وقفت المحامية ندى عبد الساتر، وهي إحدى المحامين الوكلاء عن المتضررين في جلسة محكمة العدل الــــدولية في لاهاي، لتتكلم كمحامية وكلبنانية بإسم الضحايا والمظلومين، وبإسم صوت الأحياء وضمير الأموات، وبالأمل والإيــــمان بالعدالة على حد وصفها، لتحكي قصتها القصيرة والحزينة، عن لبنان الذي عانى لعقــــود مريرة من واقع الاغتيالات السياسية وحالة الرعب، وكيـــف أن إفلات المجرمين بحق النخب والمفكرين والأحرار، قد أدى إلى الإمعان في واقع الظلم والاضطهاد والأسى، وإستذكرت المحامية مقولة العالم أرخـــميدس بأن ‘أعطني رافعة ومكاناً أقف فيه وعندها سأحرك الأرض’، وكأن العدالة في لبنان بحاجة إلى رافعة طويلة بطول المسافة من بيروت إلى لاهاي، ترتكز على نقطة الحق والقيم والفضيلة، وتدفعها قوة العدالة الدولية والإنسانية، لتجعل المجرمين ومن وراءهم ينالون عقابهم الرادع والموجع.
قد يرى البعض أن انعقاد محاكمة المتهمين بقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري دون حضور المتهمين سيضعف المحكمة، وأن المتهمين لن يتلقوا عقابهم الموعود والمنشود، وقد يستنتج البعض من تاريخ الدولة اللبنانية الحافل بصفحات حمراء وسوداء من الاغتيالات والتفجيرات، دون أن يدفع الجناة ثمن جرائمهم، سيجعل مستقبل العدالة في لبنان لا يحمل شيئاً جديدا، وقد يشكك البعض الآخر في مهنية واستقلال القضاء الدولي، كون التسييس وقوى الشد والجذب لم ولن تفارق الواقع والمصير اللبناني، لكنهم جميعاً ينسون أوغالباً ما يتناسون، أن المحكمة المنعقدة تتألف من قضاة حياديين ومستقلين، يُنتخبون من ذوي الصفات المهنية والخُلقية الرفيعة، من الحاصلين في بلادهم على المؤهلات والمواصفات المطلوبة للتعيين في أعلى المناصب القضائية، بغض النظر عن أصولهم وجنسياتهم، وأن الإصرار على الحقيقة وإحقاق العدالة في لبنان، بالإضافة لظروف واستحقاقات لبنانية داخلية وخارجية، وتسلح المحكمة بجملة عريضة من الدقة والكفاءة والحرفية، اعتماداً على الأساليب والأدلة التقنية والحديثة، سيفرض نتائج لا يحجبها التأويل والتضليل. أما غياب الجناة اوتغييبهم من قبل حزب الله، فيزيد المحكمة الدولية مصداقية وجدية، لأنهم خائفون وعاجزون على مواجهة ومقارعة قضاء دولي صلب، قضاء قد جلب لهم أرقى وأبرع المحامين للدفاع المهني عنهم، رغم عجزه حتى اللحظة عن جلبهم هم أنفسهم.
لم تكن جريمة اغتيال رفيق الحريري ومن قُتل بعده جريمة عادية، أو إرباكاً مألوفاً للحياة الوطنية في لبنان، فالرجل كان بحياته رمزاً لاستقرار وانتعاش لبنان، وشراعاً يُبحر بسفينة التوافق والعيش المشترك في بلد يطفو على بحر الطائفية والصراعات الداخلية والإقليمية، والرجل بعد اغتياله قد أصبح ثورة عنوانها الأرز، لإزاحة الوصاية والسيطرة السورية على لبنان، لكن الثورة لم تكتمل إلا بثورة العدالة والحقيقة، لكشف وعقاب القتلة والمأجورين، ثم بعدئذ ليتعافى الوجدان اللبناني، ويرتقي ويسمو نحو المستقبل.
م. زيد عيسى العتوم