بغداد ـ «القدس العربي»: قال منظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، إن بعض هجمات «الحرس الثوري الإيراني» على مكاتب حزبين من المعارضة الإيرانية في إقليم كردستان العراق أواخر سبتمبر/أيلول استهدفت بلدات وقرى لم يكن للحزبين فيها أي نشاط عسكري، مشيرة إلى أن تلك الهجمات تسببت بمقتل 16 شخصاً على الأقل وأصابت العشرات، فضلاً عن تهجير مئات العائلات، مستندة في ذلك على تقارير إعلامية.
وقالت، في تقرير لها، إن الحرس الثوري أعلن مسؤوليته عن الهجمات التي استهدفت مكاتب الحزبين المعارضين الإيرانيَّين، مشيرا إلى الأهداف على أنها «قواعد إرهابية». لكن السكان والشهود قالوا لـ«هيومن رايتس ووتش»، إن بعض الهجمات استهدفت بلدات وقرى لا تمارس فيها أحزاب المعارضة أي نشاط عسكري.
ولم تتمكن «رايتس ووتش» من التحقق مما إذا كان الحزبان المعارضَان المستهدفان يجريان أنشطة تدريب عسكرية في المواقع المقصوفة في المناطق الجبلية، كما زعمت السلطات الإيرانية.
تاريخ طويل
وقال آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط في المنظمة، إن «هجمات قوات الحرس الثوري الإيراني على المناطق السكنية في إقليم كردستان العراق جزء من تاريخ طويل من الهجمات القاتلة على المدنيين، بما في ذلك أثناء الحرب في سوريا»، حاثّا الدول الساعية إلى محاسبة إيران على «قمعها القاسي» في الأيام الأخيرة على أن «تضمن أيضا محاسبة المسؤولين عن قتل المدنيين عشوائيا في الخارج».
وتزامنت الهجمات على جماعات المعارضة في إقليم كردستان العراق مع احتجاجات واسعة في إيران بدأت في 16 سبتمبر/أيلول، عقب وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى «شرطة الآداب» الإيرانية بعد اعتقالها بسبب ارتداء الحجاب «بشكل غير لائق». ردت السلطات الإيرانية على أسابيع من الاحتجاجات بعنف قاسٍ، فقتلت وأصابت مئات المحتجين.
وفي 24 سبتمبر/أيلول، قصف الحرس الثوري مكاتب حزبين معارضين إيرانيين في ناحية سيدكان إلى الشمال الشرقي من مدينة أربيل (عاصمة إقليم كردستان العراق). استهدفت الهجمات «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و«حزب كومله الكردستاني الإيراني»، ولم تسفر عن سقوط ضحايا، لكن تقارير إعلامية تشير إلى أن السكان العراقيين واللاجئين الإيرانيين قد هَجَروا منذ ذلك الحين ست قرى مجاورة.
وتأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني في 1945 وحزب كومله في 1969، كحزبين ديمقراطيَّين اجتماعيين. سبق للحزبين الانخراط في نزاع مسلح في إيران، وتشير تقارير إلى أنهما ما يزالان يحتفظان بأجنحة مسلحة.
في 28 سبتمبر/أيلول، كرر الجيش الإيراني قصف مقرات حزبَيْ الديمقراطي الكردستاني وكومله في قضاء كويه- المعروف أيضا بـ(كويسنجق)- بمحافظة إربيل، ومجمع زركويز السكني في محافظة السليمانية.
لسنا جماعة عسكرية
وقال فؤاد خاكي بايجي، عضو الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، لـ« رايتس ووتش»: «نحن حزب سياسي، ولسنا جماعة عسكرية. تحاول السلطات الإيرانية صرف الانتباه عن الاحتجاجات في إيران، لذلك لجأت إلى القصف العشوائي على المناطق المأهولة بالمدنيين في إقليم كردستان العراق».
ووفقا لـ «يونيسف»، أصابت الهجمات في كويه مدرسة في مخيم للاجئين، فجرحت طفلين وقتلت امرأة حاملا. حددت «هيومن رايتس ووتش» هوية المرأة على أنها ريحانة (شيما) كنعاني.
وبين، زانيار رحماني، زوج كنعاني، والذي يعمل في مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني التي قُصفت: «يبعد منزلنا كيلومترا ونصفا عن مقر الحزب. نعيش في مخيم للاجئين، ومعظم الذين يعيشون هناك نساء وأطفال. المنطقة التي نعيش فيها أنا وزوجتي ليست مكانا عسكريا، بل منطقة سكنية للمدنيين».
وأضاف أن زوجته كانت حاملا في الأسبوع 36 بابنهما الذي أسموه وانيار. عقب الهجوم، أجرى الأطباء ولادة الطفل ثم أجروا عملية جراحية لكنعاني، التي أصيبت بجروح في مؤخرة رأسها ونزيف داخلي، لكنها توفيت متأثرة بجراحها. عانى وانيار من تلف في الدماغ وتوفي أيضا. قال رحماني: «كان ابني بصحة جيدة (قبل الهجوم)، أظهرت جميع الصور الصوتية حتى تلك اللحظة أنه كان بصحة جيدة».
وقابلت «هيومن رايتس ووتش» شرطيا عراقيا يعمل في مستشفى كويه ولا ينتمي إلى الحزبين المعارضين المستهدفَين، ونقلت عنه القول: «في 28 سبتمبر/أيلول، كنت أعمل في المستشفى. رأيت امرأة حاملا أصيبت (جراء الهجوم)، وسمعت أنها ماتت لاحقا. كما رأيت أطفالا مصابين، وبعض حراس الأمن الذين كانوا يعملون في مقر الحزب».
ووفقاً للشرطي فإن مقرات الحزب موجودة في منطقة سكنية يعيش فيها العديد من اللاجئين الإيرانيين، مضيفاً: «لم نرَهم قَط يقومون بأي نشاط عسكري في المقر لأنه يقع في منطقة سكنية. أعلم أن لديهم بعض الأنشطة العسكرية، لكن في الجبال، وليس في المدن».
في الأثناء، قال أحد سكان كويه والذي لا ينتمي إلى الأحزاب السياسية المستهدفة لـ«هيومن رايتس ووتش»، إن «المقرات المستهدفة هي مكاتب سياسية فقط ولا تجري فيها أنشطة عسكرية».
في محافظة السليمانية، قصفت طائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية المكاتب السياسية لحزبَيْ كومله والكردستاني الإيراني الواقعة في مجمع زركويز السكني.
وقال محمد حكيمي، عضو كومله: «يقع مكتبنا في منطقة سكنية. ليست لدينا أي أنشطة عسكرية. سكان المجمع جميعهم لاجئون إيرانيون فارون»، مؤكداً إن الحزب لا يُجري أنشطة عسكرية خارج المكتب المقصوف.
فيما أكد أنور قبادي، عضو آخر في كومله بالقول: «كنت في مكتب كومله في زركويز عندما قصفت طائرة مسيّرة خلفنا مباشرة»، قبادي لاجئ أيضا، أوضح إنه غادر إيران في 2010 بعد تعرضه لانتهاكات حقوقية على أيدي السلطات الإيرانية، مبيناً إن «الجميع في مجمّع زركويز السكني لاجئون».
بعدما قصفت أول طائرة مسيّرة خلف مكتبهم، فر قبادي وزميلاه من المبنى، مشيراً إلى إنه «بعد دقيقة قصف صاروخ وطائرة مسيّرة أخرى المكتب، وأصابتني شظايا في ظهري. أصيب زميلاي أيضا ودُمر المبنى. لم يُقتل أحد».
وهاجمت إيران سابقا المكاتب السياسية لأحزاب المعارضة الإيرانية المتمركزة في العراق. في سبتمبر/أيلول 2018، قصفت صواريخ إيرانية مقرات حزبين كرديين إيرانيين في كويه، فقتلت 14 شخصا على الأقل، وفقا لتقارير الإعلام المحلي حينها.