرة في البلاد منذ سنوات.

وهنا نص الحوار:
○ هل يمكن القول أن الانتخابات في ليبيا باتت قريبة، بعد تصويت مجلسا النواب والأعلى للدولة مؤخراً على تعديل دستوري جديد يُنتظر منه أن يشكل قاعدة للانتخابات؟
•إن أي توافق داخلي ليبي – حتى لو كان جزئياً بين مكونين فقط وليس كل مكونات المشهد – لا يمكن من حيث المبدأ إلا أن يكون إيجابياً ويقربنا أكثر من طريق الحل، غير أن تنظيم الانتخابات في موعد جديد يستوجب علينا الاستفادة من أخطاء الماضي حتى نتجنب الطريق المسدود الذي وصلت إليه انتخابات 24 كانون الأول/ديسمبر 2021 وهو إيجاد قاعدة دستورية وقانونية واضحة للانتخابات بما فيها قانون انتخابات توافقي. ثانياً يجب على هذه القاعدة القانونية والدستورية أن تضمن تساوي الحظوظ أمام جميع المتنافسين، بمعنى أنه على كل من يحمل قبعة عسكرية أو قضائية أن يضعها جانباً ويتخلى كلياً عن منصبه قبل دخول الانتخابات بوقت كاف.
الأمر الثالث تمكين مفوضية الانتخابات من الوصول إلى كل نقطة في ليبيا شرقاً وغرباً للتحسيس والتنظيم وتنفيذ خطة عملها.
فبعد النكسة التي تعرضت لها الانتخابات في موعدها الأول، أصبحنا محتاجين لاسترجاع ثقة الناس وانخراطهم في المشروع، وتمكين الشعب وحده دون سواه من الاختصاص بحسم الصراع على السلطة الذي بات يقسم البلاد والمؤسسات وينخر الاقتصاد، ولهذا تنادت عديد الأصوات منذ سنوات تدعو مجلسي النواب والدولة إلى إحالة مسودة مشروع الدستور برمتها إلى استفتاء شعبي عام، ليس فقط للفصل في القاعدة القانونية للانتخابات بل أيضا في شكل النظام السياسي والإداري والاقتصادي الذي يريده الليبيون، وليحرر العملية السياسية والانتخابية بأكملها من أي صفقات شخصية أو صفقات ضيقة أخرى لا يمكن التكهن بأهدافها، لكن للأسف لم يسمع لتلك الأصوات أحد.
○ ما تأثير التفاعلات الإقليمية على أي تسوية سلمية توافقية بين أطراف الصراع الداخلي في ليبيا خصوصاً وأن العديد من التطورات المباشرة سجلت في الفترة الأخيرة نتحدث عن تقارب تركيا مع مصر وقبلها مع السعودية والإمارات، وتزامن ذلك أيضاً مع المصالحة الخليجية في قمة العلا؟
•ما من شك أن التقارب الإقليمي الحاصل سيؤثر إيجاباً على فرص التسوية السلمية للأزمة الليبية، باعتبار التأثير البالغ للحرب الأخيرة على طرابلس في جر البلاد أكثر نحو تجاذبات إقليمية ودولية. ومجيء حكومة الوحدة الوطنية – عبر مسار أممي اعترف به وانخرط فيه الجميع في الداخل والخارج -كان ثمرة أولى لهذا الحل السلمي التفاوضي المنتظر للأزمة، لكن الأهم ما زال ينتظرنا، وهو تمكين السلطة التنفيذية التي أفرزها هذا المسار – أي المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية – من استكمال المهمة الرئيسية التي وجدت لأجلها، وهي تنظيم انتخابات تنهي مسألة الشرعية الدستورية وتفرز سلطة باختصاصات كاملة.
لذلك نأمل أن هذا التقارب الإقليمي بين الدول التي وضعتها الأحداث على سكة الحل، سيكون حاسماً في تقريب الرؤى بين مختلف مكونات المشهد داخلياً وتسهيل تنفيذ الخطة اللوجيستية والبرنامج الزمني الذي تحدده مفوضية الانتخابات، وأولى هذه الخطوات إيجاد قاعدة قانونية للانتخابات كاملة ومتوافق عليها. كما أن النقطة الأخرى الإيجابية في هذا التقارب الإقليمي بين دول نعتبرها في عمق انتمائنا العربي والإسلامي، هي أنها يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تحييد أو تخفيف أي آثار سلبية متوقعة على الأزمة الليبية يمكن أن يفرزها الصراع الخطير الجديد بين القوى الدولية الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بسبب حرب أوكرانيا.
○ إلى أي حد تشكل الحرب الروسية الأوكرانية فرصة اقتصادية لليبيا لتدخل معادلة الطاقة في أوروبا من بابها الواسع، كما نراه في زيارات كبار المسؤولين الأوروبيين؟
•بلا شك الحرب الجديدة في أوروبا كأي حرب بين قوى كبرى ستؤثر سلباً على الجميع وخاصة الدول الهشة سياسياً واقتصادياً، خاصة أن حوض المتوسط وأفريقيا الذين نحن جزء أساسي منهما أصبحا فعلاً ساحة لامتداد هذا الصراع سواء بشكل ظاهر أو خفي.
وبالنسبة لليبيا هذه الحرب طرحت فعلاً حتى الآن تحديات جدية على مستوى تأمين واردات البلاد من القمح، ونحن في اتحاد الغرف تعاملنا معها تهديداً خطيراً للأمن الغذائي القومي وطرحنا عديد المبادرات للنهوض سريعاً بالإنتاج الزراعي الوطني، والواجب هنا يقع علينا جميعاً كليبيين للتعامل مع الوضع الجديد من خلال توحيد الجبهة الداخلية، والترفع على المناكفات والخلافات والصراع العدمي على السلطة. أما اقتصادياً من المهم الاستفادة من هذه الخريطة الطاقوية الجديدة التي شكلتها الحرب، ونحن بلد يملك مخزوناً كبيراً من موارد الطاقة وإن كان معظمه ما زال غير مكتشف ولا مستغل. ويمكن أن نلعب دوراً مهماً لتلبية بعض من حاجة السوق، التي يترجمها الإنزال الأوروبي في بلادنا لكوكبة من المسؤولين الأوروبيين من أرفع المستويات السياسية والاقتصادية، كما لاحظنا مثلاً في زيارة رئيسة الحكومة الإيطالية لبلادنا قبل فترة بخطة استثمار في حقول الطاقة تتجاوز 8 مليار دولار، وقد لعبنا دورنا في اتحاد الغرف كحاضن لقطاع الأعمال الخاص في رعاية عديد الندوات مع شركائنا في دول أوروبية مختلفة لتنشيط الاستثمارات وتنويع مصادر الدخل.
○ هذا الإنزال الأوروبي كما تسميه والتخطيط لاستثمارات هامة في قطاع النفط والغاز الليبي دون غيره من القطاعات، ألا يمكن أن يعزز من تبعية اقتصاد البلد للمحروقات ويؤخر فرص تنويع مصادر الدخل الذي تتحدثون عنه؟
•هذا السيناريو للأسف قائم إذا لم نبادر إلى رسم وتنفيذ خطة حقيقية لتنويع اقتصادنا وتنمية الإنتاج المحلي، لكن من المهم التنبيه إلى أن هذه الاستثمارات مهمة لليبيا لأجل تدارك التأخر الكبير في استكشاف واستغلال احتياطات النفط والغاز، يصل إلى 30 سنة، تشمل سنوات الحصار وتضاف إليها سنوات الأزمة منذ ثورة شباط/فبراير. كما أن جزءا كبيرا من الاستثمارات يجب أن يوجه لاستغلال القدرات الهامة لليبيا من الطاقات المتجددة وخصوصًا الطاقة الشمسية، فالبلد يوجد داخل الحزام الشمسي الذي يستقبل المتر المربع الواحد فيه سنوياً أكثر من 2500 كيلووات ساعة. وهذا ليس كلامي فقط، بل إن آخر تقرير لوكالة الطاقة الدولية يؤكد أن ليبيا من المناطق ذات إمكانات الإنتاج المنخفضة التكلفة للهيدروجين الأخضر، ويمكن أن تصدره إلى أوروبا بأسعار تنافسية في آفاق 2030.
صحيح نحن ما زلنا بعيدين عن تجسيد هذا المشروع الطموح لكن الشركة العامة للكهرباء وقعت فعلاً مذكرتين مع شركتين عالميتين لبناء محطة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية يمكن أن توفر 22 في المئة من حجم الاستهلاك السنوي.
○ تواجه ليبيا تحدياً آخر يتمثل في الحظر الأوروبي المفروض على الطيران من وإلى ليبيا لأسباب أمنية، ومر عليه أكثر من 8 سنوات، هل يمكن لهذه المستجدات الاقتصادية مع أوروبا أن تفتح ثغرة في جدار الحظر؟
•الحقيقة أن العام 2022 شهد تحقيق أولى الاختراقات ضد الحظر الذي تفرضه أوروبا منذ سنة 2014 لمنع الطيران المدني والتجاري من العمل بشكل مستمر ومنتظم بينها وبين المطارات الليبية. وقلنا للمسؤولين الأوروبيين في مناسبات مختلفة، أن الواقع ليس كما تتصورون وأنه ليس هناك مبرر جدي لاستمرار تعليق الرحلات الجوية من وإلى ليبيا، كما قلنا لهم: هل تعتقدون أن دولاً مثل تركيا والسعودية والأردن ومصر وغيرها لا تكترث لأمنها وهي تسٌير يومياً عديد الرحلات بينها وبين ليبيا؟
نعترف أن البلد يسجل اختلالات أمنية لا ننكرها، لكن المطارات مستمرة في العمل في أقصى شروط الأمن والسلامة المطلوبة، واستقبلنا عديد الوفود، ويمكن لمصالح الطيران الأوروبية التتحقق من ذلك، كما جددنا بالكامل منظومة البيانات ومعالجة معطيات المسافرين لتستجيب للمقاييس العالمية. وفعلاً نجحت جهود مؤسسات الدولة والاتحاد العام للغرف في إقناع بعض الدول الأوروبية باستئناف الرحلات الجوية مثل ما حدث مع مالطا، وأعتقد أن تنسيقاً مماثلاً مع إيطاليا ودول أخرى في طريقه، وفتح أجوائها مجدداً.
○ لماذا أثارت زيارتكم الأخيرة على رأس وفد اقتصادي ليبي للضفة الغربية ومقابلة المسؤولين في السلطة الفلسطينية، جدلاً واهتماماً واسعين؟ بعضهم حذر من أن تستغل إسرائيل الزيارة لزيادة تفتيت جدار المقاطعة العربي؟
•لا أعتقد هناك من هو أدرى من الأخوة الفلسطينيين – الذين التقينا وتحدثنا مع المئات منهم – بتقدير طبيعة الزيارة وهدفها وأثرها على الأرض، بدءاً من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مروراً برئيس الوزراء محمود اشتية، وليس انتهاء عند عشرات الأعضاء في غرف التجارة والصناعة الفلسطينية. اعتبروا جميعاً أن زيارة الوفد الاقتصادي الليبي تعزز من صمود الشعب والاقتصاد الفلسطيني في مواجهة آلة الجوع والحصار والخنق التي تتبعها إسرائيل. كما سمح وجودنا بأن نرى على الأرض كيف نفعّل مذكرات واتفاقيات التعاون الموقعة مع اتحاد الغرف الفلسطينية، ومن شأنها أن تفتح أبواب السوق الليبية أمام عديد المنتجات الفلسطينية، التي تقرر تنظيم معرض اقتصادي كبير لها في العاصمة طرابلس خلال الأسابيع القليلة القادمة. يضاف لذلك أننا درسنا بجدية فتح سوق العمل في ليبيا خلال مرحلة الإعمار القادمة أمام عشرات الآلاف من الأخوة الفلسطينيين من كل التخصصات والمهارات مساهمة منا في تخفيف وطأة البطالة عن العمل في فلسطين. فالزيارة لم تكن تعني لنا مجرد لقاء بروتكولي، وهي دامت أسبوعاً كاملاً عاينّا فيه عن قرب عديد المؤسسات والشركات وعقدنا جلسات عمل مع قطاع الأعمال الفلسطيني في مختلف المدن والمحافظات بالضفة الغربية، ومن هذا المنبر أدعو جميع المنظمات الاقتصادية في وطننا العربي إلى مد يد العون للفلسطينيين بدل الاستمرار في لوك كلام عاطفي لا يبيع سوى الوهم لمقاومة الشعب الفلسطيني البطل ضد الاحتلال.
○ هل يمكن أن يكون الاقتصاد هو المسار الأكثر نجاعة ونشاطاً لتطبيع علاقات ليبيا مع محيطها الخارجي وتجاوز مخلفات الأزمة السياسية والأمنية على هذه العلاقات؟
•نعم هذا صحيح وهو ما نسميه في اتحاد الغرف، الدبلوماسية الاقتصادية الفاعلة، فعند فحص أرشيف البيانات والاتفاقات التي توجت محادثاتنا مع طيف الممثليات الدبلوماسية ومنظمات رجال الأعمال والشركات الاقتصادية العالمية المهتمة بفرص الاستثمار في بلادنا، نجد مما يتكرر فيها مطلب عودة السفارات واستئناف الخدمات القنصلية من العاصمة طرابلس، وتسهيل حركة تنقل الليبيين أفراداً ومؤسسات إلى هذه الدول لأغراض السياحة أو التجارة أو الدراسة أو العلاج وغيرها. مع بذل جهود حثيثة لاستئناف الرحلات المدنية والتجارية المنتظمة من وإلى المطارات الليبية، وحث الشركات التي غادرت البلاد لتعود وتستأنف عشرات المشروعات المتوقفة في الإسكان والمواصلات والبنية التحتية للبلاد. وعقدنا مثلاً في اتحاد الغرف منتدى كبير مع المسؤولين الفرنسيين عنوانه الصحة وتنظيم سوق الدواء والتعاون لمواجهة الأوبئة المتحورة العابرة للحدود، وبعده مباشرة منتدى آخر مع الألمان بعنوان الطاقة المتجددة كسبيل لسد العجز المزمن في استهلاك ليبيا من الكهرباء. ومع تونس نجد أن الاتفاقية الأخيرة مثلاً تدلل الصعاب أمام مشكلة تشابه الأسماء التي تسبب متاعب أمنية لعديد مواطنينا أو تعرقل تملك العقارات لرعايا البلدين في كل منهما أو تثقل دون مبرر إجراءات تحويل الأموال عبر المصارف، وغيرها الكثير من القضايا ذات البعد الاجتماعي والإنساني وحتى الأمني والسياسي التي نستمر في حلحلتها بتوظيف دبلوماسية اقتصادية مكثفة لتفكيك هذا الحصار الدولي غير المعلن على ليبيا دولة واقتصاداً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية