بغداد ـ «القدس العربي»: أصدرت منظمة «هيومن راتيس ووتش»، المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان في العالم، أمس الخميس، تقريرها السنوي عن العراق، مشيرة إلى أن قوات الأمن واجهت التظاهرات في بغداد ومدن في جنوب العراق في تشرين الأول/ أكتوبر، وتشرين الثاني/ نوفمبر بالقوة المفرطة، فقتلت مئات المتظاهرين، موثّقة «استمرت انتهاكات أخرى لحريتَيْ التجمع والتعبير وحقوق المرأة، والحق في الماء، والصحة، وبيئة صحية»، كما واصلت الحكومة استخدام عقوبة الإعدام على نطاق واسع.
وحسب التقرير: «أدّت الاشتباكات مع قوات الأمن إلى مقتل 350 متظاهرا على الأقل في مظاهرات في بغداد ومدن جنوبية بالعراق ما بين أوائل أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول. وإضافة إلى الذخيرة الحية، أطلقت قوات الأمن في بغداد قنابل الغاز المسيل للدموع، في بعض الحالات مباشَرة على المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل 16 شخصا على الأقل. كما استخدمت قوات الأمن الذخيرة الحية في مدن أخرى».
وأضاف: «اعتقلت السلطات تعسفا متظاهرين وأفرجت عنهم فيما بعد دون تهم، وفُقد آخرون. وألقت قوات الأمن القبض على بعض العراقيين لمجرد تعبيرهم عن الدعم للحركة الاحتجاجية عبر منشورات فيسبوك». كذلك «هددت قوات الأمن المسعفين الذين يعالجون المتظاهرين وأطلقت النار عليهم» و«أقدمت الحكومة مرارا على إبطاء الانترنت لمنع الأشخاص من تحميل صور وفيديوهات المظاهرات ومشاركتها، كما حجبت تطبيقات المراسلة».
مقاضاة الأطفال
وتحت بنّد «الاعتقال التعسفي، والإجراءات الواجبة، وانتهاكات المحاكمة العادلة»، أكدت المنظمة في تقريرها السنوي: «اعتقلت القوات العراقية تعسفا أشخاصا مشتبه بانتمائهم إلى داعش، واحتجزت العديد منهم لعدة أشهر. وحسب شهود وأقارب، احتجزت قوات الأمن بانتظام المشتبه بهم دون أي أمر من المحكمة أو مذكرة توقيف، وفي الغالب لم تقدم سببا للاعتقال».
وأكمل: «انتهكت السلطات بشكل منهجي حقوق المحاكمة العادلة للمشتبه بانتمائهم إلى داعش وغيرهم من المحتجزين. شملت الحقوق المنتهَكة الضمانات التي ينص عليها القانون العراقي أن يَمثل المعتقلون أمام قاض في غضون 24 ساعة، وأن يتاح لهم الاتصال بمحام طوال مدة التحقيقات، وأن تُبلّغ عائلاتُهم وأن يُتاح لها الاتصال بهم».
ومن بين ما ورد في التقرير أيضاً «قاضت السلطات أطفالا لا تتجاوز أعمارهم تسع سنوات بتهمة الانتماء إلى داعش في المناطق الخاضعة لسيطرة بغداد و11 سنة في إقليم كردستان، وهو دون الحد الأدنى لسن المسؤولية الجنائية بموجب القانون الدولي، في انتهاك للمعايير الدولية التي تعتبر الأطفال الذين تجندهم جماعات مسلحة في المقام الأول ضحايا يجب إعادة تأهيلهم وإعادة دمجهم في المجتمع».
وتابع: «لاحق القضاة العراقيون الأشخاص المشتبه في كونهم من داعش، بتهمة الانتماء إلى التنظيم، في إطار القوانين الفضفاضة لمكافحة الإرهاب. عموما، كانت المحاكمات متسرّعة، ومبنية على اعترافات المتهمين، ولم تشرِك الضحايا. أجرت الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان آلاف المحاكمات للمشتبه بانتمائهم إلى داعش دون استراتيجية لإعطاء الأولوية لأسوأ الانتهاكات».
وفيما يخص «التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة»، تلقّت «رايتس ووتش» طوال 2019 تقارير عن استخدام التعذيب على نطاق واسع، بما في ذلك الأطفال، من قبل القوات العراقية والقوات التابعة لحكومة إقليم كردستان لانتزاع الاعترافات. اضطر رجل إلى الخضوع لبتر ذراعه بسبب الأضرار الشريانية التي لحقت بها جراء التعذيب أثناء الاحتجاز.
وأظهرت دراسة أجرتها «هيومن رايتس ووتش» لقرارات محكمة التمييز العراقية في القضايا المتعلقة بالإرهاب، أن «القضاة تجاهلوا مزاعم التعذيب أو اعتمدوا على اعترافات غير مدعّمة على ما يبدو في 20 قضية تقريبا عامَي 2018 و2019. كانت بعض مزاعم التعذيب قد أُثبتت من خلال فحوصات الطب الشرعي، ويبدو أن بعض الاعترافات انتُزعت بالقوة. في كل حالة من هذه الحالات، أخذت المحاكم الابتدائية مزاعم التعذيب على محمل الجد، ووجدتها موثوقة، وقيّمت الأدلة، وأفرجت عن المتهمين. وبالرغم من ذلك، يبدو أن محكمة التمييز الاتحادية، عند الاستئناف، تتجاهل مزاعم التعذيب أو تعتمد على اعترافات غير مدعّمة، وتأمر بإعادة المحاكمة».
