رامبو أطلق عليه صديقه فيرلين النار ليلتهب فصل في الجحيم
فيليب سوليررامبو أطلق عليه صديقه فيرلين النار ليلتهب فصل في الجحيم قديماً كانت حياتي إذا ما تذكرت، وليمة تنفتح فيها جميع القلوب، وتسيل فيها جميع الأنبذة. أجلست الجمال فوق ركبتي ذات مساء ـ وجدته مراً ـ فشتمته. تسلحت ضد العدالة. لُذت بالفرار. أيتها النساء البشعات، أيها البؤس، كان بؤسي قد عُهد به إليكن! لقد تمكنتُ من جعل كل رجاء إنساني يتبدد في نفسي. انقضضت انقضاض الحيوان الضاري علي كل فرح بغية خنقه. ناديت علي الجلاّدين مستعجلاً لكي يستعملوا بنادقهم. ناديت علي الويلات لتخنقتي بالرمل، وبالدم. لقد كان الشقاء إلهي. استلقيت علي الوحل جُففْتُ بهواء الجريمة. ولعبت دوراً متقنناً بالجنون. وحمل اليّ الربيع ضَِحكة الأبله البشعة .انفجر ذلك الكتاب الصغير الوحيد الذي نشره المؤلف في حياته علي المدي الطويل بدون أي نتيجة ـ إذ لزم الأمر اربعين سنة لاكتشافه ـ فهو يمتلك الصيت المرموق ذاته الذي تمتلكه خواطر باسكال وأشعار لتريمون، فلا يقرأه المرء حقاً، بل يختبره، ويعاني منه ويحفظه عن ظهر قلب ليس السأم معشوقي. فالاهتياجات والفسوق، والجنون التي ألمّ بها. وجميع الاندفاعات والفواجع ـ لقد وضعت كل عبئي. فلنقدر امتداد براءتي بلا تضليل .الميتافيزيقيا السامية والحقيقية، والتعويذة الذاتية لعدمية شاملة بعد اليوم؛ فهل فصل في الجحيم كتاب ديني؟ ـ أكيد. بل أبعد كثيراً مما نفهمه من هذا المصطلح، فهو حكاية ليست وعظية، بل حكاية تغيير، وحكاية تحويل. خيمياء الكلمة: تجربة فريدة، عرضة للخطر، في غمرة ضياع الذات، والانفصال، والهذيان.لم يتراجع مبدئياًعن تلك المغامرة المحرقة التي لم يتردد في تسميتها بـ عذاب جهنم ، ولم يزر هذا المسافر جهنم كما فعل دانتي: لقد عايشها من الداخل، وغاص فيها، فخرج منها. وسيكتب أيضاً إشراقاته غير العادية ـ ما زالت هناك تعاليق علي جميع الجوانب منذ قرون ـ ثم صمت، وغاب في أسطورته ـ زيادة علي ذلك، هناك كثير من الثرثرات. الشعراء غيورون ومهتاجون: لقد سلب منهم الرهان غير مبال، مع عدم تكرار قول أكبر في الوقاحات. المتدينون متحجرون: إنه صلب جداً بالنسبة إليهم ـ بالرغم من كلوديل ـ . السورياليون مولعون به، ولكنهم لا يحبون عدم التزامه الراديكالي. ويري البورجوازيون الذين قرأوا أن المؤلف جف في الهواء من جريمته ، أن هذا الطفل الموهوب، إرهابي في عمقه، أو بهلواني غير قابل للمعاشرة. ويجده الشاذون جنسياً قابلاً للتزوج به نوعاً ما. ويثور عبدة الشيطان بجانبه بشكل يرثي له. وأخيراً، لا يبالي جميع الناس بما يكتبه. وتبقي الكليشيهات التذكارية الفاقدة للذاكرة، رامبو هنا، رامبو هناك، عبارة يرددها الناس حتي المتحف.وسيكون رامبو عام 1873 قد بلغ 19 سنة. وسيوضح تاريخَ تحرير قصائده المبكرة بنفسه كتابياً: في نيسان (أبريل) إلي آب (أغسطس)، كتب قصائد عجيبة جعل منها أنطولوجيا صغيرة في فصل في الجحيم. وعاش جميع أنواع الهلوسات الممكنة.ويعود من بروكسيل، من حيث أطلق عليه ـ صديقه ـ فيرلين الضال الرصاص. فهل كان فيرلين يستهدف في الواقع، شاباً وسيماً جداً يدعي رامبو؟ ببداهة صارخة: كلاّ، بل أشعل النار في فصل في الجحيم طورَ كتابته.لم يستطع شعراء عصره، ولم يشاؤوا ان يقرأوا نثر رامبو،. فلا فيرلين ولا مالارميه، كانا بقادرين علي ذلك. أما كلوديل الذي اعترف أنه قد تلقي منه تأثيراً بذرياً؛ فلم يقتضه الأمر، علي الأ قل، سوي اهتداء ما، لينسحب من القضية ـ مع أي حال مثل فيرلين ـ . فلو لم يصبح رامبو كاثوليكياً خالصا ًـ علي رواية أخته إزابيل ـ ، فقولوا لنا علي الأ قل، إنه كان ثائراً متحمساً. بل لو لم يطمح في هراري، سوي أن يصبح بورجوازياً عادياً، لكدس المال لتلك الغاية بشقاء.فضيحة دينية، وفضيحة اجتماعية: فلا هو تقيّ ولا تقدمي. لكن ما عساه يكون إذن؟ العذراء المجنونة ـ فيرلين،إذا شئنا.ـ تشتكي كذلك من زوجها الجهنمي في فصل في الجحيم . تعلمون، إنه شيطان وليس إنساناً. فلنستمع إليها بإمعان: كنت أجيب: ما زلت أجيب دون مخافة عليه ـ انه يمكن أن يكون خطيراً بجدّ في المجتمع ـ ربما ليمتلك أسراراً لتغيير الحياة. كلاّ، فإنه لم يقم إلا بالبحث عنها . ونري آندريه بروتون؛ وهو يردد أن رامبو كان قد امتلك كلمة المرور لتغيير الحياة ـ تغيير يعادل في عينيه التحويل في عالم ماركس. ويتحدث في الواقع مثلا لعذراء مجنونة. ولا يملك ما يوصي به، سوي الحرية الحرة . أريد الحرية في الخلاص وهو عكس الركوع كالشعار السياسي. شابّ فرنسي شاهد بعد قليل، ببساطة، أنه يعيش وسط شعب ألهمته الحمي والسرطان حول قرية يجول فيها الجنون ، فمتابعة الأحداث التاريخية التي تهبه الخطأ، غير مؤكدة. يقززني المجرمون تقزّزَ المخصيين: أنا طاهر الذيل، فسواء لديّ ذلك .من أين يأتي التخريب، والتخريب الذاتي، والجنون؟ من مقت الجمال.إن الجمال يجلب الشر، والرغبة فيه وفي التشويه، والتلويث. فهل يمكن للمرء أن يهرب من هذه الرتيبة الإنسانية جداً؟ بدون شك، وينبغي مبد ئياً أن تبدع خيمياءُ الكلمة ـ لون الحروف الصائتة وشكل الحروف الصامتة ـ كلمة شعرية قابلة أن تلج في جميع الأنحاء، يوماً ما. قال رامبو ذلك في فصل جحيمه: أصبحت أوبرا عجيبة ، فأنقذ الجوهري من اكتشافاته العديمة النظر. لقد وجدته! ماذا ؟ إنه الخلود. واصفاً التجربة التي أرهفت بها التجربة صحته تماماً لا شيء من صوفيات الجنون ـ الجنون الذي يضمره المرء ـ كان منسياً عندي: قد يمكنني ان أقول ذلك كله، وأحتفظ بالمجموعة. وهو يعرف أنه اكتشف سبباً آخر، كالسبب السابق، سبباً موسيقياً، وشكلاً جديداً من الحب.يَستخلص من هذه النتيجة القاسية: لقد حدث ذلك. أعرف اليوم أن أحييَ الجمال. وستكون تلك الساعة الجديدة للعقل قاسية جداً ، وسترفض المتسولين، وقطاع الطرق، وأصحاب الموت، والمتخلفين من جميع الأصناف. وتتطلب المعركة الروحية القاسية ـ قساوة معركة البشر أيضاً ـ أن يكون المرء حديثاً بشكل مطلق . ولا يتعلق الأمر بالأدب أو بالشعر، وإنما يتعلق بالعمل المباشر ـ ضحكة عشيقات عجائز خادعات، أخجلن أولئك الأزواج الكذابين ـ رأيت الجحيم ـ النسوة هناك. فلأي هدف فريد؟ سيكون لي أن أمتلك الحقيقة في نفس ما، وجسم ما . وكفي.ما زال رامبو مولعاً مثل كل إنسان وكل إنسانة. لم يعد، هو. إنه هو بالذات، قبل أن يسجل تاريخ حكايته الذي يشير إلي الجملة الأخيرة. ترجمة: محمد الإحسايني(غاليمار فوليو كلاسيك ص 348)عن جريدة لوموند دي ليفر ص 7 بتاريخ 16/ 7/ 2004نشر تحت عنوان الخلاص الرامبوي ـ فصل في الجحيم لآرثر رامبو0