الظهور التلفزيوني لرئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، ليس فيه ما يُغري بالمشاهدة والتتبع، ولو على سبيل الطرافة والتفكّه، كما كان يحصل من قبل مع سلفه عبد الإله بن كيران. وفي هذه الظروف الصعبة التي يجتازها المغرب، على غرار دول كثيرة، بفعل جائحة «كورونا”، حين يطل العثماني على المغاربة عبر التلفزيون، إنْ من خلال تصريحات أو أحاديث إعلامية (وهي نادرة جدا)، أو من خلال قبة البرلمان، فإنه لا يسترعي الانتباه غالبا، حتى وإن وضع القناع الصحي أو أزاله من على فمه وأنفه، وأيضا حتى وإن فلتت من لسانه عبارات خارج السياق تُأوَّل بطرق متعددة.
وسبب ذلك، أن كلام رئيس الحكومة المغربية لا يشفي الغليل، ولا يقدّم إجابات مقنعة عن أسئلة المواطنين، خاصة تلك المتعلقة بالظروف الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بتداعيات فيروس «كوفيد 19″.
هذه الأيام، يبدو العثماني مغرقا في الانشراح والتفاؤل، من منطلق اقتناعه بأن المغرب اجتاز المرحلة الصعبة بسلام، وتجنب الأسوأ؛ ولكن الرجل يُغفل الانعكاسات السلبية للجائحة على الواقع اليومي للعديد من المواطنين المغاربة. الكلام هنا، لا يتعلق بالشركات والمقاولات والمؤسسات الحرة، وإنما بالمواطن المغربي البسيط الذي يشتغل لوحده في مهن غير مُنظَّمة، أو يعمل مع آخرين، في غياب الاستفادة من التأمين والضمان الاجتماعي. كما يتعلق بالمحالّ الصغرى التي اضطرت للإغلاق، إما بسبب غياب الزبائن أو بسبب تطبيق «الحجر الصحي”. هؤلاء وغيرهم تضرروا وأسرهم كثيرا بفعل الحجر؛ صحيح أن عددا منهم حصل على منحا مالية بسيطة جدا من الدولة، وصحيح أن المسجلين في صندوق «الضمان الاجتماعي» استفادوا هم أيضا من بعض التعويضات، ولكن تلك المنح والتعويضات لم تستطع أن تغطّي كافة تكاليف المعيشة والتطبيب الباهظة. الوضع كان أسوأ لدى من لم يستفيدوا من صندوق «كورونا»، إما بسبب عدم قبول طلبهم، أو لكونهم لم يسجلوا عبر موقع إلكتروني (وهي تقنية ليست متاحة لجميع الناس «الغلابة»)ولم يستفيدوا أيضا من صندوق «الضمان الاجتماعي» لكونهم غير منخرطين فيه.
وفي الوقت الذي استجابت فيه الحكومة لضغط «الباطرونا» (أي فدرالية أرباب المقاولات) فأذنت لهم بفتح أبواب المصانع والمعامل التي كانت مغلقة، وأعطت الضوء الأخضر للعمال والعاملات بالعودة إلى عملهم هناك، وفق شروط السلامة الصحية الضرورية؛ فإنها تجاهلت العديد من أصحاب المهن الحرة، وحكمت عليهم بالشلل والبطالة والمكوث في وضعية الانتظار، «في انتظار غودو»؛ كما تجاهلت الباعة المتجولين الذين يكسبون قوتهم اليومي من بضائع يعرضونها في الأزقة والشوارع. وصوّر أحد الصحافيين، منذ بضعة أيام، مشهدا مؤلما يبيّن رجال سلطة يمنعون باعة متجولين في الدار البيضاء من ممارسة عملهم، ويعتقلون أحدهم بطريقة مُهينة، لكونه احتج على عملية المنع. تساءل أحد الباعة ممن استجوبهم الصحافي: «كيف سنعيل أُسرنا وأبناءنا، ونحن نُمنَع من العمل؟ هذا هو نشاطنا الوحيد، ونحن نعيش حالة بطالة إجبارية منذ حوالي ثلاثة شهور، بحكم الحجر الصحي.»
درجة الصفر في التواصل الحكومي
مشكلة أخرى يعانيها المواطنون المغاربة عموما، والإعلاميون خصوصا، وتتمثل في الحق الوصول إلى المعلومة، مما يجعل التواصل الحكومي يقبع في درجة الصفر. وعوض اعتماد الشفافية والأسلوب الاحترافي في الإخبار ونقل المعلومات، يتم اللجوء إلى طريقة «التسريبات» التي تخلق إرباكا لدى الرأي العام، خاصة بالنظر إلى الظروف النفسية والمادية الصعبة المرتبطة بتداعيات الحجر الصحي. مثال ذلك، تسريب وثيقة رسمية تشير إلى أن وزارتي الداخلية والصحة قررتا تمديد حالة الطوارئ الصحية إلى غاية 8 آب/ أغسطس المقبل. وبعد انتشار تلك الوثيقة التي كانت «مشروع مرسوم» يحمل توقيعات مسؤولين حكوميين، عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، سارعت الحكومة إلى إصدار بلاغ جديد يوضح أن فترة التمديد الجديدة ستنتهي في 10 تموز/ يوليو.
إذا كانت الحكومة ملأت الدنيا طنينا بدعوة الناس عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية، إلى عدم الانسياق مع الإشاعات والأخبار الكاذبة، فإنها هي نفسها سقطت في المحظور، باعتماد أسلوب التسريبات. وبالتالي، يحق لنا التساؤل: مَن يلجأ إلى تسريب وثيقة سرية جدا ومحصورة بين أطراف حكومية من مستوى عال؟ ومن له مصلحة في التشويش على المواطنين واللعب على أعصابهم؟
من مظاهر التذبذب في التواصل الحكومي، أيضا، عدم إطلاع المواطنين على رزنامة القرارات المقبلة المتعلقة برفع الحجر الصحي وما بعد عملية إلغاء حالة الطوارئ. فإذا كانت حكومة العثماني أزالت الحجر عن مجموعة من الأقاليم المغربية، فإنها جعلت أقاليم أخرى رهينة الحالة الوبائية للفيروس. يُضاف إلى ذلك، أنه بينما تقوم مجموعة من البلدان الديمقراطية بإخبار المواطنين مسبقا ووضعهم في صورة جدولة التواريخ المقبلة، فإن الحكومة المغربية تترك الأمر للصدفة ولعنصر المفاجأة، كما لو أن الناس لا يبرمجون حياتهم ونشاطاتهم وأعمالهم القريبة.
التقارير الإخبارية في التلفزيون تقول إن الفنادق بدأت تستعد لإعادة فتح أبوابها واستقبال الزوار من جديد. ووسائل الإعلام الأجنبية تقول إن شركات الطيران بدأت تبرمج رحلاتها نحو العالم. لكن الحكومة المغربية لا تخبر الناس متى ستطلق طيرانها؟ ومتى ستفتح الفنادق والمطاعم والمقاهي؟ كيف بإمكان المرء أن يبرمج سفره وأسرته خلال الشهر القادم مثلا، وهو لا يملك أية معلومة بهذا الشأن؟ ومَن يزفّ لأصحاب المنتجات الحرف اليدوية والصناعات التقليدية موعد استئناف النشاط وعودة الزبائن، حتى تعود البسمة إلى الشفاه والتفاؤل إلى القلوب؟
إن مجرد العلم بالمعلومة والجدولة الموضوعة، عامل نفسي أساسي لشحذ العزيمة وزرع الأمل في قلوب المواطنين وتنشيط هممهم. ولكن، إذا كنتَ في المغرب فلا تستغرب: حكومة لا تملك أي تخطيط مسبق، وتترك الأمر للصدفة، أو لقرارات تابعة لأطراف ما؛ والنتيجة: مواطن محبط مغلوب على أمره، ووطن في حالة انتظار!
أهل المنطقة رقم 3
في مثل هذه الأوقات من كل سنة، اعتادت الحكومة المغربية أن تجيّش وسائل الإعلام لتتبع عملية عودة المهاجرين المغاربة إلى أرض الوطن لقضاء العطلة الصيفية بين أهلهم. وتخبرنا التقارير التلفزيونية، باستمرار، أن دخولهم يجري في أحسن الظروف، سواء عبر المطارات أو عبر الموانئ البحرية، وكذلك الشأن بالنسبة لعودتهم إلى ديار المهجر.
اليوم، حكومة العثماني تعيش صمتا مطبقا في هذا الموضوع، غير مبالية بكون حكومات أوربا ـ مثلا ـ تسبقها في تهييئ الترتيبات وإطلاع المواطنين على المستجدات.
والغريب أيضا، أنه بينما قسّمت الحكومة مختلف الأقاليم، حسب الحالة الوبائية، إلى منطقة 1 ومنطقة 2، الأولى تستفيد من إجراءات تخفيف أوسع على مستوى الطوارئ الصحية، والثانية ما زالت مقيدة بإجراءات الحجر الصحي؛ فإنها تجاهلت أوضاع المهاجرين المغاربة في الخارج، والذين أطلق عليهم البعض سكان المنطقة رقم 3، لأنهم منسيون، وخارج التغطية الإعلامية الحكومية. أما حين سيُرفع الحظر العالمي على حركة الطيران والموانئ البحرية، وتبدأ أفواج المهاجرين في القدوم إلى المغرب، إذّاك فقط ستعلو الزفة الحكومية عبر مختلف وسائل الإعلام المحلية.
يردد مهاجرون مغاربة في أكثر من مناسبة: «الحكومة لا تنظر إلينا كمواطنين أبناء هذا البلد، بقدر ما تنظر إلينا كعائدات وتحويلات مالية فحسب». وهم محقون في ذلك، للأسف الشديد!
٭ كاتب من المغرب