بغداد ـ «القدس العربي»: انتقدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أمس الأربعاء، السلطات في العراق لعدم اتخاذها أي إجراءات للحد من عملية قتل المتظاهرين والناشطين المدنيين، على يدّ مسلحين مجهولين في محافظة البصرة، كاشفة في الوقت عينه عن مقتل وجرح 6 متظاهرين- حتى 14 آب/ أغسطس الجاري، يرتبطون بمجموعة شبابية احتجاجية ذات تطلعات سياسية في البصرة جنوب العراق، وهم الأحدث في قائمة تضم مئات المتظاهرين القتلى في بغداد وجنوب العراق منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019، منهم من قتل على يد قوات الأمن «المنتهِكة».
ووفقاً لتقرير نشرته المنظمة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، أمس الأربعاء، «لم تقم السلطات بأي شيء يذكر لوقف القتل. فرغم وعود رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بالمساءلة عن استخدام قوات الأمن المفرط للقوة منذ مايو/أيار، لم يمثل أي قائد كبير أمام القضاء. بدلا من ذلك، طُرد بضعة قادة، ومَثَل عناصر أمن منخفضو الرتب أمام القضاء».
وقالت بلقيس والي، الباحثة أولى في قسم الأزمات والنزاعات في المنظمة «ازدادت حدة الوضع في العراق لدرجة أن المسلحين يستطيعون أن يجولوا الشوارع ويطلقون النار على أعضاء المجتمع المدني بلا عقاب. من غير الواضح ما إذا كانت الحكومة الاتحادية قادرة حتى على كبح جماح العنف في هذه المرحلة وضمان العدالة للضحايا».
ونقل التقرير عن ثلاثة أعضاء في المنظمة قولهم: «الضحايا الذين قضوا في البصرة مؤخرا لهم صلات بـ(تجمع شباب البصرة المدني)، وهو مجموعة أسسها متظاهرون شباب في 2014 لتنظيم الاحتجاجات في المدينة. وقد قرر أعضاء التجمّع مؤخرا تشكيل حزب سياسي جديد للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقررة في يونيو/حزيران 2021».
وقال أحد الأعضاء التجمع الشبابي: «من وقتها، وحسابات مجهولة على فيسبوك تشن حملة تشهير ضد تجمعنا، بما في ذلك وصفنا بمعاداة الإسلام لكوننا حركة علمانية» وزاد: ضربت «قوات التدخل السريع» (السوات) صحافيَّيْن على الأقل كانا يغطيان انتهاكات قوات الأمن في مظاهرة تُطالب بالعدالة حيال جرائم القتل».
في 14 أغسطس/آب، أطلق مسلحان ملثمان بملابس مدنية النار على تحسين أسامة علي (30 عاما) في شقته، فقتلوه وأصابوا شقيقه في ساقه. وحسب أعضاء التجمّع، علي، كان عضوا بارزا في التجمّع وعقد بانتظام اجتماعات للمتظاهرين في مكتبه في طابق تحت شقته، وفي 9 أغسطس/آب، اتهم علي في منشور على «فيسبوك» قائد شرطة البصرة الفريق رشيد فليّح بعدم حماية المتظاهرين والسماح للعصابات الإجرامية بالتجول في المدينة وقتل النشطاء والصحافيين.
وفي 16 أغسطس/آب، قال أحد أعضاء المجموعة إنه وأثناء عودته إلى منزله من جنازة علي حوالي الساعة 10 ليلا، لاحظ سيارة بيضاء بلا لوحة أرقام تلاحقه، لكنه تمكن من الهرب منها. وبين أن أحدهم طرق بابه بعد ساعتين، لكن عندما فتحه لم يرَ سوى سيارة تبتعد مسرعة.
هجوم موثق
في 17 أغسطس/آب، أوضح لوديا ريمون، وهي ناشطة على صلة وثيقة بأعضاء التجمّع، إن مسلحين مجهولين في سيارة بيضاء أطلقوا النار عليها وعلى صديقيها المشاركين في التجمّع الاحتجاجي، فهد الزبيدي وعباس الصبحي، خارج منزلها. وأضافت أنهم أصابوها بجروح في ساقها وأصابوا الصبحي في ظهره قبل تمكنهم من الابتعاد. وكانت سيارة المهاجمين مرئية في لقطات كاميرات المراقبة للحادث.
وفي 19 أغسطس/آب، أطلق مسلح مجهول على متن دراجة نارية النار على ريهام يعقوب، زعيمة حركة احتجاجية، خلال مغادرتها صالة الألعاب الرياضية بسيارتها، فقتلها وأصاب صديقتها، وكان ليعقوب صلات بالتجمع.
قال العضو الذي تعرّض للتتبع: «نحن مهددون. حذّرنا مسؤول أمني كبير أعرفه من أن مجموعتنا مستهدفة لكنه لا يعرف مِن قبل مَن. أنا الآن متوارٍ عن الأنظار».
حثت على كشف نتائج التحقيق… وحذرت من إسكات المعارضين
في 17 أغسطس/آب، وبعد الهجوم أمام منزل ريمون، أقال الكاظمي، قائد شرطة البصرة ومدير جهاز الأمن الوطني في المحافظة، وهو جهاز مخابرات يتبع رئاسة الوزراء. لكنه لم يُحل أي شخص في البصرة إلى القضاء على جرائم القتل، على حد علم «هيومن رايتس ووتش».
في 2018 في البصرة، أصابت قوات وزارة الداخلية عشرات الأشخاص وقتلت عديدين مستخدمة القوة المفرطة أثناء محاولتها تفريق المتظاهرين.
في 16 أغسطس/آب 2020، تجمع متظاهرون خارج منزل محافظ البصرة، مطالبين بالمحاسبة بعد مقتل علي.
قوة مفرطة
قال صحافيان حضرا الاحتجاج إن «عناصر مسلحين بزي قوات التدخل السريع ضربوهما بالهراوات الخشبية، وركلوهما، وصفعوهما عندما رأوهما يصورانهم وهم يضربون المتظاهرين ويطلقون الرصاص الحي في الهواء». وبينا أن «بعض المتظاهرين ألقوا الحجارة وزجاجات المولوتوف على قوات التدخل السريع وأضرموا النار في السيارات».
وأشارت إحدى الصحافيات إنها ذهبت إلى المحكمة في 18 أغسطس/آب وتقدمت بشكوى جنائية ضد قائد قوات التدخل السريع لضربها بعنف لدرجة تهتُّك طبلة أذنها، «من يومها، وحسابات غير معروفة على فيسبوك وإنستغرام تهاجمني وتتهمني بتلقي الدعم الأمريكي وتقديم أموال للمتظاهرين للتظاهر. إذا علموا بالشكوى الجنائية التي قدمتها، فلا أعرف كيف، إذ لم أنشر أي شيء عنها». ووفق قوله، هذا الهجوم وصل إلى حد المطالبة باغتيالها.
وتستمر الاحتجاجات التي عمت أنحاء العراق وبدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2019. وقد تسبب اشتباكات مع قوات الأمن في مقتل 560 متظاهرا تقريبا في بغداد ومدن جنوب العراق، وفقا لتقديرات الحكومة الاتحادية. وشكّل الكاظمي، عندما تولى منصبه في شهر مايو/أيار، لجنة للتحقيق في مقتل المتظاهرين، لكن لم تعلن اللجنة بعد عن أي نتائج بحلول أواخر أغسطس/آب. في يوليو/تموز، أعلنت الحكومة الاتحادية أنها ستعوض عائلات القتلى، وأنها اعتقلت ثلاثة من ذوي الرتب الدنيا في أجهزة الأمن. لم يمثل أي من كبار القادة أمام القضاء على حد علم «هيومن رايتس ووتش».
وفي 6 يوليو/تموز، اغتال مسلحون مجهولون على دراجة نارية المحلل السياسي البارز هشام الهاشمي أمام منزله في بغداد. كان الهاشمي على اتصال جيد بالنخبة السياسية في العراق، بما في ذلك رئيس الوزراء و(رئيس الجمهورية). قبيل مقتله، كان أغلب عمل الهاشمي مركزا على البحث بشأن انتهاكات «قوات الحشد الشعبي» وانتقادها، وهي تابعة رسميا لرئاسة الوزراء. رغم تعهدات الكاظمي، وعلى حد علم «هيومن رايتس ووتش» لم يُقبض على أي شخص بتهمة القتل ولم توفر السلطات أي شفافية بشأن تقدم التحقيق.
وحثّ تقرير المنظمة الحكومة الاتحادية على «نشر النتائج الأولية (فوراً) التي توصلت إليها لجنة التحقيق في مقتل المتظاهرين علنا، وتحديد جدول زمني واضح للتقرير النهائي للجنة» فضلاً عن الإعلان عن «عدد التحقيقات في سلوك القوات المسلحة المحالة إلى القضاء، بما يشمل أعضاء الحشد الشعبي، منذ بدء الاحتجاجات في 2019، بما في ذلك عمليات القتل الأخيرة. يجب أن تتضمن تفاصيل نتائج التحقيقات الأحكام والعقوبات الصادرة والمنفَّذة، وأي إجراءات تأديبية أخرى متخذة. ينبغي للحكومة الإعلان عن الخطوات التي تتخذها للتحقيق في عمليات القتل التي ارتكبتها جهات مسلحة غير حكومية والنتائج التي تحققت. ينبغي لها أن تعرض علنا جميع التدابير المتخذة حاليا لمنع الانتهاكات المستقبلية من قبل القوات المسلحة في سياقات الاحتجاج».
وقالت والي: «يبرز الاستهداف المتجدد للمتظاهرين في البصرة استمرار مناخ الإفلات من العقاب وجهود الجهات المسلحة لإسكات المعارضين. إلى أن تحاكم السلطات بشكل صحيح عمليات القتل المروعة هذه، يخاطر المتظاهرون بحياتهم كل مرة يخرجون فيها إلى الشوارع».