رائد زعيتر.. مواطن أردنيّ، شدّد الإعلام طيلة الأسبوعين الماضيين على أصوله الفلسطينيّة، اغتيل على يدي جندي يحمل مواطنة دولة تربطها مع الأردن معاهدة سلام. مطالب الشعب الأردنيّ ممثّلاً ببعض نوابه والمتظاهرين والصحافة واضحة: طرد السفير الإسرائيلي، سحب الأردنيّ من إسرائيل، إلغاء المعاهدة، وإطلاق الدقامسة؛ الجنديّ الأردنيّ المحكوم بالمؤبد لأنّه قتل مدنيّات إسرائيليات عام 1997. كلمة ‘الكرامة’ تردّدت كثيراً: فالحادثة مسّت ‘كرامة’ الأردنيّين، والمعبر الذي استشهد عنده زعيتر اسمه ‘معبر الكرامة’، أو ‘جسر الملك حسين’، وذكرى معركة الكرامة صادفت البارحة. في الكرامة عام 68، كان في مواجهة الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى الفدائيين، الجيش الأردنيّ، الذي كان أكثر من نصفه مكوّناً من جنود من أصول فلسطينية، كما ذكر مرّة مشهور حديثة الجازي، أحد أكبر رموز معركة الكرامة والوحدة الوطنيّة في الأردن، الذي لم يكن راضياً عن التقسيم الفاجر للهويّة إلى أردني وفلسطيني؛ التقسيم الذي لم يستفد منه أحد منذ السبعين: لا الأردنيّ الأردني، ولا الأردني الفلسطيني، ولا الفلسطيني غير الأردني. الأردني الأردني حظي بمعظم وظائف الدولة براتب لا يكاد يكفيه قوت يومه، وأصبح يفيده منطق القبيلة كلّما انفرط منطق الدولة وكلّما عمّ الفساد المؤسسات؛ والأردني الفلسطيني موزّع، حسب مزاج السلطة، بين استحقاقات المواطنة واستحقاقات اللجوء والنزوح، مهدَّد أحياناً بانتزاع حق البقاء في الأردن باسم حق العودة إلى فلسطين؛ والفلسطينيّ غير الأردني في الضفّة الغربية مُنِّي، بعد فكّ الارتباط، بوثائق دولة غير موجودة، ومطلوب منه أن يواجه الاحتلال وحده، بلا أيّ تدخّل أردنيّ أو عربيّ على الإطلاق. المستفيد الوحيد هو السلطة ومن حولها، التي خلقت هوية ‘شرق أردنية’ عمرها بضعة عقود، أصبحت في معظمها تعرّف نفسها بمدى الولاء للنظام. فبينما يعبر الفلسطيني الأردني في عمّان عن هويّته بملصق لحنظلة ناجي العلي على سيارته، يعبر الأردني غير الفلسطينيّ بصورة للملك وهو يمسك كلاشينكوفا مصوّباً إلى وجهة ما. البعض تساءل عن العدوّ الذي يوجَّه له السلاح، وإذا كان إسرائيل، فكيف وبأيّ منطق ستتضادّ صورة السلاح مع رمز للمقاومة كبير كحنظلة؟ لا أعتقد أن غضب الشعب الأردني، بكل أصوله، مرتبط بفعل القتل وحده. فالقتل على أيدي المحتل أو المستبد أو الأصوليّ المتشدّد في فلسطين وسوريا والعراق قائم كلّ يوم. الفرق أن من قُتل هذه المرّة هو مواطن أردني يعمل في القضاء الأردني، في دولة حاربت يوماً العمل الفدائي لتحتفط بمسمّى ‘الدولة’ وبفكرة ‘السيادة’ فإذن يفترض بها، كباقي الدول القطرية، أن تتصرف تجاه مواطنيها على أنّها كذلك. ويكفي لفهم واجب الدولة تخيّلُ ما كانت لتفعله أي ‘دولة’ حقيقية ذات سيادة لو أنّ القتيل الشهيد كان من مواطنيها، تماما كما فعلت إسرائيل حين قتل الدقامسة مواطناتها، ولم يهدأ بالها إلاّ حين صرّحت الدولة الأردنيّة سريعاً باسمه وحاكمته بالسجن المؤبد، وبعد أن زار الملك حسين عائلات الضحايا معزّيا وبعد أن قدّم الأردن تعويضات مادية تليق بما رأته إسرائيل ثمناً مناسباً لدماء مواطناتها. إنّ مفهوم ‘الكرامة’ مرتبط أبداً بمسألة الـ’قيمة’، وليس هذا مجال الدخول في جدل فكري حول مسائل مفاهيمية. السؤال الذي يشغل الأردنيين هو حول ‘قيمتهم’ عند النظام، وهم الذين رُدّدت عليهم عبارته القديمة الجديدة: ‘الإنسان أغلى ما نملك’. هذا التساؤل ورد على لسان نائب أردنيّ سابق ونقلته هذه الصحيفة نقلاً كانت له نتائجه: خبر ورد سريعاً في الصحف الأردنية عن نية محامين أردنيين مقاضاة ‘القدس العربي’ بسبب إثارتها للفتن. جاء ذلك بعد أن اعترض رئيس سابق للديوان الملكي على ‘رأي القدس’ في 11 مارس/آذار المعنوَن بـ’هل يفعلها الملك’، معتبراً أنها تدس سمّاً لزرع الفتنة والتفرقة بتركيزها على قضية الحقوق المنقوصة للأردنيين من أصل فلسطيني، بهدف ‘الإساءة للنظام الأردنيّ’. الأمر لا يحتاج عبقرياً ليدرك أنّ ما ورد في ‘رأي القدس’ هذه المرّة وأزعج البعض لم يكن مسألة الحقوق المنقوصة، بل اقتباس الصحيفة لكلام ورد على صفحة الفيسبوك لنائب سابق أردني، بل شرق أردني تحديداً، مخاطباً الملك: ‘لمرة واحدة افعلها. أشعرنا بأنّنا شعبك وبأن لنا كرامة. اليوم قتل بدم بارد مواطن، قاض، أب لأطفال، وحيد لوالديه، إنه الشهيد رائد زعيتر رحمه الله، أشعرناô ولو مرة واحدة أن كرامتنا تهمّك ودمنا يهمّك. افعل شيئاً نحسبه لكô شيئاً واحداًô نترك لك الخيار’. الأردنيّون لا ينقصهم الذكاء كي تفوتهم المقارنة الواضحة ومن هنا، حسب رأيي، دواعي غضبهم المشابه لدواعي النائب السابق وصفي الرواشدة. لقد استدعت الحادثة مقارنة موقف النظام في قضيّة زعيتر بموقفه وقت قتل الإسرائيليات في 1997. وقتها لم يكن هناك إعلام إلكتروني ومواقع تواصل وفضائيات لا تنتهي تترك للسان حال كثيرين أن يتحرّك فيُسمَع ما يقول وما يريد. الوضع اختلف الآن، وكلّ صورة أو حركة سياسيّة متاحة للتداول والتحليل ولا يمكن لدلالاتها أو غياب الدلالات المطلوبة شعبيّاً – أن تمرّ عرضاً. عندما قتل الدقامسة الإسرائيليات قام الملك حسين، في مارس أيضاً من تلك السنة، بمبادرة وصفتها CNN وقتها بالـ’شجاعة’، إذ قطع زيارة لأوروبا وزار مع نتنياهو عائلات الضحايا، وقالت إنّها مع ذلك لم تكن كافية للفوز بتنازلات إسرائيلية في ما يخص المستوطنات في القدس الشرقية. صحيفة ‘الواشنطن بوست’ عنوَنت الخبر وقتها هكذا: ‘حسين، على ركبتيه، يتوسل المغفرة بعد المجزرة’، مقتبسة مما قالت إنّه قال: إنّنا ‘أفراد من عائلة واحدة’، و’أشعر كما لو أنّي فقدت طفلاً لي’، كما قالت إحدى الأمّهات الإسرائيليات على ذمّة الصحيفة: ‘لقد نظرت في عينيه ورأيت أنّه كان يشعر بالعار، وكانت هناك دموع في عينيه، وكان صادقاً’. ليس التعاطف ربّما أمراً سيئاً في حدّ ذاته، إذ حتّى صلاح الدين الأيّوبي، رغم ابتعاد السياق، لم يكن يتحرك بمنطق داعش والقاعدة. على أنّ ما يغضب الأردنيين هو التالي: معرفتهم بأنّ مطالبهم لن تتحقق ولن تتجاوز مناكفات بين النواب والحكومة ربما تفضي في حدّها الأقصى إلى إطلاق الدقامسة كنوع من التنفيس، بالإضافة إلى غياب موقف للنظام لغويّ أو فعليّ يعيد لهم شيئاً من ‘الكرامة’، وذلك لن يتحقق بمحض اعتذار من إسرائيل أو زيارة مسؤولين لبيت العزاء في عمّان، زيارة تتجاهل البعد السياسيّ تماماً، كما لو أنّ الشهيد قتل في حادث سيّارة أو جلطة أو سرطان. لم تكن أشهر قد مضت في 1997 بعد قضيّة الدقامسة قبل أن اتّخذ الملك حسين موقفا حازماً (مشابها لما هو مطلوب الآن) عند محاولة الموساد اغتيال خالد مشعل، الفلسطيني والمواطن الأردنيّ آنذاك في عمّان، موقفاً حفظ للأردنيين بعض ماء الوجه، إذ تمسّك بمنطق ‘السيادة’ و’الكرامة’ وأرغم إسرائيل على إحضار الترياق المضاد للسمّ، مهدّداً إيّاها بإلغاء المعاهدة. ألقي القبض على العملاء، ولاحقاً أُطلقوا وأطلقت إسرائيل سراح أحمد ياسين، المحكوم بالمؤبّد، وكانت تلك برمّتها حركة سياسية ذكيّة بامتياز، احتاجها الأردنيّون والفلسطينيون سواء كانوا كذلك بمنطق المواطنة أو الأصل أو حتّى الهوى. لقد انتهكت إسرائيل وقت مشعل سيادة الأردن على أرضه، والآن انتهكت بكلّ برود دم مواطنا أردنيّا يعمل في سلك القضاء ولا علاقة له بالسياسة. مع ذلك، لم يكلّف مسؤول أردنيّ واحد نفسه بقطع المعبر لحضور الجنازة في نابلس، باستثناء رئيس البعثة الأردنيّة في رام الله، كما لو أنّ الشهيد مواطن في إحدى دول العالم البعيدة التي تربطها بالأردن محض علاقات دبلوماسيّة باردة متمثلة بالسفارات، رغم أن الحقيقة خلاف ذلك. لقد لُفّ جثمان رائد زعيتر بالعلمين الأردني والفلسطيني وحرّك ما حرّكه من مشاعر على المستوى الشعبيّ، ومع ذاك بقي التقصير قائماً، على المستوى الرسمي، في اتخاذ أيّ خطوة تُظهر قيمة المواطن الأردني المزعومة عند دولته. هنالك، بلا شكّ، خلل كبير في بنية الدولة من حيث هي دولة. فبينما تكفي في الجامعات كلمة واحدة من طالب لآخر كي تهب عشيرته بأكملها للدفاع عنه بالضرب والقتل، في حوادث تكشف عن التشوّه البالغ في مفهوم الهويّة عند الأردنيّ، لا تستطيع الدولة أن تهبّ من أجل مواطن قُتل فعلاً من قبل جنود الاحتلال. ولأنّ الأردنيين يفهمون الفرق بين منطق الدولة ومنطق العشيرة (وإن ألجأهم ضعف الأولى إلى الثانية)، لم يطالبوا الدولة في قضية زعيتر بدم أحد وبأكثر مما هو ممكن سياسيّا. لكن لماذا نكذب على أنفسنا، فالعشيرة غدت أقوى من الدولة، ولو أنّ الشهيد كان ابن عشيرة أردنيّة، لفزعت له إذا ما خانته الدولة، ولخافت الدولة من غضب العشيرة، ولاختلف الأمر كثيراً. إنّ جملة الكوارث هذه لن تُحَلّ سريعاً، ولن تعالجَ (إلاّ بمنطق التخدير) بإطلاق الدقامسة ولا بطرح الثقة في الحكومة، ولا ينبغي أن يترك القرار فيها لحسابات جون كيري، ولمن يروق لهم استغباء شعب بأكمله بإرعابهم من خطط الوطن البديل، ولا بتشكيل حكومات وتوزيع المناصب الكبرى في الدولة والحصص البرلمانيّة بمنطق استرضاء المحافظات والقبائل. الدولة إذن لا تزال تتجاهل منطق المواطنة، فإذن تتجاهل معنى اسمها كدولة. والد رائد زعيتر تمسّك بهذا التصوّر بعد اعتذار إسرائيل وحتّى بعد تقديم السلطة لواجب العزاء، إذ طالب ‘الدولة’ ‘بصون حقوق مواطنيها’. تشبيه لا بدّ منه: كان حائط برلين يفصل ألمانيا الشرقية عن الغربية رغم ما بين الشعبين من تجانس، تتصارع على أرضهما قوى عظمى بين الاتحاد السوفييتي وقوى التحالف في الحرب الباردة. كان بين جهتي الجدار فاصل يسمّى ‘ممرّ الموت’، يقتل فيه من يحاول العبور. حادثة زعيتر تستدعي فكرة عن كون معبر الكرامة ممراً جديداً للموت، ولا بدّ أن تستدعي عند الجميع، سلطة وشعباً، ما يجرّه التشبيه. لقد سقط حائط برلين بعد جملة تغييرات سياسية راديكالية أدّت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي وتقسيم العالم من جديد. قد يعاد تقسيم العالم الآن ومن هنا كثر الحديث في الأردن وفلسطين منذ أشهر عن خطط أمريكية جديدة. يبقى السؤال عمّا إذا ما يزال بإمكان الدولة الأردنية، كواحدة من الكيانات (ومنها إسرائيل) التي ولدت وجوداً وحدوداً بما يناسب مزاج المنتصرين في الحربين العالميتَين، أن تحفط لنفسها حقّ تقرير مصيرها ومصير مواطنيها بالنظر إلى ما آلت إليه الحال في سوريا والعراق. لكنّها إذا كانت عاجزة عن اتّخاذ موقف سياسيّ حازم تجّاه حادثة كاستشهاد الزعيتر، واكتفت باستنكار أو اعتذارٍ ما وفتح تحقيق، فإنّ غضب الأردنيين وإحساسهم بالـ’مهانة’ (وهو الاسم المستحدث لمعبر ‘الكرامة’) هو إحساس مبرّر وموجّه نحو السلطة السياسية بكلّ رموزها لعجزها، وسأعود إلى كلام والد الشهيد، عن ‘صون حقوق مواطنيها’. ملاحظة أخيرة: لقد تجنّبت الكتابة بنَفَس عاطفي هنا لاقتناعي بأولويّة الفكرة. على أنّ فكرة ‘العجز’، تدفعني إلى التساؤل عمّا إذا كانت السلطة عاجزة، عاطفيا، عن الإحساس بمواطنيها بسبب اختلاف ما سيكولوجي وربما ثقافي. هل دندنت السلطة يوماً بأغنية ‘سبّلْ عيونه’ وتعرف أنّها تُغنّى في الأعراس شرق النهر وغربه، كما للشهداء: ‘سبّل عُيونُهْ ومدّ ايدُه يحنّولُهْ/غزال صْغيَّر وكيف اهلُهْ سَمَحولُه’، وأحياناً بتحوير بسيط: ‘هذا الشهيد ودمّاتُه ما… يضِيعونه’؟ قد لا تكون العواطف أمراً إراديّاً تماماً، وقد لا يمكن فصل الكرامة كمفهوم عن الإحساس. لذا لا بدّ لا بدّ للشعب أن يصرّ في حواره مع السلطة على مفاهيم سياسية كالدولة والسيادة والمواطنة والمدنية والعدالة، إذا ما بقيت ألفاظ الكرامة والشهادة وحتّى الوطن أعجميّة في القاموس العاطفي للسلطة، حيث اللغة لغة مصالح وحسب.