‘رام الله الشقراء’ الوجه الآخر للمدينة

حجم الخط
0

محمد عبد اللهما بين محمود درويش وجوليانو خميس، ومؤسسات NGOs والسلطة الفلسطينية، مروراً بالعلاقة بين الرفاق وأموال المانحين، ومطاعم رام الله وفنادقها، والاحتلال الأجنبي والغزو الناعم للمدينة، وغيرها من تفاصيل عديدة ثقافية كانت أو مجتمعية، يتنقل الكاتب الشاب عباد يحيى في روايته ‘رام الله الشقراء’. العمل الذي صدر حديثاً عن مؤسسة دار الفيل في القدس يضع أمام قرائه أيضاً حقائق سياسية واقتصادية، يعتقدون للوهلة الأولى أنها تفاصيل يومية لمدينة متخمة بالانفتاح والرخاء الاقتصادي والاجتماعي، لكن عندما يدور الحديث عن مدينة لم يتجاوز عمرها الاقتصادي العشرين عاماً، ولم تشتم رائحة الاستقرار ‘الوهمي’ سوى بضع سنوات، فهذا يعني أن هنالك ارتباكا اجتماعيا وثقافيا يستبد بها.ويتضح في تفاصيل الرواية سبب تسميتها المثير للفضول، الذي يشير إلى المرأة الأجنبية البعيدة عن الجمال العربي المتسم بالبشرة الحنطية، في إشارة الى أن تفاصيل حياة المدينة أصبحت لا تمت بصلة لواقع شرقي يعاني احتلالاً موجعاً، ما جعل الفلسطيني في رام الله يعيش حياة مفروضة عليه.وأثارت الرواية التي لم يتجاوز عمرها الأسبوعين انتقادات للكاتب، الذي بالغ حسب وجهة نظرهم في وصف حياة رام الله من جهة، وللحالة الاجتماعية والثقافية الدونية التي وصلت إليها المدينة من جهة أخرى.يقول الناقد والروائي الفلسطيني محمد الأسعد الذي يعيش حالياً في المنفى ان البنية العفوية التي يقدمها عباد يحيى هي شكل من أشكال الرواية، ولها مدرسة عالمية مشهورة.يضيف الأسعد في تقديمه للرواية أن هذا العمل ‘من النوع الذي يحتفي بشعرية الأشياء لا بالغنائيات الذاهلة، وإن كانت خلفية الكاتب كباحث في علم الاجتماع أساسية هنا، إلا أن السر يكمن في فن العفوية كما يصفه المعلم الصيني لاوتسو’.’أحببت هذه الرواية وألمها المبطن، وأحببت أكثر واقعيتها الخيالية، حيث تستبطن الوقائع ما هو أعمق من سطحها الظاهر، ربما يكون هذا النوع من الشعرية خاصاً بتجربة الإنسان الفلسطيني، وعلامة على عودته إلى الحياة، بعد أن ألقته السنوات الماضية في جب من رغوة الكلام وحجبته عن نفسه وعن العالم من حوله.الكاتب والإعلامي عارف حجاوي وجد أن العمل الأدبي الذي خرج به عباد أقرب للمفكرة منها للرواية، ‘وهذا ليس انتقاصاً، لأن المفكرة نوع من أنواع الأدب الذي يمكن أن يكون مستقلاً، فهي مفكرة مضمخة بالأدب واللغة المشحونة.’ويجد حجاوي أن العمل يحتوي في كل سطر لمعاناً وبريقاً نابعا من حرارة النص واللغة ، والذي شبهه بالمقطوعة الموسيقية ثلاثية الأبعاد.ويبدو أن الكاتب أراد بعمله توثيق مرحلة سيئة من الواقع الفلسطيني، لأن التفاصيل الدقيقة التي عرضها والمعاني المبطنة بين سطور النص توحي بعدم رضى المواطن العادي عن الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجارية.وتتعرض الرواية إلى قضية الغزو الأجنبي المكثف للمدينة، مستغربة عدم دراية الجهات الرسمية الفلسطينية حول الغرض من وجودهم وإقامتهم فيها، منتقدة التمييز الذي يمارسه أصحاب القرار لصالح البيض ضد ابن البلد، يقول أحد شخوص الرواية في أحد مقاطعها ‘ما بجي شيء من الغرب بسر القلب.’يقول حجاوي ان رام الله تشكل جواً فاقداً للسيادة، لكنه ليس فاقدا للإحساس الوطني، ‘ومن هنا، فإن هذا الفقدان يجعل دخول الأجنبي سهلاً، والذي قد يكون حميداً، ومنهم من وجد من رام الله مقراً لاتخاذ قراراته.’وتتناول الرواية لجوء مطاعم رام الله إلى الأدب لجلب زبائنها ‘المثقفين’، واستخدامها المفرط لأشعار محمود درويش لاستغلال حب الناس لأعماله، حتى المؤسسة الرسمية الفلسطينية التي جعلت حسب وصف الكاتب من عبارة (على هذه الأرض ما يستحق الحياة) شعاراً لكافة مناسباتها وعنواناً لنشاطاتها وفعالياتها، منتقدة ما أسمته ‘ادعاء الثقافة’ أو أشباه المثقفين.ويصف استاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت علاء العزة الرواية ‘كقنبلة الإنارة، التي تضيء المكان لترى تفاصيله، لكن بعد خفوت الضوء فأنك لن تنظر إليه ‘المكان’ كما كنت تشاهده في السابق، في إشارة لنظرة القارىء للمدينة قبل وبعد قراءتها.’الوقائع والأحداث التي تناولتها الرواية تحمل مبالغة في سردها حسب حجاوي مثلها مثل أي عمل أدبي، ‘فهي تشكل تكثيفاً لواقع لمدينة إشكالية في تفاصيلها، وبرأيي أن القالب الأدبي الذي اختاره الكاتب يصور الواقع أكثر من أي نص مكتوب آخر.’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية