بغداد ـ «القدس العربي»: قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية، أمس الخميس، إن الجيش العراقي أخلى بشكل غير قانوني عشرات العائلات، من قرية شمالي بغداد منذ يوليو/تموز 2021، في ما يبدو نزاعا عائليا يشمل وزيرا في الحكومة، مشيرة إلى إرسال العائلات الـ 91 من قرية العيثة في محافظة صلاح الدين، إلى مخيم للنازحين دون أي من ممتلكاهم.
وحسب تقرير للمنظمة: أُجبرت عائلات العيثة على مغادرة قريتها قبل سنوات أثناء القتال بين الحكومة وتنظيم “الدولة الإسلامية” (المعروف أيضا بـ “داعش”) وقد أجلت السلطات المحلية والأمنية العديد منها قسرا في السابق من مخيمات النازحين وأجبرتها على العودة إلى قريتها.
نازحون قالوا مؤخرا، إنهم أُجلوا نتيجة نزاع عائلي بين وزير في الحكومة، وهو من القرية، وشقيقه، الذي كان تزوج امرأة من القرية لها صلات سابقة مزعومة بعضو في داعش”.
وحثّ التقرير، السلطات على أن “توقف الإخلاء فورا وأن تعاقب جميع المسؤولين الذين أساؤوا استخدام سلطتهم”.
قالت بلقيس والي، باحثة أولى في قسم الأزمات والنزاعات في “هيومن رايتس ووتش”، إنه “لسنوات، زعمت السلطات العراقية أنها تنقل المجتمعات الأهالي إلى المخيمات أو خارجها لحمايتهم أو لمصلحتهم، لكن حالة هؤلاء القرويين الذين يتم تقاذفهم بين قريتهم ومخيمات النزوح دليل آخر على أن الاخلاءات هذه غالبا ما تتعلق باعتبارات شخصية أو سياسية للسلطات بدلا من حماية المتضررين”.
ووثقت “رايتس ووتش” منذ سنوات الإجلاءات القسرية للعائلات، بما في ذلك الذين يُعتقد أنها تنتمي إلى التنظيم. ومن 1 إلى 5 أغسطس/آب قابلت المنظمة سبعة من سكان العيثة في صلاح الدين، قالوا إن، ابتداء من 14 يوليو/تموز، جاءت وحدات الجيش العراقي إلى قريتهم وطردت الناس بالقوة دون إشعار مسبق ودون تقديم أي مبرر أو أمر قانوني. في 10 أغسطس/آب، تحدثت “هيومن رايتس ووتش” إلى ممثل عن وزارة الهجرة والمهجرين لم يقدم أي تبرير لعمليات الإخلاء.
وبين السكان أن القرية كانت موطنا لـ 370 عائلة – حوالي 14 ألف شخص – قبل سيطرة التنظيم عليها في 2014. في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، فرت جميع العائلات المتبقية مع تصاعد القتال في المنطقة، واستقر الكثير منها في مخيمات النزوح. وأوضحوا أن، في 2019، عادت 330 عائلة من مخيمات النزوح. في يناير/كانون الثاني 2021، عادت العائلات الـ 40 المتبقية بعد أن أمرتها سلطات مخيمات النازحين بالعودة إلى ديارها.
وأشار قرويون إلى أن في 14 يوليو/تموز، وصلت نحو 20 آلية للجيش العراقي إلى القرية ومعها قائمة بالأسماء، وأجبرت حوالي 19 أسرة على مغادرة منازلها على متن شاحنات مسطحة، بينهم أربعة أشخاص تمت مقابلتهم. قال، الجنود لسكان القرية، إنهم سينقلونهم إلى مخيم نزوح ما يزال مفتوحا – في نينوى، 15 كيلومتر شمالا – دون ذكر الأسباب. وبين 31 يوليو/تموز و4 أغسطس/آب، عاد الجيش وأخذ 72 عائلة أخرى إلى المخيم، بينهم شخصان من الذين تمت مقابلتهم.
وقالت امرأة إن، عندما طرد الجيش عائلتها في 14 يوليو/تموز، حاولت امرأة الفرار من القرية لتجنب الإجلاء، لكن الجنود أوقفوها: “سمعت جنديا يقول لها إنه إن لم تأتِ عائلتها، فسيعتقلون زوجها”.
وقال جميع القرويين إن الجيش لم يسمح لهم بأخذ أي من ممتلكاتهم. وبينت أم لستة أطفال إنه ليس لديها فُرُش أو بطانيات أو مراوح في المخيم. ولفتت إحدى الأمهات إلى إنها تركت أطفالها الثلاثة في القرية مع عمهم لأنها لم تستطع إحضار أي ممتلكات ولن يكون لديها ما يريحهم.
