أقيم يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام «المهرجان الدولي والفرنكفوني للكتاب في بيروت» واستمر لمدة عشرة أيام انتهت في الثلاثين من الشهر، وهو من تنظيم السفارة الفرنسية عبر مركزها الثقافي في بيروت، وامتدت أنشطته إلى مختلف أنحاء لبنان.
كان موعد المهرجان الأخير عام 2018، وألغي في السنة التالية بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة والانتفاضة الشعبية التي جرت في البلاد، وما تلاها من وباء وانهيارات. ولأن الواقع السياسي في لبنان مشابه لوضع العراق كثيرا، ولأني كنت في أيام الانتفاضة الشعبية، التي حدثت عام 2019 زائرا أجُولُ في أنحاء بيروت، أقدم هنا صورة قريبة للأحداث التي شاهدتها. يتعرف القارئ في السطور التالية على كلمة «زعران» وهي مفهومة في لغتنا، وقد وجدتُ تماثلا بين هؤلاء وبين الرجال الذين يُطلق عليهم اسم «الكومبادريتوس» في الأرجنتين، أي على مسافة بعيدة للغاية من هنا، وهؤلاء يشبهون زعران لبنان، وغير لبنان، من البلدان التي تقع على خطوط عرض سياسية متناظرة، إن صح التعبير، وخص بورخيس هؤلاء الرجال بأربع محاضرات أُذيعت في الراديو في ستينيات القرن الماضي، وجُمعت بعد رحيل الشاعر في كتاب عنوانه «التانغو»؛ وهو اسم الرقصة التي يؤديها هؤلاء. يقول الشاعر الأرجنتيني عن الكومبادريتوس إنهم ينحدرون عادة من أصول فقيرة، فهم صعاليك أو يعيشون على حساب النساء، ويقوم البعض منهم بسرقة الدواب، ولا تخلو أيامهم من حوادث تنتهي بالعراك بالسكاكين، وأغنياتهم التي يؤدونها مع رقصة التانغو تزخر بالشتائم والألفاظ السوقية والبذيئة، وبسبب خشونة طباعهم يختارهم السياسيون حراسا لهم، لكن الوظيفة الأخطر هي قيامهم بتخويف المصوتين، عندما تكون هناك انتخابات برلمانية، ثم يلخص بورخيس كل ما قاله بتعبير واحد يعطي الكومبادريتوس، أي زعران الإرجنتين، حقهم في الوجود؛ إنهم «رجال إتلاف» وهذا تعريف بليغ وفيه اشتقاق، والمعنى أنهم أشخاص معطوبون ولا فائدة تُرجى من إصلاحهم.
كان بورخيس معجبا بصلابة هؤلاء القدرية، وينقل عن أحدهم قوله، مبررا عدم مغادرته الحي الذي يسكنه طوال حياته: «هنا لدينا كل ما نحتاجه: المستشفى والسجن والمقبرة» ومعنى هذا الكلام أنه ينتمي إلى رجال أشداء في اقتراف الشر، ويمضون في طريقهم حتى النهاية، ولكي لا أبتعد كثيرا عما أريد قوله، أعود إلى قصة المظاهرات التي جرت في بيروت في ذلك العام، وكنتُ شاهدا على بعض أحداثها.
كانت الأيام تشبه هذه الأيام، خريف وشمس لطيفة وبحر هادئ، وبلغتني أصوات الهتافات وأنا في صالة الفندق، أطالع الصحف، وسبق قلبي خطواتي السريعة إلى حيث الجمهور يصرخ:
«الشعب يريد إسقاط النظام»
ما أشعل شرارة الاحتجاج هو خبر نشرته صحيفة «واشنطن بوست» عن قيام أحد كبار المسؤولين اللبنانيين بإهداء عارضة أزياء مبلغ مليون ونصف مليون دولار، لأنه أعجب برشاقتها. كانت الجماهير غاضبة، وتصرخ من أعماقها، تدعو المسؤولين أن يكفوا عن حالة الفساد المالي والأخلاقي والعقلي، وتريد لهم أن يكونوا مواطنين صالحين لا أكثر. وقفتُ على رصيف شارع الحمرا أمتع ناظري بهؤلاء الناس الجميلين. إنهم جميلون لأنهم يطالبون بحقوقهم، وبأكثر طريقة مسالمة وحيوية، رجال ونساء من مختلف الأعمار يحتجون لأن ظلما أصابهم. كان رجال الشرطة يحملون العصي والأسلحة، ومجهزين بالدروع الخاصة بهم، وعندما رأد الضحى -أي انبسطت شمسه- انتهت المسيرة وعاد كل شيء إلى وضعه السابق. بعد قليل بدأ عدد من راكبي الدراجات البخارية يعبرون الشوارع، يزمرون ويتصايحون، والمحلات أخذت تغلق أبوابها، وعند الظهيرة غدا اللون السائد في الجو رمادياً، بسبب دخان الإطارات المحروقة، وأُلقيت نفايات المطاعم في وسط الشارع وأُشعلت فيها النار من قبل شبان ملثمين أنصاف عراة تملأ الأوشام أكفهم وأذرعهم. هؤلاء هم زعران لبنان، ظهروا كأنما من لا مكان في الشارع والمدينة والبلد. الدخان والروائح الخانقة أحالت شارع الحمرا فجأة، إلى جهة خلفية من زقاق في قرية أفريقية فقيرة. حتى السماء تغيرت ألوانها وابتعدت كثيرا عن الأرض. جاءت في الأثناء سيارة تقودها امرأة طلبت من أحد الزعران أن يسمح لها بالمرور، لكنه صرخ بها أن تعود إلى بيتها لأن الشارع «مْسَكرْ» وكان الشاب يبدو غاضباً ومعزولاً عن الناس في الشارع بسبب غضبه ولثامه ولباسه الغريب.
ولا يوجد ثمة ضوء في نهاية النفق. الأشجار هي الأخرى تشبعت بهذه القتامة وتلونت بالغُبرة الداكنة، وتشبع الجو برائحة النفط. لا أتذكر اسم الكاتب الذي شبه رائحة النفط برائحة اليأس، إذا كان هنالك لليأس رائحة.
تغديت على عجل لأن عمال المطعم كانوا متحفزين لما يجري في المدينة، وأخذوا يتهيؤون للإقفال. العجيب أن أفراد الشرطة الذين كانوا يحمون المتظاهرين اختفوا فجأة، تاركين الحل والربط كله بيد هؤلاء الشبان الملثمين أنصاف العراة. كان الحال مشابها على كورنيش الروشة، فالدروب مغلقة بالإطارات والنفايات التي تنفث الدخان، واختفى بهاء المدينة التي كانت تُدعى قبل ساعة من الآن سويسرا الشرق وجوهرة الشرق. بعد مشي طويل على الشاطئ حصلت على تاكسي، وقال لي السائق إن هؤلاء الشباب لا علاقة لهم بالمتظاهرين، الحكومة هي التي دستهم بيننا لتشويه الصورة. دائما يخالط الانتفاضات التي تقوم بها الشعوب الضعيفة شيء من دخان الشك. هؤلاء الزعران يقومون بدور الكومبادريتوس في الأرجنتين، وهو تخويف الناس بأساليب متوحشة عندما يتطلب الأمر ذلك.
الوقت الآن هو الأصيل، والبحر الذي يباهي اللبنانيون غيرهم بأنه أكثر زرقة عند سواحل بلدهم، تصطبغ أمواجه التائهة بلون أغبر غامق يشبه لون النفط، سببه الكآبة التي لفت أجواء المدينة، حتى السماء الذهبية صارت سوداء، وهي تمتد رحيبة وتلامس البحر عند الأفق. الوجوه كذلك بدت قاتمة بسبب الغش الذي يصاحب الحياة اليومية، ولا يوجد ثمة ضوء في نهاية النفق. الأشجار هي الأخرى تشبعت بهذه القتامة وتلونت بالغُبرة الداكنة، وتشبع الجو برائحة النفط. لا أتذكر اسم الكاتب الذي شبه رائحة النفط برائحة اليأس، إذا كان هنالك لليأس رائحة.
كاتب عراقي