بغداد ـ «القدس العربي»: حثّ رئيس مجلس القضاء الأعلى، في العراق، فائق زيدان، الإثنين، مجلس النواب الجديد على أهمية تعديل الدستور، عازياً السبب في ذلك إلى تجنّب الفراغ الدستوري، وكون التعديل يعدّ ضرورة يفرضها الواقع السياسي في البلاد.
وقال، في بيان له، «يعرف الدستور كونه القانون الأسمى في الدولة والذي يتم من خلاله تحديد شكل الدولة وحكومتها ونظام حكمها وطبيعة السلطات واختصاصاتها والعلاقات فيما بينها وحدودها إلى جانب تحديده لحقوق المواطنين وضمان أداء هذه الحقوق لهم».
وزاد: « دساتير الدول يتم صياغتها بما يتفق مع الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكل دولة. هذه الظروف، تتغير، لذا لا بد من تعديل الدستور بما يتفق مع الظروف المتغيرة، سيما وأن النظام الدستوري لأي دولة من الصعوبة بمكان وصوله إلى درجة الكمال مهما كانت درجة إتقان صياغته».
وأضاف: «في العراق، دستور سنة 2005 تمت صياغته في ظروف تختلف في حينه عن الظروف الحالية ومعظم من اشترك في إخراجه بالشكل النافذ حالياً هم في مقدمة الداعين إلى تعديله الآن لظروف ومستجدات الواقع السياسي الذي وصل إلى مرحلة خرق الدستور في أكثر من مناسبة، بسبب النصوص الدستورية التي لم تعد مناسبة للمرحلة الحالية، ولعل أكثر النصوص الدستورية التي تبرز الحاجة إلى تعديلها هي المواد التي تسببت أحكامها في تعثر تشكيل السلطات ومنها تلك التي تشترط موافقة (أغلبية ثلثي العدد الكلي لأعضاء مجلس النواب) وهذه الأغلبية تفترض حضور ثلثي العدد الكلي لأعضاء مجلس النواب كخطوة أولى باعتبارها النصاب الواجب لافتتاح جلسة مجلس النواب، ثم يصار إلى التصويت للحصول على موافقة نفس هذا العدد من أعضاء مجلس النواب كما هو الحال على سبيل المثال في المادة (52) التي نصت على أن يبت مجلس النواب في صحة عضوية أعضائه بأغلبية ثلثي أعضائه والمادة (65) التي اشترطت سن قانون مجلس الاتحاد بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، كذلك ما نصت عليه المادة (70) بأن ينتخب مجلس النواب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية بأغلبية ثلثي عدد أعضائه، والمادة (92) التي تشترط سن قانون المحكمة الاتحادية العليا بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب».
وأكمل: «ومن هذه النصوص، نلاحظ عملياً كيف أن شرط تحقق نصاب انعقاد المجلس، ومن ثم موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على منصب معين أو تشريع قانون ما يعني دخول البلد في أزمة سياسية ودستورية، بدليل عدم تمكن مجلس النواب من تشريع قانون مجلس الاتحاد وقانون المحكمة الاتحادية العليا منذ نفاذ الدستور سنة 2005 وإلى الآن».
زيدان تابع: «أما شرط انتخاب رئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي العدد الكلي لأعضاء مجلس النواب فقد تسبب في الأزمة السياسية التي يشهدها العراق حالياً، إذ يتعذر على مجلس النواب عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ما لم يتحقق نصاب ثلثي العدد الكلي لعدد أعضاء المجلس ثم الانتقال للتصويت على المرشحين المتنافسين على هذا المنصب كخطوة أولى بوجوب حصول الفائز على أغلبية ثلثي العدد الكلي لأعضاء مجلس النواب، فإذا لم يحصل أي من المرشحين على هذه الأغلبية يتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، وهذه هي الخطوة الثانية على وفق أحكام المادة (70) من الدستور».
قال إن هذه الخطوة تجنب البلاد الفراغ الدستوري
وتابع: «بسبب هذا القيد الذي وضعه المشرع الدستوري انقضت المدة الدستورية البالغة ثلاثين يوماً من تاريخ أول انعقاد لمجلس النواب في (9 /1 /2022) وهي المدة التي حددتها المادة (72/ثانياً/ب) من الدستور لاستمرار رئيس الجمهورية بممارسة مهامه إلى ما بعد انتهاء انتخابات مجلس النواب الجديد، ودخلنا في مرحلة الاجتهاد الدستوري القضائي بخصوص استمرار الرئيس من عدمه بممارسة مهامه لحين انتخاب رئيس جديد، إذ سبق وان اجتهدت المحكمة الاتحادية سنة 2010 بموجب قرارها العدد (51/اتحادية/2010) الصادر بتاريخ 13 /7 /2010 إلى أن مجلس الرئاسة (الذي كان يقوم بمهام رئيس الجمهورية في حينه) يستمر بممارسة مهام رئيس الجمهورية حتى يتم انتخاب رئيس للجمهورية رغم ما حصل من خرق دستوري (على وصف المحكمة في القرار المذكور) لتجاوز المدة المحددة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وهذا الاجتهاد سارت على منواله المحكمة الاتحادية (بتشكيلها الجديد) بموجب قرارها العدد (24/اتحادية/2022) الصادر بتاريخ 13 /2 /2022 حيث أجازت استمرار رئيس الجمهورية في مهامه لحين انتخاب رئيس جديد وفق مقتضيات الضرورة والمصلحة العامة رغم انقضاء المدة الدستورية التي حددتها المادة (72/ثانياً/ب)».
وزاد رئيس مجلس القضاء الاعلى: «أما الإشكالية الدستورية الأهم هي صياغة المادة (76) من الدستور التي نصت على أن يكلف رئيس الجمهورية مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء إذ فسرت المحكمة الاتحادية العليا سنة 2010 بموجب القرار الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 25 /3 /2010 مفهوم الكتلة النيابية الأكثر عدداً أنها (أما الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة، دخلت الانتخابات باسم ورقم معينين وحازت على العدد الأكثر من المقاعد، أو الكتلة التي تجمعت من قائمتين أو أكثر من القوائم الانتخابية التي دخلت الانتخابات بأسماء وأرقام مختلفة ثم تكتلت في كتلة واحدة ذات كيان واحد في مجلس النواب، أيهما أكثر عدداً، فيتولى رئيس الجمهورية تكليف مرشح الكتلة النيابية التي أصبحت مقاعدها النيابية في الجلسة الأولى لمجلس النواب أكثر عدداً من الكتلة أو الكتل الأخرى بتشكيل مجلس الوزراء) في حين ذهبت المحكمة الاتحادية العليا (بتشكيلها الجديد) إلى عدم اشتراط تكوين أو تشكيل الكتلة النيابية الأكثر عدداً في الجلسة الأولى وإنما أجازت ذلك في أية جلسة لمجلس النواب بموجب القرار الصادر بالعدد (7 وموحدتيها 9 و10/اتحادية/2022) بتاريخ 3 /2 /2022».
وحسب زيدان، «يرى قسم من المتخصصين في القانون الدستوري (نتفق معهم في الرأي) أن المقصود بالكتلة النيابية الأكثر عدداً هي (القائمة أو الكتلة الفائزة في الانتخابات) باعتبار أن هذا التفسير هو الأقرب إلى منطق التنافس الانتخابي».
«مسؤولية تاريخية»
واستدرك رئيس مجلس القضاء الأعلى: «مجلس النواب أمام مسؤولية تاريخية وواجب وطني يتمثل بضرورة العمل على تعديل المواد الدستورية المتقدم ذكرها سيما وانها مواد ليست خلافية وإنما قابلة لإعادة الصياغة بشكل يضمن عدم دخول البلد في حالة خرق أو فراغ دستوري مستقبلاً باعتماد المبدأ الوارد في المادة (59) من الدستور أن يتحقق نصاب انعقاد جلسات مجلس النواب بحضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه وتتخذ القرارات بالأغلبية البسيطة بعد تحقق النصاب وسريان هذا المبدأ بشكل عام بدون النص على (أغلبية ثلثي عدد أعضاء المجلس) أينما وردت في الدستور، كذلك ضرورة تعديل المادة (76) والنص على مبدأ واضح غير قابل للاجتهاد بان يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة أو القائمة الفائزة في الانتخابات بتشكيل مجلس الوزراء في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بعد استكمال إجراءات انتخابه دستورياً، وهذا يحسم الجدل المستمر منذ سنة 2010 وإلى الآن فيما لو تمت صياغة النص بشكل دقيق وواضح في الدستور».
«واجب وطني»
في السياق ذاته، قال عضو مجلس النواب، عن ائتلاف «دولة القانون» جواد البولاني، إن لجوء الفرقاء السياسيين إلى المحكمة الاتحادية في هذه الدورة بسبب الدستور ومواده «التي تتحمل أوجهاً عديدة من التفسيرات يفسرها كل شخص حسب ما يخدمه» معتبراً أن تعديل الدستور أصبح «واجباً وطنياً».
وأضاف، للصحيفة الرسمية، أن، «يجب أن تكون هناك مراجعة واسعة وشاملة للدستور العراقي حتى يصَحح المسار، إذ إن هناك مواد كثيرة في الدستور في حاجة إلى تعديل ومراجعة» مبيناً أن «الذي يهم الآن هو أن هناك مساراً سياسياً ديمقراطياً لانتقال السلطة في العراق وهو ما يضمنه الدستور العراقي».
وأكد أن «بات حتمياً على اللجنة البرلمانية (المختصة لإجراء التعديلات الدستورية التي شكلها البرلمان قبل نحو عامين) أن تجتمع لتضع التعديلات على المسار الصحيح» موضحاً أن «البرلمان لديه التزام وطني كبير وهو إعادة مراجعة بنود الدستور وتعديل المواد والفقرات التي تسبب المشكلات السياسية».
وتابع أن «القوى السياسية اليوم مطالبة أن تضع سقفاً زمنياً لتعديل الدستور، وسيكون هناك اهتمام في هذه الدورة بهذا الجانب والضغط باتجاه إجراء التعديلات الدستورية التي تنظم العمل السياسي وتشكل المسار الصحيح لعمل المؤسسات الديمقراطية في الدولة» منوهاً أن «القوى السياسية تلجأ دائماً إلى المحكمة الاتحادية بسبب عدم وجود بديل ومواد دستورية واضحة».