«رايتس ووتش»: إخلاء مخيمات نازحين في العراق دون مهل كافية يسبب «تشرد وفقر» ساكنيها

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: اعتبرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، أمس الأربعاء، أن العمليات الجارية لإغلاق مخيمات النازحين في العراق دون إعطاء مهل كافية، تؤدي ببعض سكان هذه المخيّمات إلى «التشرد والفقر».
وقالت، في تقرير لها إن «على السلطات إعطاء حرية التنقل لسكان المخيمات التي كانت أحيانا بمثابة سجون في الهواء الطلق.
اتخاذ الحكومة مجددا لإجراءات من أجل تسهيل توثيق العائلات، هو خطوة إيجابية. لكن ينبغي ألا تُجبِر السلطات سكان المخيمات على الخروج دون أن تكفل أوّلا سبل بديلة للحصول على المأوى والغذاء والماء والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية في بيئة تتسم بالأمن والسلامة».

«سيزيد من ضعفهم»

وقالت بلقيس والي، باحثة أولى في شؤون الأزمات والنزاعات في «هيومن رايتس ووتش» إن «إعادة إدماج العائلات التي قضت سنوات في المخيمات في المجتمع العراقي لتتمكن من بدء حياة طبيعية هي خطوة إيجابية، لكن النهج الحالي المتمثل في إجبار الأشخاص على الخروج من المخيمات التي وفرت لهم الطعام والمأوى والأمن لسنوات، بمهلة أقل من 24 ساعة غالبا، سيزيد من ضعفهم».
وبينت أن: «بينما يبدو أن الهدف من هذه الحملة الجديدة لإغلاق المخيمات هو تعزيز الاستقرار في جميع أنحاء البلاد، إلا أن حرمان الناس من الوسيلة الوحيدة المتاحة لهم للحصول على المأوى والطعام والماء، والتسبب للآلاف في مزيد من النزوح سيكون له تأثير معاكس في الواقع».

لجنة حكومية

وذكر التقرير بأن، في أكتوبر/تشرين الأول 2020 شكّل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، لجنة مكلفة بإغلاق نحو 17 مخيما تأوي حاليا ما لا يقل عن 60.337 شخصا، نزحوا بسبب القتال بين «تنظيم الدولة الإسلامية» والقوات العراقية بين 2014 و2017. وأضاف أن منذ منتصف أكتوبر/تشرين الأول، أغلقت السلطات 11 مخيما، وحوّلت مخيّمين آخرين إلى مخيّمات غير رسمية، ما أدى إلى إخراج 27.191 من سكانها على الأقل، معظمهم نساء وأطفال، حسب عمال الإغاثة. وعند نشر هذا التقرير، كانت هناك فقط خمس مخيمات لا تزال مفتوحة بينما تجري المزيد من عمليات إغلاق المخيمات.
واللجنة تهدف إلى إغلاق جميع المخيمات في المناطق الخاضعة لسيطرة بغداد بحلول ديسمبر/كانون الأول 2020 وتلك الموجودة في إقليم كردستان العراق بحلول 2021 حسبما ذكر ثلاثة عمال إغاثة لـ«هيومن رايتس ووتش».

خشية من الانتقام

وأوضح التقرير أن العديد من العائلات بقيت في المخيمات لأنها لم تتمكن من استصدار الوثائق المدنية اللازمة أو خشية الانتقام إن عادت إلى ديارها لأنه قد يكون لبعضها صلات بالتنظيم. هناك آخرون غير قادرين على دفع الإيجار أو تكاليف الخدمات الأساسية أو إعادة بناء منازلهم المدمرة، أو ممن تفتقر مناطقهم الأصلية إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم».
ووثق تقرير المنظمة «كيف أن السلطات العراقية اتخذت قرارات بشأن المكان الذي يمكن أن تعيش فيها تلك العائلات دون التشاور معها كما ينبغي، وقررت إما ترك العائلات في المنطقة التي فروا منها أو نقلها إلى مخيم آخر أو إجبارها على العودة إلى المناطق التي توجد فيها منازلها. وحتى الآن، لم تنظر الحكومة في الوضع الخاص لكل أسرة ونقاط ضعفها قبل طردها من المخيمات».

سرعة وإجبار

وقال عمال الإغاثة للمنظمة إن «الحكومة تحاول وضع خطة لعمليات العودة تراعي هذه العناصر لكنها لم تضعها بعد. كانت حملة الحكومة الأخيرة لإغلاق جميع المخيمات المتبقية من السرعة بحيث أجبرت الأشخاص على المغادرة دون مهلة كافية لكي يعرف هؤلاء ما إذا كان ذلك آمنا لهم، أو كيف سيحصلون على سكن».
من 11 إلى 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 قابلت «هيومن رايتس ووتش» خمسة من سكان مخيم حمام العليل في نينوى وثلاثة من مخيم المدينة السياحية في الحبانية، طلب جميعهم عدم ذكر أسمائهم.
وأغلقت السلطات مخيم حمام العليل، وفق التقرير، في 14 نوفمبر/تشرين الثاني وطردت 8.585 من سكانه على الأقل. كما أغلِق مخيم المدينة السياحية في الحبانية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، رغم أن السلطات سمحت بإبقائه مفتوحا بشكل غير رسمي لأن أكثر من 200 عائلة في المخيم ليس لديها مكان آمن تقصده».
وحسب التقرير «أجرت قوات الأمن في حمام العليل تدقيقا أمنيا لسكان المخيم قبل طردهم منه، وساعدت في إطار هذه العملية في تسهيل حصول العائلات التي ليس لديها وثائق ثبوتية على وثائق مدنية».
وبينت أن «قوات الأمن كانت في السابق ترفض في السابق إعطاء التصاريح الأمنية اللازمة لاستصدار وثائق الهوية وغيرها من الوثائق المدنية الأساسية لآلاف العائلات العراقية التي ترى أن لها صلات بالتنظيم، عادة بسبب اسم العائلة أو الانتماء العشائري أو المنطقة التي تنحدر منها هذه العائلات». وأسفر عن ذلك «حرمان ذلك العائلات من حرية التنقل ومن حقها في التعليم والعمل والمزايا الاجتماعية وشهادات الميلاد والوفاة اللازمة للميراث أو الزواج مرة أخرى» تبعاً للتقرير، الذي أشار إلى أن «السلطات منعت آلاف الأطفال ممن ليس لديهم وثائق مدنية من الالتحاق بالمدارس الحكومية، بما في ذلك المدارس في مخيمات النازحين. إجراءات إصدار الوثائق الموازية لعمليات الإغلاق هي تطور إيجابي».