وثّقت استمرار انتهاك حريات التجمع والتعبير وحقوق المرأة
على الرغم من الأدلة الكثيرة على التعذيب أثناء الاحتجاز في العراق، حسب تقرير المنظمة، لكن «قوات سوريا الديمقراطية، نقلت في شمال شرق سوريا في 2019 ما لا يقل عن 900 معتقل عراقي لهم صلات مزعومة بداعش. كما نقلت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية ما لا يقل عن 47 من الذكور الأجانب غير العراقيين المشتبه في انتمائهم إلى داعش للتحقيق معهم في 2018 وأوائل 2019، بينهم 11 مواطنا فرنسيا على الأقل حُكم عليهم بالإعدام. في 30 من هذه القضايا على الأقل، يسّرت القوات الأمريكية نقل المحتجزين من قوات سوريا الديمقراطية إلى السلطات العراقية وفقا لوثائق المحكمة، وشهادات المتهمين، ومصادر أخرى».
وقال اثنان من المواطنين الفرنسيين الذين نُقلوا من شمال شرق سوريا إلى العراق وحوكموا في بغداد لانتمائهم إلى التنظيم للقاضي إن «قوات الأمن العراقية عذبتهم أو انتزعت منهم الاعترافات بالقوة».
واحتجزت السلطات المشتبه بهم في أماكن مزدحمة، وفي بعض الحالات في ظروف لاإنسانية. أطلع مصدر في نظام السجون «رايتس ووتش» على «صور لزنازين السجون المكتظة في نينوى حيث تُحتجز النساء والأطفال بتهمة الانتماء إلى داعش في ظروف مهينة لدرجة أنها ترقى إلى مستوى سوء المعاملة».
وتحت بنّد «العقاب الجماعي»، يقول تقرير المنظمة: «غالبا ما تُحرم العائلات العراقية التي يُعتقد أنها تنتمي إلى تنظيم داعش، عادة بسبب اسم العائلة أو الانتماء القبلي أو مسقط الرأس، من التصاريح الأمنية اللازمة للحصول على بطاقات الهوية والوثائق المدنية الأخرى. وقد أدى ذلك إلى تقييد حريتهم في التنقل، وحقهم في التعليم، والعمل، وتقديمات الرعاية، وشهادات الميلاد والوفاة اللازمة للحصول على الإرث أو الزواج مرة أخرى. كما منع الحرمان من التصاريح الأمنية هذه العائلات من رفع دعاوى إلى اللجان المنشأة في 2009 لتعويض العراقيين المتضررين من الإرهاب والعمليات العسكرية والأخطاء العسكرية، ومن رفع دعاوى قضائية أو الطعن في مصادرة الممتلكات من قبل قوات الأمن أو العائلات المحلية».
وأضاف: «تمكنت بعض العائلات من الحصول على تصريح أمني إذا كانت على استعداد للمثول أمام قاض أولا لإقامة دعوى جنائية ضد قريبها المشتبه في انضمامه إلى داعش، في عملية تعرف بـ(التبرية). بعد أن يفتح الأفراد الشكوى الجنائية، تصدر لهم المحكمة وثيقة لتقديمها إلى قوات الأمن للحصول على تصريح أمني. كانت هذه الآلية فعالة بشكل خاص في محافظة الأنبار، حيث تمكنت معظم الأسر التي لديها أقارب يُشتبه في انتمائهم إلى داعش والذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش في 2019 من الحصول على تصريح أمني من خلال التبرية».
استمرار العمليات
وحسب المنظمة، «استمرت عمليات الإعادة القسرية ومنع عودة الأشخاص النازحين إلى ديارهم خلال 2019. في أوائل يوليو/تموز، أطلقت قوات الأمن حملات (للتدقيق الأمني) في مخيمات النازحين في نينوى لتحديد أصولهم وروابطهم المحتملة بداعش. خلال الشهرين التاليين، طردت السلطات في نينوى وصلاح الدين مئات النازحين المقيمين في مخيمات خارج محافظاتهم الأصلية، وفي بعض الحالات نقلتهم إلى مجتمعاتهم الأصلية على الرغم من المخاوف الأمنية الكبيرة لدى العائلات».
وتم إيواء 30 ألف عراقي على الأقل فروا من العراق بين 2014 و2017 في مخيم الهول في شمال شرق سوريا وحوله، وبعضهم تبِعوا التنظيم أثناء انسحابه من الأراضي العراقية. وفقاً للمنظمة التي أكدت أن «في 2019، استعدت الحكومة العراقية لإعادة مواطنيها وحبسهم في مخيمات، هي معتقلات بحكم الواقع، لصلاتهم المفترضة مع داعش. ناقشت الحكومة خططا أوسع لاحتجاز الأُسر التي يُنظر إليها على أنها متصلة بالتنظيم في خطة اعتقال جماعي، لكن لم يُتَّفق بعد على مثل هذه الخطة».
في 2019، مُنع آلاف الأطفال الذين لا يحملون وثائق مدنية بسبب انضمام أحد أقاربهم إلى التنظيم من الالتحاق بالمدارس الحكومية، بما فيها المدارس داخل مخيمات النازحين. وأبلغ محامون وعمال إغاثة ممن يقدمون المساعدة إلى الأسر التي ينظر إليها على أنها متصلة بالتنظيم أن «قوات الأمن هددتهم واحتجزتهم في بعض الحالات لتقديمهم تلك الخدمات».