«عطلت حياتهم»
وقال الأشخاص الذين قوبلوا إن الاخلاءات الجديدة هذه قد عطلت حياتهم بشدة. وقالت أم لستة أطفال، إن أحد أبنائها رفض المغادرة وهرب إلى منزل جدته: “أخبرتني أمي أنه مصاب بصدمة نفسية ويرفض تناول الطعام ويبكي طوال اليوم. لقد فوّت ولداي الآخران امتحاناتهما الثانوية النهائية، وهما عالقان هنا في المخيم”.
ورغم بقاء حوالي 270 عائلة في القرية، في 12 يوليو/تموز، قال نجل الوزير، لم تسمّه المنظمة في تقريرها، على “فيسبوك” إن جميع العائلات من القرية سيتم إجلاؤها في النهاية. إحدى النساء اللواتي قُوبلن وما تزال في القرية، إنها تخشى أن يأتوا وراءها قريبا.
«ضحايا»
وأكد، ثلاثة قرويين أنهم يعتقدون أن عمليات الإخلاء حدثت بسبب نزاع عائلي. وقالوا إن شقيق الوزير تزوج في يوليو/تموز من امرأة من القرية كانت متزوجة في السابق من أحد أعضاء التنظيم. وأضافوا أن شيوخ القرية قالوا لهم إن الوزير قرر الانتقام من شقيقه بطرد السكان. وبين أحد القرويين إن، عندما سأل أحد الجنود عن سبب طردهم، قال الجندي: “هذا بسبب مشكلة بينكم يا أهل القرية وبين الوزير”. وقال القروي: “نُلام على شيء لا دور لنا فيه. نحن ضحايا لا حول لنا ولا قوة.” ونشرت امرأة، تعرف عن نفسها على أنها صحافية، على “فيسبوك” في 14 يوليو/تموز إنها تعرب عن تقديرها للوزير وقوات الأمن على الاستجابة السريعة بعد أن نشرت في 9 يوليو/تموز عن الزواج. وزعمت أن الوزير منع شقيقه من التحدث إلى وسائل الإعلام و”التدخل في شؤون التهجير”، وصادر جميع الأسلحة والمركبات الحكومية التي في حوزته. كما اتهمت القرويين بأنهم “خلايا نائمة وقنابل موقوتة” لكنها لم تقدم أي دليل.
بينما أُجبر بعض القرويين على العودة إلى القرية، قال القليل منهم إن وضعهم تحسن بعد عودتهم. وبينت، امرأة، إنها لم ترغب في مغادرة المخيم حينها لأنها شعرت بالأمان هناك. ولكن بعد عدة أشهر في القرية، تحسنت حالتها، ووجدت عملا، وتمكّنت من إلحاق أطفالها بالمدرسة. ،قالت: “كان ابني سعيدا جدا لعودتنا إلى المنزل، حتى إنه طلب مني حذف جميع الصور التي التقطناها داخل المخيم من هاتفي”.
تحقيق حكومي
لم تقدم الحكومة أي تبرير رسمي للاخلاءات. وقال سكان القرية إن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، أرسل في 5 أغسطس/آب، مستشاره للأمن القومي للتحقيق. وأجرى المستشار مقابلات مع بعض العائلات التي أُجليت.
وقال شخصان، أحدهما حضر الاجتماع، إن شخصا لم يعرّف عن نفسه بوضوح سوى بالقول إنه كان يتحدث نيابة عن الوزير، تحدث إليها في المخيم قبل الاجتماع وأخبرها ألا تذكر زفاف شقيق الوزير.
وطالب التقرير السلطات بـ”الاتصال فورا بجميع العائلات المتضررة ومنحها الدعم الذي تحتاج إليه لتقرير ما إذا كانت تريد البقاء في المخيم، أو العودة إلى العيثة، أو إعادة التوطين في مكان آخر، وتقديم المساعدة لها في إعادة التوطين. على السلطات توفير الحماية من الاخلاءات غير القانونية في المستقبل”.
«غير قانونية»
ودعا أيضاً رئيس الوزراء إلى “ضمان أن أي شخص في السلطة لا يؤثر بشكل غير ملائم على التحقيق في الاخلاءات وأن يخضع جميع المسؤولين عن الاخلاءات غير القانونية للمساءلة. كما عليه فتح تحقيقات في اخلاءات غير مشروعة أخرى قامت بها السلطات منذ توليه منصبه في مايو/أيار 2020، والخروج بنتائج علنية بشأن أسبابها، والالتزام باتخاذ تدابير لمنع الاخلاءات غير القانونية”.
وقالت والي: “مجرد فكرة أن وزيرا يستطيع بمحض نزوة ودون مبرر طرد مئات الأشخاص من منازلهم يجب أن تهز الضمير. هذه العائلات تعاني منذ سنوات على يد حكومةٍ أيّدت وأحيانا شاركت في مجموعة من إجراءات العقاب الجماعي ضدها”.