رئيس وزراء مصر نظيف بلا طعم ولا لون ولا رائحة

حجم الخط
0

رئيس وزراء مصر نظيف بلا طعم ولا لون ولا رائحة

د. عزام التميمي رئيس وزراء مصر نظيف بلا طعم ولا لون ولا رائحةفي مقابلته مع البرنامج الإخباري اليومي الأهم في تلفزيون البي بي سي والمعروف باسم نيوزنايت ، أتيحت لرئيس الوزراء المصري في مساء ذلك اليوم الذي جري فيه اغتصاب أريحا في وضح النهار فرصة التعبير نيابة عن الأمة عن مشاعر الألم والسخط والإحباط، ولكنه فاجأ القريب والبعيد علي حد سواء حينما تكلم وكأنه لا ينتمي لا لعالم العروبة ولا لدنيا الإسلام. لقد كان يوم اغتصاب أريحا يوماً مشهوداً تسمرت فيه هامات ملايين العرب والمسلمين وأنصار فلسطين حول العالم أمام شاشات التلفزيون وهم يعتصرون ألماً ويشتعلون غضباً إذ يرون دبابات الصهاينة تقصف وجرافاتهم تدمر مقر المقاطعة في أريحا وتعري عناصر أمن السلطة إلا مما لا يزيد مساحة عن حجم ورقة التوت إمعاناً في إهانتهم وإهانة أمتهم العربية والإسلامية بأسرها من خلفهم. ومع ذلك جلس أحمد نظيف في حالة استرخاء تامة في إحدي غرف معهد شاتام هاوس في لندن ليجيب علي أسئلة جيريمي باكسمان ببرود فاق برود كوفي عنان ، أمين عام الأمم المتحدة التي لا تحل ولا تربط ولا تهش ولا تنش. تحدث رئيس الوزراء المصري بلغة إنكليزية شكسبيرية يغبطه عليها كثير من الناس، فلا مشكلة لديه علي الإطلاق في استخدام اللغة تركيباً ونطقاً للتعبير ببلاغة عما يريد، إلا أن العبارات التي خرجت من فيه كانت بلا معني وغير ذات قيمة. فهو لم ير داع لأن يلوم أحداً بعينه علي شيء مما جري من تدمير المقاطعة واجتياح السجن وامتهان البشر وخطف المناضلين أحمد السعدات ورفاقه الأبطال، فالمسؤولية من وجهة نظره مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف ـ أي أن الغاصب وضحية الاغتصاب في الإثم سواء. لقد تابع الناس منذ الصباح ما جري، من تخلي المراقبين الأمريكيين والبريطانيين عن مواقعهم دون سابق إنذار، والغزو الآني المباشر من قبل قوات الاحتلال الصهيوني للموقع، الأمر الذي يؤكد وجود تنسيق مسبق للإسرائيليين مع الحكومتين الألد عداوة للعرب والمسلمين بعد الكيان الصهيوني في العالم اليوم ـ بريطانيا وأمريكا. ورغم ذلك، لا يملك من شاهد مقابلة نظيف مع باكسمان إلا أن يستنتج بأن نظيف ربما كان في غيبوبة طوال النهار، بل ربما هو في غيبوبة منذ دهر. فتحليله لما جري كان أقرب ما يكون إلي تحليل شخص لا يعرف عما جري شيئاً، بل لا يكاد يلم بحيثيات القضية الفلسطينية إلا ما تبثه الصحافة الغربية من تقارير أو تتناوله من تحليل، إنه تحليل أقل ما يقال فيه بأنه صادر عمن لا دراية له بأصل المشكلة ولا بتفريعاتها. والفاجعة، والطامة الكبري، أنه حينما سئل عما يتوقع أن يفعله الإسرائيليون بمن اختطفوهم من سجن أريحا في قرصنة يندر صدورها إلا عن الكيان الصهيوني، قال بأنه يأمل في أن تكون المعاملة جيدة. وكأن نظيف لا يعلم بما يفعله الصهاينة بمن يعتقلونهم من إخضاعهم لأبشع أنواع التعذيب حتي أن الضحية يتمني معه أن تفيض روحه إلي خالقها من شدة ما يلاقيه. ماذا جري لمصر حتي يكون علي هذه الشاكلة موقف رئيس وزرائها؟ ألم تكن مصر عبر تاريخ أمتنا قلعة شامخة في وجوه الغزاة؟ محزن، ومؤسف، ألا يملك مسؤول كبير في موقع نظيف الاستعداد والشجاعة، أو ربما الرغبة، في أن يندد بالجريمة الصهيونية وأن ينكر علي البريطانيين والأمريكيين تخليهم عن مسؤولياتهم، بل وتواطؤهم المؤكد مع الإسرائيليين. أم أنه الحياد الذي تتطلبه الدبلوماسية المصرية من باب اللياقة والأدب مع المضيفين البريطانيين؟ كم هو البون شاسع إذن بين حياد الرئيس نظيف وحالة الغليان التي تشهدها الساحة الفلسطينية ومن خلفها أوساط المؤيدين للحق الفلسطيني في مصر وعبر العالم، بل وفي لندن بالذات حيث تظاهر في نفس اليوم المئات من البريطانيين أمام مقر رئيس الوزراء طوني بيلر للإعراب عن سخطهم علي الخيانة البريطانية التي مهدت للإسرائيليين اغتصاب أريحا في وضح النهار. ما كان ينبغي أن تكون مصر ولا أحد من ساستها علي الحياد في موضوع فلسطين، فإسرائيل التي زرعت في قلب الأمة العربية وفي مركز العالم الإسلامي إنما أراد ساسة بريطانيا في مطلع القرن الماضي من زرعها في فلسطين شل مصر والحيلولة دون نهضتها. مصر كانت وما تزال هي المستهدفة أولاً وأخيراً من المشروع الصهيوني، ولذلك فإن من غير المقبول عقلاً ولا خلقاً من رئيس وزرائها أو أي من ساستها أن يتظاهر بأن الأمر لا يعنيه إلا بقدر ما يعني رئيس دولة في جزيرة نائية في المحيط الهادي أو في كوكب ناء في ذيل المجموعة الشمسية. لا يجوز بحال أن تكون مصر حيادية في موضوع فلسطين وهي الأهم مركزاً والأكبر حجماً في قلب الأمة العربية، بل ينبغي أن تكون الأعلي شأناً والأشد أنفة وعزة في مقاومة الهجمة الاستعمارية المعاصرة علي الأمة، لا أن يقعد رئيس وزرائها عن الصدع بالحق والدفاع عن المظلومين بينما بلده هو المستهدف بالدرجة الأولي من قبل آلة الاحتلال الصهيوني إفساداً وتخريباً صباح كل يوم وفي وضح نهاره وفي مسائه. لا يمكن لعاقل أن يستسيغ اتخاذ أي مسؤول عربي أو مسلم ـ كبر أم صغر ـ موقفاً محايداً من فلسطين، بينما المشروع الصهيوني في حقيقته ما هو إلا حربة في خاصرة الأمتين العربية والإسلامية، يقصد منه بالدرجة الأولي ألا تقوم للعرب نهضة ولا للمسلمين قائمة. بينما يتجمل المسؤولون السياسيون في العالم العربي والإسلامي بالحياد نري المسؤولين في دول المنظومة الغربية بأسرها لا يترددون في الانحياز تجاه إسرائيل يدعمونها بالكلمة والدولار وكافة أسلحة الدمار الشامل، ويدافعون عنها بكل ما أوتوا من قوة ومن وسائل الكيد والخداع. من أمريكا إلي أستراليا، ومن كندا إلي سنغافورة، كل من ينتمي إلي المنظومة الليبرالية الغربية من سياسيين ـ سواء كان في الغرب أو الشرق ـ نراهم ينحازون انحيازاً تاماً إلي جانب الظلم والعدوان، ولا يرون بأساً فيما ترتكبه عصابة الصهاينة المغتصبة لفلسطين من جرائم. إنهم من هذا الانحياز لا يخجلون، وفي التعبير عنه بكافة الوسائل لا يترددون.يحيرني ما يدور في عقول حكام العرب والمسلمين في مثل هذه الظروف، أفلا يشعرون بما يشعر به عامة البشر من اشمئزاز وغضب حينما يرون ما يرتكبه الصهاينة من جرائم، ألا تستثير فيهم أدني درجات النخوة صيحات المستغيثين وأنات المتألمين، أم أنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون. لقد كان بإمكان رئيس وزراء مصر، التي خرجت منها الجحافل التي صدت الصليبيين والتتار، أن يندد ـ علي أقل تقدير ـ بالجريمة وبمرتكبيها في نشرة أخبار يشاهدها ملايين البريطانيين، بما فيهم صناع الرأي والقرار، ولكن لحاجة في نفسه آثر أن تكون إجاباته بلا طعم ولا لون ولا رائحة. ورد في الحديث الشريف: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية