في الصفحة الأولى من جريدة ‘القدس العربي’ السبت والأحد 25 ـ 26 آب سبتمبر 2012 ورد خبر ما كنت أظن أنه يمكن أن يمتد بي العمر حتى أقرأه. محتوى الخبر محمد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية التونسية يدلي برأي معارض للحكومة التي هو رئيس جمهوريتها. اتهم الحركة بتعيين أتباعها في مختلف المراكز الحساسة للدولة والمماطلة في تحقيق التنمية / المرزوقي يهاجم النهضة ويتهمها بممارسة أساليب النظام السابق. ليس من عادتي أن أعلن موافقتي لرئيس يمارس الحكم لأن في إعلان الموافقة تملق وتقرب وإضمار لتحقيق بعض الأطماع كبرت أو صغرت. لكنني في هذا المقام وجدت نفسي مجبرا على إعلان موافقتي للرئيس المرزوقي ووضع يدي في يده وإكبار موقفه الشجاع للإصداع برأي هو عين الصواب وعين الحقيقة. وأكبر فيه أنه وضع نفسه في موقف معارض لحكومة هو رئيس الجمهورية في فترة حكمها وهو رئيس مستقيل لحزب تحالف مع حزب هذه الحكومة. خيبت النهضة آمال المنتخب التونسي، فهي لم تحقق شيئا من وعودها الانتخابية. صحيح أن الوعود الانتخابية ما هي إلا طعم يوضع للناخب للفوز بصوته، لكن لا بد من تحقيق الأدنى الممكن من هذه الوعود، إلا أن النهضة تخلت عن كل وعودها ولم تتصرف كمسؤول عن وطن بأكمله ومواطنين في مجموعهم، وإنما اقتصرت نظرتها على حزب النهضة وتوجهاته، اقتصرت على أتباع النهضة، اقتصرت على روافد النهضة. كونها تخلت عن وعودها، فلا تنمية تحققت بتوازن بين الجهات ولا بغير توازن، رغم الثورة، ورغم ما بدا لنا أنها عقول نيرة مسكت بدواليب الدولة فإن نمط التنمية لم يتغير لا بالقليل ولا بالكثير، والبطالة بقيت على حالها إن لم يكن قد تفاقم حجمها عما كانت عليه قبل الثورة، وانصب اهتمام النهضة على مشروع الحركة، وهو تأسيس دولة دينية وليست دولة مدنية، وهذه المقاربة ليس هذا مجال تناولها بتفصيلات فقهية وتاريخية وحضارية، أما اقتصار اهتمامها على أتباعها يتجلى في المطالبة بتخصيص ألف مليار دينار لتعويض ضحايا النظام السابق رغم الوضع المتردي اقتصاديا وماليا وتنمويا، مع العلم أن العدد الأكبر المعني بالتعويض من أنصار النهضة، وإن كنا لسنا ضد التعويض من حيث المبدأ، إلا أن الوقت غير مناسب بالمرة، والحكومة التي تريد تنفيذ التعويض ما عليها إلا أن تكون ثروة وطنية حقيقية ومنها يتم التعويض لا إثقال كاهل الدولة بديون هي في غنى عنها في هذه الفترة بالذات. وما دام الحديث عن تعويض المساجين السياسيين فإنني أدعو حقيقة لا تفكها التعويض لمن سجنتهم النهضة وهي تمسك بزمام الحكم بسبب مواقفهم السياسية وأغلبهم من ولاية سيدي بوزيد مهد الثورة التونسية. فالسجين السياسي يظل سجينا سياسيا سجنه نظام بورقيبة أو نظام بن علي أم نظام النهضة. أما روافد النهضة فهو الموضوع الأخطر، وهو المحطة التي لا يجب التغافل عنها. السلفية لم يكن لهم وجود قبل 14 حانفي 2011، حزب التحرير لم يكن أحد يدري عنهم شيئا، حتى وإن زعموا لهم وجودا قبل الثورة فهو وجود أشباح أو في المخيلة، هؤلاء صاروا العصا التي بها تضرب النهضة وتقول إنهم أبناؤننا، وكأن غيرهم ربائب، أما أكبر خيانة وللتاريخ ترتكبها النهضة في حق تونس هي منح حزب التحرير تأشيرة، لست من دعاة الإقصاء، ولكن السبب الوجيه الوحيد أن حزب التحرير لا يعترف بتونس ولا يعترف بعلم تونس، ولا يعترف بهوية تونسية، أي عاقل يسمح لحزب أن ينشط في وطن لا بعترف به، حين يعترف حزب التحرير بتونس كوطن يحق له أن يمنح حقا شرعيا في النشاط سياسيا في هذا الوطن. ثم إن حزب التحرير لا يؤمن بقيم الجمهورية، فهو يدعو إلى نظام الخلافة، ولا يؤمن بمواطن ولا مواطنة، وإنما رعية، والكل مدون في دستوره المعلن، فأي خيانة أكبر، التاريخ لا يرحم، التاريخ لا يرحم، التاريخ لا يرحم. إذا أرادت النهضة التدليل على مرجعيتها الدينية الإسلامية فعلا لا قولا عليها إعادة نفس الهيئة العليا للانتخابات التي أقرتها صاحبة أغلبية نسبية وأن تعجل بسن القوانين التي عليها تجري الانتخابات، وأن تتم كتابة الدستور في موعده، وتسلم الأمانة لأهلها وقبلة على جبين كل رجل من رجالها وقبلة من نسائنا على جبين كل امرأة من أنصارها. وإلا فعلا ليس ثمة فرق بين النهضة وبورقيبة حين جعلها مدى الحياة وليس بينها وبين بن علي حين مدد في حكمه من غير وجه دستوري، وكل يبرر بأسلوبه، وكل يمارس نفس السلوك ويصدق قول المرزوقي حينها ونحن نؤيده، إنما نضيف كلمة لا بد منها إنك يا سيدي رئيس الجمهورية لست متفرجا ولا أنت جالس على الربوة، أنت رئيس جمهورية، وأنت تجلس على كرسي قرطاج. التاريخ لن يرحمك إن بقيت متفرجا، وإنك منهم شئت أم أبيت لأنك تحالفت معهم ، والأهم الأهم رئيس للجمهورية. عبد الوهاب الفقيه رمضان تونس