التبرئة

وأكد عمال إغاثة في مخيمَي حمام العليل والمدينة السياحية في الحبانية لـ«هيومن رايتس ووتش» أن السلطات هناك أجبرت بعض العائلات على إجراءٍ يُعرف بـ«التبرية» (التبرئة) للحصول على تصريح أمني قبل مغادرة المخيم.
ووفق التقرير «تتطلب هذه العملية من العائلات فتح شكوى جنائية تتبرأ فيها من أي قريب يشتبه في انضمامه إلى التنظيم. بعد تقديم الشكوى، تُصدر لهم المحكمة وثيقة تمكّنهم من الحصول على التصريح الأمني».
وأكد أن «بعد الانتهاء من عمليات التدقيق وإصدار الوثائق، أمهلت قوات الأمن سكان المخيم الذين قابلتهم المنظمة ما بين يوم واحد وسبعة أيام فقط لاختيار ما إذا كانوا سيعودون إلى ديارهم أو سيستقرون في مكان آخر في البلاد، ولم يُمنح معظمهم إلا 24 ساعة. ولم تُتح لأي منهم وسيلة نقل حكومية مجانية إذا لم يكونوا عائدين إلى ديارهم، ولا أي دعم مالي، رغم أن الحكومة وعدت بمنح جميع العائدين حزمة تعويضات بقيمة 1.500 دولار أمريكي. ومن غير الواضح إن كانت العائلات التي لا تعود إلى ديارها وتستقر في مكان آخر ستتلقى هذه المساعدة المالية».

مخاوف

وقالت جميع العائلات التي قابلتها المنظمة إنها «لن تعود إلى ديارها بسبب مخاوف على سلامتها الشخصية. تمكن البعض من الانتقال إلى مكان آخر، ولو أنهم واجهوا مصاعب لتسديد الإيجار.
قال رجل من الأنبار طُرد من مخيم المدينة السياحية في الحبانية للمنظمة إن «قوات الأمن أعطته خيار الانتقال إلى مخيم آخر لم يُغلق بعد في المنطقة، لكنه رفض واختار بدلا من ذلك استئجار منزل في مدينة أخرى».
وزاد: «نقلتني السلطات ثلاث مرات منذ 2017. لا أعرف لِمَ يستمرون في نقل الناس من مخيم إلى آخر. إذا كانت الحكومة لن تمنحنا تعويضات لنتمكن من إعادة بناء منازلنا وتسديد تكاليف الخدمات الأساسية وضمان أمننا، لماذا تُغلِق المخيمات؟».
وفقا لعمال الإغاثة، الذين يتتبعون عمليات الطرد من المخيمات، أفادت عائلات عديدة من التي أُجبرت على الخروج من مخيم حمام العليل أنها تكابد لتسديد تكاليف الخدمات الأساسية في المناطق التي استقرت فيها.
وقد تابعوا مغادرة المخيمات في الفترة من أغسطس/آب إلى أكتوبر/تشرين الأول، أكدوا أن 50٪ من النازحين تدنى حصولهم على الغذاء بعد المغادرة، و60٪ تدنى حصولهم على الماء و25٪ لم يتمكنوا من الحصول على الرعاية الصحية. كما أكدوا أن بعض العائلات تعاني منذ عودتها من «المضايقة اليومية» والابتزاز على يد المجتمعات المحلية.
ووفقاً لتقرير المنظمة، فإن «العراق ملزم بموجب القانون الدولي بحماية واحترام الحق في مستوى معيشي لائق، بما في ذلك ضمان حصول كل فرد على ما يكفي من الغذاء والماء وخدمات الصرف الصحي والسكن»،
وذكر أنه «تنص المادة 30 من دستور العراق على أن الدولة: تكفل للفرد وللأسرة ـ وبخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرّة كريمة، تؤمّن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم».
وحثّت المنظمة السلطات على أن «تكفل لكل شخص في العراق حق استصدار وثائقه المدنية وأن توقف جميع المساعي الرامية إلى طرد السكان من المخيمات حتى تجدد السلطات وثائق هويتهم.
ينبغي للسلطات، قبل إغلاق أي مخيم، ضمان إمهال العائلات في المخيمات 30 يوما على الأقل، وإعطاؤها معلومات كافية لتحدد المكان الذي تريد الانتقال إليه، مع توفير وسيلة نقل ميسّرة إلى المكان الذي تفضله».
وطالبت بـ«ضمان تزويد العائلات التي تضررت منازلها بالموارد المالية لاستئجار عقار، وأيضا مساعدتها في إعادة بناء منازلها. عليها أن تكفل للعائلات التي لا تستطيع دفع ثمن الغذاء والماء والكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى الحصول على كل هذه الخدمات دون مقابل».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية