«راوية الأفلام»… نحن مصنوعون من مادة الأحلام

ربما تكتفي رواية التشيلي إيرنان ريبيرا لتيلير مواليد 1950 بمتن مكثف، غير أنها تفيض بكتل دلالية عميقة، حيث تأسرنا حبكة الرواية، بدءاً من عنوانها الذي نحتاج لتأمله كي ندرك ما نقرأ، فالرواية التي تحمل عنوان «راوية الأفلام» – ترجمة صالح علماني من منشورات دار بلومزبري – مؤسسة قطر 2009 – تحتفي بعوالم الإنسان على تخوم جغرافيات منسية، أو مهملة، تغذيها أحلام لم تكتمل، في بعد سردي مدهش ومتقشف، أو قليل التكلفة على مستوى المتن. فالروائي يعتمد ضمير المتكلم، فنواجه خطاباً مباشراً للقارئ لتمكين السرد الذي يأتي من لدن فتاة صغيرة، تنتمي إلى عائلة تعيش في معسكر منطقة المناجم المعدمة، ولكنها تبقى مرتهنة لعوالم الخلاص عبر المتخيل، والفن، وهي القيمة التي تحتملها الفنون، لتعبر في الإنسان من قلق اللايقين والألم، من أجل تحقيق التوازن.
هكذا نفتتح الرواية حيث تخاطب الفتاة القارئ ضمن تقنية الإشراك، لننتقل معها إلى محاولة اكتشاف ما يعدّ إغواء لذيذاً للتخلي عما يحاذي الواقع، وتحفيز المخيلة للتورط في نموذج سردي مدهش، لا يبتعد كثيراً عن سمات الرواية اللاتينية، أو تلك التي تنتمي إلى أمريكا الجنوبية بكل خفتها ودهشتها.

العتبة: التوظيف الدلالي

في عتبة أولية تنذر بتوقعات المتلقي لمآلات الحدث، ثمة راهن داخلي من لدن القارئ على أن هذا المدخل سيحمل مفارقة ما، فالكاتب يصدر روايته بمقولة لشكسبير تقول: «إننا مصنوعون من مادة الأحلام نفسها» يعقب ذلك بمقولة للحورية «ديلسن» – بطلة الرواية – تقول :«إننا مصنوعون من مادة الأفلام نفسها» فتتحقق جناسية سردية على مستوى العبارة، فإذا كان الإنسان يتشكل من مادة الحلم بوصفه فعلا من أفعال الوجود، أو ذلك التوق للأمل،، كما الخلاص، فإن «ديلسن» ترى أن الإنسان ما هو إلا تجسيد لمادة الأفلام، فالعبارة تقرأ في متعدد الدلالة لتحتمل منظوراً طباقياً، ففي بعض الأحيان نغرق بواقعية الوجود، أو محاولة لأن نجسد أدوارنا بكل ما تحمله من موافقة لأحلامنا، أو توقعاتنا، أو ربما خيبتنا، وربما نمسي فرجة لأنفسنا… جزءاً مقتطعاً من هذا الوجود لنختبر القمة أو الهاوية.
هكذا تتمثل قدرة الكتابة السردية على تملك أدواتها، عبر وضع الجملة في مجال يكتظ بالدلالة، فالعتبة لم تعد ترفاً أو إضافة مجانية تستجيب لنمط سائد أو شائع، هكذا نرى أن الخصائص السردية لا تنفك عن توليد مناخ دلالي، بالتضافر مع ذرائعية المعنى، وتكونه. إنها تضحى خلاصات عميقة لتمكين الجملة على مستوى الخطاب، ما ينقلنا إلى أن ندرك أن الاستجابة المبدئية للتلقي بدأت بطرح تلك العتبات لمشكلة النص.

ما معنى أن تروي فيلماً؟

تتكون العائلة من عدد من الأخوة الذكور، وفتاة صغيرة، وأب مقعد (على كرسي متحرك) بسبب إصابته في المنجم، يعيش على معاش تقاعدي بالكاد يكفي، بينما الأم هجرت الأسرة كي تحقق حلمها بالعمل فنانة، فالأم التي – كانت عشيقة لمدير المنجم – تتخذ دورا محورياً في تكوين تصور الفتاة عن حدود عالمها، وتهاويه، ولعلها صيغة من الصيغ المصغرة لمآلات أحلامها، التي بدأت كبيرة، وانتهت على غير ما تتوقع. في خطاب يحتمل قدراً من التمكين السردي لإيقاع متسارع، لا تقتله التفاصيل، والانتهاكات السردية، نقرأ اختزالاً لفكرة راوية الأفلام، حيث شغف العائلة، ولاسيما الأب الذي تقتله محدودية الوجود لكونه مقعداً، تخلت عنه زوجته، فيعاقر الخمر، ويرى في السينما فضاء تعويضياً. هذا الشغف كانت تمارسه العائلة برمتها قبل رحيل الأم، حين كانت الظروف مواتية، ومع عدم توفر المال لذهاب الجميع للسينما، يخرج الأب بفكرة مؤداها أن يذهب فرد من العائلة لحضور فيلم، ويعود ليرويه على أفراد الاسرة، وبعد اختبار بين الأبناء، ومنافسة من أحد الأخوة تفوز الفتاة بهذا الدور، نظراً لقدرتها على الحفظ والأداء والتعبير، بصورة تجعل كل من يراها يستشعر بنبض الفيلم وعوالمه.
تتجلى المفارقة حين تتحول عملية رواية الفيلم لأمر يفوق الفيلم عينه: «كانت الصالة تمتلئ بالأطفال والبالغين، رجالا ونساء، كان هنالك من يذهبون لرؤية الفيلم في السينما، ثم يأتون إلى البيت ليسمعوا روايته، ويخرجون بعد ذلك، وهم يقولون إن الفيلم الذي رويته أفضل من ذاك الذي شاهدوه». موهبة الفتاة تنتشر في الحي فيتحول البيت الصغير لمسرح صغير يستجلب عدداً من الجيران والأصدقاء مقابل مبلغ مالي بسيط، وشيئا فشيئا، تتحول الفتاة إلى نجمة محلية، تتحسن الأحوال بعض الشيء، ولاسيما بعد أن تشتهر الفتاة، فتتحول لتأدية بعض العروض لصالح بعض الموسرين في المنطقة على قلتهم، فتختبر الفتاة عوالم زبائنها، وطلباتهم التي ترتبط بفيلم معين في ذهن أو ذاكرة كل منهم، ومنهم سيدة عجوز تطلب فيلما ما ارتبط بماضيها، ولكن الفتاة لم تشاهده، ومع ذلك تتمكن من تدبر الأمر عبر مخيلتها، وقدرتها على حفظ الأغاني، أو اختلاق حكاية ما.
وهكذا نرى أن مادة الأفلام تتحول إلى زاد ينهض بالأنا التي غرقت في ماضيها، أو أنها تعطلت عن اختبار الحياة لسبب من الأسباب، بل إنها ربما تختلط بالواقع كما توضح الفتاة: «والشيء الآخر الذي كان يحدث لي هو إنني، لكثرة ما شاهدت من الأفلام وروايتها، صرت أخلط بينها وبين الواقع».
تكمن قيمة السينما في كونها تستدرك ما نستشعره من محدودية عوالمنا. إنها وسيلة لنتجاوز الواقع، أو أن تشييد عوالم محاذية لوجودنا، صيغة شديدة التجذر تنهض على أن الفنون تحتمل وظيفة وجدت مع وجود الإنسان، بوصفها من الأدوات التي تجعل لهذا الوجود معنى، لهذا يرغب البشر بأن يروي لهم شخص ما حكاية، حتى لو كانت عبارة عن أكاذيب، وهكذا تتحول الفتاة إلى صانعة أوهام أو حورية كي تخرج من قاطني المعسكر من العدم الفظ في الصحراء.

قدم لنا الروائي عملاً امتلك الكثير من سمات رواية الواقعية اللاتينية، ولكن السحر الذي ضمنه في العالم السردي، لم يتأت من البحث عن قطاعات عجائبية أو غرائبية، إنما جعل السحر في المدى الفسيح لاكتشاف الذات الإنسانية، وترددها في بناء مناخات متباينة في المتن السردي.

تداعي الأحلام – تداعي الواقع

في منحنى سردي نرى أن حبكة الرواية تتصاعد مع تمكين صيغة سردية لتحولات تلك المنطقة في بلد حكمته ديكتاتوريات عسكرية، فنرى أن قيم الحداثة قد قضمت عوالم الدهشة، إذ يتداعى عالم الفتاة مع موت الأب، وتفرق الأخوة لأسباب شتى؛ كمغامرة عاطفية أو بداعي الموت أو السجن، أو سعياً وراء حلم. تنتهي الفتاة وحيدة بعد أن نضجت، ولكنها ما زالت تمارس رواية الأفلام كي تعتاش منها، على الرغم من أن هذه المتعة بدأت بالتراجع مع ظهور التلفزيون، الذي ترسم الرواية صورة تمكنه، مع إحضار أول جهاز، وما أحدثه من تحول في عزوف البعض عن الذهاب للسينما، أو حتى الاستماع لديلسن (راوية الأفلام)، وهنا تربط الفتاة بين اعتقال شقيقها ومجيء التلفزيون الذي تقول عنه: «سيقضي دفعة واحدة وإلى الأبد على السينما. اعتقال ماريانو ومجيء التلفزيون، حدثان وقعا في الوقت نفسه تقريبا، هما ما حدد مصيري»، يشار إلى أن اعتقال الشقيق جاء نتيجة قتله لأحد الرجال المرابي في رمزية واضحة للرأسمالية، حيث يغتصب هذا الرجل الفتاة «ديلسن» حين يطلبها في أحد الأيام لتروي له فيلماً.
تنتهي الفتاة عشيقة لمدير المنجم الذي يكبرها بأربعين عاماً، حيث يستدعيها غير مرة لرواية بعض الأفلام، ومع الزمن تستشعر بعض الأمان معه، تتقبله كما تقبلته أمها من قبل حين كانت عشيقة له. تعيش الفتاة في ظل الرجل حتى يقيها من الجوع، والطرد من البيت، الذي خصصه للأب عندما كان يعمل في المنجم، غير أن أمور الفتاة تسوء مع رحيل المدير، لتنتهي الفتاة بوظيفة عاملة تغليف في بقالة، هكذا يتقوض عالمها بنهاية حقبة رواية الأفلام… وفي يوم ما تسمع عن حضور فرقة متجولة لتقديم العروض، وتعرف أن أمها ستحضر مع هذه الفرقة، ولكنها ترفض رؤيتها، حيث تقول: «لم أشأ الذهاب لرؤيتها؛ ليس تكبراً، ولا غضباً منها، وإنما بسبب الشفقة! كنت أشعر بالشفقة عليها، بالشفقة على أحلامها المقطوعة ـ مثلما هي أحلامي». كما تعلق قائلة «لقد كنا كلتانا في الحقيقة حلمين مقطوعين!».
تحاول الأم زيارتها ابنتها، ولكنها ترفض «ديلسن» السماح لها بالدخول، وحين ترحل تبكي بكاء شديداً، في حين أنها لم تذرف دمعة واحدة عندما تنتحر الأم لاحقاً مستخدمة مناديلها الحريرية، وهنا يتحقق ذلك التوحد بين الأم والفتاة، في عالم أجهض وجودهما، فتعلق الفتاة قائلة: «أنا وهي وحدنا كما لو أننا على جانبي العالم». وفي ختام الرواية نقرأ: «وفي ما بعد، بعدما علمت بموتها، لم أذرف دمعة واحدة؛ فقد كان ذلك كما لو أنني قد شاهدت هذا الفيلم مرتين».
هكذا ننتهي إلى رواية تمتلك خاصيتها في الكشف عن الكثير من مستويات الخيبة للإنسان، فتخضع في منظورها لمحاولة توجيه الضوء لتجسيد حيوات فئة من البشر يقيمون في الهوامش، وعلى ضفاف العالم، حيث عمال المناجم الذين يسحقون تحت وطأة الظروف المعيشية الصعبة، ولكن تبقى الصيغة الأكثر اكتمالاً في العمل قدرته على الولوج إلى العوالم الداخلية لشخصياته، ولاسيما الفتاة «ديلسن» التي نلمس فيضاً من الكآبة ترتسم حولها، ولاسيما في الجزء الأخير من العمل مع انحسار أحلامها، وتبددها، ولاسيما مع تراجع السينما حيث انطفأت الروح، وفقدت التوهج.
وهكذا نرى أن الروائي قدم لنا عملاً امتلك الكثير من سمات رواية الواقعية اللاتينية، ولكن السحر الذي ضمنه في العالم السردي، لم يتأت من البحث عن قطاعات عجائبية أو غرائبية، إنما جعل السحر في المدى الفسيح لاكتشاف الذات الإنسانية، وترددها في بناء مناخات متباينة في المتن السردي، الذي بدأ على سوية واحدة من حيث البناء الفني، فقد استطاع أن يحتمل بين ثنايا أمواجه مناخات شعورية واضحة، والأهم قدرة العمل على أن يجعل القارئ أسير هذا التكوين السردي المتخم بالدلالات، على الرغم من ضيق النسيج السردي ومحدوديته، ولكننا نرى إسقاطاً لعملية عرض صورة الحياة في شاشة السينما، كما توضح الفتاة – فحين يكون العارض ثملاً يقوم بتبديل علب عرض الأفلام فيبدأ من الوسط وهكذا، وهو ما يبدو إحالة للحياة عينها، وفي ظني أن هذه الرواية تعدّ من النماذج التي يمكن أن تكون صيغة مثالية للقدرة على صقل السرد عبر التخلص من الزوائد والشحوم التي تثقل الرواية، كما أنها قد نجحت في أنسنة المناخ السردي في مقولته، أو خطابه الفكري، فلا جرم أن يستحق العمل الإشادات التي استحقها، ويتمحور معظمها حول الأصالة والتميز، والمغايرة.

كاتب أردني فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية