رايموند وليامز… رائد النّقد الثّقافي في الفكر الغربي

مما لاشك فيه أنّ الحديث عن ظاهرة نقدية مهمة، في النّظرية الأدبية مثل الدّراسات الثقافية والنّقد الثقافي، تتطلب العودة إلى أهم النّقاد المعاصرين، الذين نضّجوا المفهوم وطوروه تنظيرا ونقدا، غير أنّ أشهرهم في الثّقافة الغربيّة ـــ الأسبق لهذا النّمط النّقدي ـــ ثلاثةُ نقاد ذوو تأثير كبير في هذا المجال هم، تيري إيغلتن وفردريك جيمسون وإدوارد سعيد، الذين شكلوا مع بعضهم مجموعة خاصة يمكن أن أسميها (مجموعة النّقد الثقافي المعاصر) في المدرسة الأنكلو/أمريكية، وهو ما أكدته في مؤلفي الجديد عن النّظرية النّقدية الغربيّة؛ لما تبنوه من رؤى ومفاهيم ما بعد حديثة، في النّزوع نحو الإبداع والفكر والثّقافة بعامة، ولاسيما النّقد الثّقافي، وهي مجموعة انطلقت أو أكملت الطريق الوعر الذي جربه من قبلُ نقاد سابقون لهم، فمن كان صاحب الرّيادة في هذا المجال؟ وكيف استطاع تحويل المنهج النّقدي إلى رؤية مغايرة؟

لا نغادر الصواب إذا عددنا النّاقد والرّوائي والسّياسي رايموند وليامز، ممثلا ورائدا لحقل الدّراسات الثّقافية والنّقد الثّقافي، وتتمظهر البداية المهمة والمبكرة له مع كتابه «الثقافة والمجتمع».

ولعلنا لا نغادر الصواب إذا عددنا النّاقد والرّوائي والسّياسي رايموند وليامز، ممثلا ورائدا لحقل الدّراسات الثّقافية والنّقد الثّقافي، وتتمظهر البداية المهمة والمبكرة له مع كتابه «الثقافة والمجتمع» (1956)، الذي انطلق فيه من أهمية الكلمة/اللغة في تسويغ نوعية الثقافة، ولاسيما بتأثير الثّورة الصناعية الناشئة في أوروبا حينها، وقد اختار مُنْطَلقا لكتابه هذا، خمسَ كلمات راسخة في مجتمعه؛ بسبب التّحولات الثّقافية والسّياسية والصناعية، مبينا مدى رسوخها، بوصفها كلمات متداولة ومؤثرة في ثقافة المجتمع، وهي (صناعة، ديمقراطية، طبقة، فن، ثقافة)، مؤكدا أنّ دراسته معنية ليس بتمييز المعنى فقط، بل بارتباطها بمصادرها ومؤثراتها، ففي حديثه مثلا عما سمّاه (الفنان الرومانتيكي)، يرصد التّناقض الحاد لدى مشاهير الشعراء مثل: بليك ووردزورث وشيللي وكيتس وكولردج، بين عنايتهم بالجمال وإحساسهم الذّاتي وبيئتهم الاجتماعية، منتقلا من خلال ذلك إلى قضايا جوهرية في سوسيولوجية الأدب والنّقد، مثل علاقة الشّاعر/المؤلف بقرائه الحقيقيين، وعلاقة الإنتاج الأدبي بالسّوق، كما لاحظنا في ما بعد من ظهور عناية كبيرة لهذا الاتجاه السوسيو/اقتصادي، في إدراك تحولات الكتابة الأدبية وانتشارها، مع سوسيولوجيين آخرين مثل إسكاربيت وغيره، وبالعودة إلى وليامز الذي دعم نظريته ضمن حديثه مع عالم الاقتصاد الأمريكي الشهير آدم سميث، مبينا أنّ المثقف إنّما ينتج سلعته الأدبية ويوردها للسوق الثقافي، كما تنتج البضائع التّجارية الأخرى، أو ما أطلق عليه (نظام النشر التجاري)، محيلا ذلك إلى الظروف السّوسيو/اقتصادية التي روجتْ للرواية أو الشعر، وهو أمر راسخ لديه في هذا الكتاب، ما جعله يدرس تحت عنوان (الرّوايات الصناعية)، مؤثرات الثّورة الصّناعية ومفرداتها وأثرها في الرّواية، من خلال شيوع ثيمات خاصة بالطبقة العاملة والمدن الصناعية وظهور الآلة البخارية وغير ذلك، مما حاول رصده في روايات شهيرة وقت نشرها، مثل رواية «North And South – 1855» لمسز جاسكل ورواية «Hard Times – 1854» لديكنز، وكما يبدو جليا لقارئ كتابه «الثقافة والمجتمع» أنّ في منهجه هذا، فضلا عن الرّؤية الثقافية التي اشتهر بها في تحليل النّصوص، ركونا لنظرية الانعكاس ومقولاتها، التي تحيل الأدب لواقع مباشر، أثر بالضرورة في بنيته الجمالية، كما ظهر عند لوكاتش وغيره من النّقاد والمفكرين الماركسيين، ولاسيما أنّ زمن تأليف الكتاب في خمسينيات القرن العشرين، أي مع نضوج الفكر الماركسي وانتشاره في أوروبا، وهو ما تحقق فعلا بشكل أكثر وضوحا في فصول لاحقة منه مثل: «الفن والمجتمع»، و«الماركسية والثقافة»، ليتأكد من ذلك أنّه يرصد الثقافة، وفق علاقتها بتطور المجتمع الحديث عبر التأريخ، على افتراض أنّه يوجد تشابك قوي، بين الأحكام الجمالية بوصفها ممثلة لهذه الثقافة، وطريقة الحياة بوصفها ممثلا شرعيا للمجتمع الحديث، لذلك غدت الثّقافة في منهجه تقليدا فكريا لا ينفصل عن المجتمع، ولا يتطابق معه في الوقت ذاته، فهي عندما تمثل نقدا للحياة الاجتماعية على أحد المستويات، تتواطأ معها على مستوى آخر، وهو ما عرف في الثقافة الإنكليزية الحديثة بـ(الثقافة والمجتمع)، وهذه نتيجة معرفية سبق أن أكدها رايموند وليامز في كتابه سابق الذّكر «الثقافة والمجتمع».

يبدو جليا لقارئ «الثقافة والمجتمع» أنّ في منهجه، فضلا عن الرّؤية الثقافية التي اشتهر بها في تحليل النّصوص، ركونا لنظرية الانعكاس ومقولاتها، التي تحيل الأدب لواقع مباشر، أثر بالضرورة في بنيته الجمالية.

غير أنّ وليامز لم يبقَ ذلك الماركسي العقائدي، في نزوعه للنص ومحاولته إعادة الثقافة، إلى كل ما هو واقعي/سوسيولوجي مباشر، فقد أنتجت رحلته الطويلة مع ثقافات الشعوب والمجتمعات، وعيا جديدا لديه؛ أفرز بالضرورة إدراكا مغايرا للغة بوصفها المنتج الحقيقي للنص وللثقافة بشكل عام، من هذا المنطلق يجتهد في تأليف كتابه المعجمي المهم (Keywords – 1979)، الذي حاول فيه استثمار الأسلوب ذاته المتبع في كتابه السّابق الثقافة والمجتمع، باختيار كلمات مفاتيح يعمل من خلالها، على فتح مغاليق العلاقة الشّائكة بين الثّقافة النّصية والثّقافة المجتمعية، لكن بوعي مغاير يفهم اللغة برؤية أكثر عصرية، وذات تداخل واضح مع طروحات النّصية البنيوية، مع عدم إهدار لمفاهيم السوسيولوجيا التي تربى عليها وعيه النّقدي والأدبي؛ لهذا لا يتوانى من التّصريح في مقدمته، بأنّ اللغة لا تعكس قضايا المجتمع والتأريخ فقط، لأنّ حقيقة الأمر يتحدد بأنّ هذه القضايا تتبين عمليا داخل اللغة نفسها وليس من خارجها، بأساليب وطرائق تتكامل خلالها مشاكل المعاني اللغوية ومشاكل تلك القضايا معا، مما يؤدي إلى أشكال مختلفة لم تكن معهودة سابقا، بمعنى أنّه لا يمكن إلغاء مشكلة المعنى تماما في السياق، لأنّ الكلمة لديه تندرج ضمن منهجية معقدة في سياقها الثقافي والسوسيولوجي، وهو أمر سبق أن رصدته هذه الدّراسة مع المفكر والناقد الرّوسي ميخائيل باختين، وعليه فقد اتخذ لمعجمه هذا كلمات متباينة في جذرها الثقافي ما بين الأدب والمجتمع، مثل: جمالي، فن، نقد، رواية، أدب، بورجوازي، سلوك، حضارة، طبقة وغير ذلك مما له دلالة قريبة من منهجه المعرفي في إدراك اللغة، ففي حديثه على جذور كلمة (criticism ـــ نقد) مثلا، لا يكتفي بتتبعها جماليا ضمن علاقتها بالصنعة الجمالية للأدب، بل راح يبحث في تداوليتها السوسيولوجية، وكيفية استعمالها لأغراض اجتماعية وإنسانية عامة، فعند حديثه على الجذر المأخوذ من الكلمة (critical ــــ نقدي)، ينطلق من المعنى الأقرب للكلمة المحدد بصنعة التّعليق على النّصوص الأدبية، ليصل إلى التّعبير الطبي الدّال على نقطة تحول حاسم في الحالات الميؤوس منها، من هنا يؤكد أنّ كلمة نقد أصبحتْ (أيديولوجيا) بوصفها تعبيرا عن تعميم سوسيولوجي أو مهني لعمليات التلقي لأي نمط من أنماط الاتصال، وفي حديثه عن كلمة (Dramatic ــــ دراماتيكي) يرصد التّحول اللافت في المعنى، من الاستعمال الأصلي في الفن، إلى الاستعمال الأشمل الدّال على وصف أحداث وأوضاع فعلية، من خلال تشابه فكرة (الدهشة) التي يولدها عند متلقيها الفعل الفني والواقعي معا، وهكذا بالنسبة لكلمات مجاورة مثل سيناريو وتراجيدي وغيرها، مما تجتمع فيها مشاهد الحياة والفعل السوسيولوجي، وهي ذات دلالة جمالية فنية في الأصل .

رصد التّحولات الثقافية ضمن المجتمع التقني الصاعد، وعلاقة المنتوج الإبداعي بالتكنولوجيا، برؤية مستقبلية تعلم أين تتوجه الثقافة.

إذن ما سبق ذكره جميعا عن مشروع رايموند وليامز الثّقافي، يؤكد تحوله المعرفي والفكري بالمنهج السّوسيولوجي، من كلاسيكية الفكر إلى حداثته الواعية بالمفهوم السوسيو/ نصي، الذي ينظر للنص نظرة مغايرة، ويؤمن بأنّ البنية واللغة قادرتان على أن تنتجا واقعهما الثقافي الخاص، حتى في حالة الانتقال من الرّؤية التّقليدية إلى الرّؤية الحديثة، ولاسيما أنّه يعيد الحداثة إلى جذور سوسيو/اقتصادية مرتبطة بطبيعة المجتمعات الرّأسمالية النّاشئة في أوروبا، بمعنى، يؤول هذا النّاقد شكل البنية الجديد/الحديث المكتسب بفعل تحولات الحداثة مثل: فقدان الرّوابط ذات الدّلالة، وفي حالة الإعلانات والسّينما الصور الغريبة والغامضة، والانقطاعات في السّرد، وشكل البطل المنعزل وحيدا، فضلا عن طبيعة المأساة ونظريتها في العصر الحديث، التي وجد أنّها تمثل الشكل الثقافي الحديث، راصدا من خلال ذلك عوالم مسرحية مختلفة، مسلطا الضوء على مآسي الطبقة البورجوازية أو ما أطلق عليه (المأساة الليبرالية)، ويبدو أنّ تأثيره سيكون واضحا في ما بعد على تفكير تيري إيغلتن، ولاسيما في كتابه «العنف الجميل ـــ فكرة المأساوي»، الذي أراد فيه إيجاد توجيه مغاير لمآسي العصر الحديث، وعليه فقد وعى من خلال هذه الرّؤية الحديثة، الفنون المختلفة للثقافة بمختلف أجناسها، ليصل معها إلى تحولات ما بعد الحداثة، مع إشارات أولية دالة على العالم الافتراضي وعلاقته بالإبداع، كما فعل من قبلُ والتر بنيامين في مقاله الشّهير «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنيا»، إذ عمل على رصد التّحولات الثقافية ضمن المجتمع التقني الصاعد، وعلاقة المنتوج الإبداعي بالتكنولوجيا، برؤية مستقبلية تعلم أين تتوجه الثقافة، في عصره ومجتمعه شديد التّغير والتّأثير بالنتاج الثقافي بشكل عام، ولعل ذلك ما رسّخ مشروع هذا النّاقد الثقافي، وجعله في مصاف النّقاد العالميين، الذين عملوا على تأويل المنتوج الثقافي برؤية سوسيو اقتصادية ثابتة ومعاصرة وهو ما أكد عليه كثيرا في كتابه الأخير «طرائق الحداثة» .

٭ ناقد وأكاديمي من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية