د.توفيق قريرة كانت تمشي بين جحافل الناس و لا يراها أحد غيري .. كانت تبطئ في خطاها و كان الناس من حولها يحثون الخطى لا يلتفتون إليها .. كانوا كأنهم يسابقون قدرهم ليصلوا قبله . و كانت أقدارهم تلهيهم في كل منعطف و تصل قبلهم.. أمّا هي فكانت الوحيدة التي لا تأبه بهذا السباق بين الناس و أقدارهم.. جاءتني فكرة شيطانية قلت: عليّ أن أكون قدرَها ، تسابقني و أسابقها.. سرت حذوها الظلّ يحتك بالظل و الكتف يلامس الكتف ..سَلَّمْتُ .. فلم تأبه لصوتي .. صوتي هو الذي لم يخرج من منابعه حُرّا ..خرج مترنحا ..أعرج فلم تسمعه.. أرسلتُ من جديد صوتا أقوى لم أستطع أن أجعله متماسكا .. فالتفتَتْ .. و سلمت .. أرخت لي عنان عينيها فركبتهما .. لكنهما سرعان ما أسقطاني كما تُسقط فرسٌ جموح فارسا تعود على سهل المطايا.. دخلتْ أوّل مغازة ثياب راقية فدخلت وراءها.. اتجهت عكس انتظاراتي إلى قسم ملابس الرجال .. فتبعتها .. كنت مزهوا لأنها كانت تقف في عالم من اللباس يخصني ..كانت كأنها في مملكتي .. هيأت نفسي كي أعينها على أن تختار لباس بعلها أو خطيبها أو حبيبها أو من ملكتْ أيْمَانه .. اتجهتْ رأسا إلى رباطات العنق .. إلى نقطة ضعفي .. أنا أكره رباطات العنق .. لا أعرف حتى كيف تنعقد.. لم ألبس يوما ربطة من الرباطات .. كانت عنقي غير مغلولة ..أردتها مرسلة .. تذكرت يوم كنت في حفل كبير هناك في بلاد بعيدة ..اشترطوا أن يضع المدعوون فيه لباسا راقيا .. لبست ثيابا تقليدية تمثل بلدي .. لم يكن في لباس بلادي أي رباط للعنق أو الرجل أو اليد .. كان كل شيء فضفاضا واسعا .. استحسن الناس لباسي لكنهم لم يدْعوني بعد ذلك إلى حفلاتهم.. انتبهت إلى جميلة الصدفة وهي تكلمني: هو بطولك بالضبط ..و رقبته كرقبتك ..تعال ما دمت تلاحقني كظلي أقيس بعض الرباطات عليك.. قلت : لك رأسي و عنقي و طولي و عرضي .. قيسي كما شئت.. تقدمت منا البائعة وقالت : لما رأت مرافقتي تضع الرباط حول عنقي: ما كل هذه الأناقة يا سيدي ؟ و قالت لمرافقتي: زوجك يقتل يا سيدتي .. ابتسمت لها .. و ابتسمت مرافقتي لي .. قلت للبائعة : أجل إنها تقتل.. ففهمت البائعة أن عيني على صاحبة الصدفة.. كانت تضع حول عنقي الربطة تلو الربطة حتى جمعت خمسا منها عقدتها الواحدة فالواحدة حول عنقي..ظلت تنظر ، تقرّب قي نظرها و تبعد؛ و أحيانا تجذبني من إحدى الرباطات فأنجذب بيسر إليها ؛ و تمرر أحيانا أخرى بيدها على طول الرباط المرسل من على رقبتي إلى صدري و تتبع تكوير بطني.. و أنا منسجم مع الدور ملتحم بالرباط و عيني تكاد لا تغادر هذه المرأة التي أردت أن أكون قدرها فصارت قدري يجذبني كرة و كرّة يدفعني.. بعد مدة ليست بالمديدة اقتنت خمسة رباطات .. نزعت عن عنقي أربعة و تركت أحدها معقودا حوله .. قبلتني و قالت : هذه هدية مني إليك.. كنت في هول من المفاجأة لمّا اقتربت مني البائعة و قالت لي بصوت خافت : السيدة مرافقتكم خرجت .. ألم تفطن؟ قلت كمن يداري غفوة : أعلم .. أعلم .. و قبل أن أغادر المغازة رأيتني في المرآة رجلا آخر .. رجلا برباط جميل ساحر كأنما بدّلت بالرباط خَلْقا آخر بخلقي القديم : عاد الشعر إلى رأسي حريريا و صرت نحيلا و أكثر طولا و بدلت من القميص الملوّن آخر أنيقا ووحيد اللون.. و من الدجينز بنطلونا مستويا مستقيما ..و العطر حتى العطر صار آخر يرمي بشذاه خارج المغازة .. التفتت إليّ البائعة و قالت : أنت تقتل يا سيدي.. نظرت إليها بثقة و لم أجبها سارت ورائي تريني طريق الخروج.. وجدت سيارة سوداء تنتظرني أمام المحل و امرأة جميلة أخرى في السيارة.. قفز السائق و فتح لي الباب ؛و أمّا الجميلة ففتحت بابها لما رأتني ؛ و مسحت على شعري و على كتفي و قالت : أنت تقتل يا سيدي .. لقد أحسنت السيدة اختيارا.. ماتت الأسئلة القديمة التي كانت لي في حلقي ..جفّ سيل الكلمات الذي كان يتدفق من باطني قبل حين..صرت أضيق بالكلمات و بمنتجيها.. بدا الصمت لي أعظم ..و بتّ أومن بأنّ الكلمات هي زاد من لا زاد له ..و أنّ الأسئلة و إلحاحها على أصحابها شيء سخيف.. و أنّ الوثوق في النفس هو الذي يزن الكلمات موازينها الحقيقية : بأقل عدد و بأكثر حدة تأمر و تنهى لأن الكلمات تمضي حين تخرج من حلقك كالسهم في أذن سامعيها..على آذانهم أن تعطش للكلام و لا تجود عليهم إلا بأبعاض الحركات..دار هذا كله في خلدي و أنا أجلس في السيارة الفارهة و أراقب الطريق الجديد الذي تقطعه ولم يكن بصري ليتوقف عن مراقبته إلا ليلقي من تحت النظارة السوداء بنظرة خفيفة إلى سكرتيرتي التي ترتب مواعيدي و تعلم بأني في الطريق مرة ؛ بأني في المطار مغادرا أخرى ؛ و ثالثة بأني في المطار قادما و رابعة بأني في جلسة عمل في بلاد الأجسام الصفر أو الحمر أو السود أو القمحية .. و أنا لا أبالي بكل ذلك رغم أني لا أعلم و أقول واثقا قريبا أعلم السر و ما يخفى..لمّا دخلت السيارة بناية ضخمة و انفتحت أبوابها جاءني علم بكل شيء .. امتلأت ذاكرتي شيئا فشيئا بمعلومات جديدة عني و عن شبكة علاقاتي.. و مُحِيَتْ معلومات أخرى عن هويتي القديمة .. بتّ أعرف الآن عن جلدتي و عن نسبتي و عن عطري و نسائي و رجالي و قبيلتي الجديدة و عن كل شيء في كل مكان..و بات الزمن ثقيلا عليّ ؛ لكنّه بات صديقي؛ و الأشياءُ الرفيعة ضاقت بها ذاكرتي لكنّها باتت صديقتي ..و النساء صرن يحاصرنني لكني بتّ أجد لهن أوقاتا.. و العطور تزاحمت على خياشيمي و لكني بتّ أعرف كيف أوزعها.. و الخمور؛ و العُمْلات ؛ و الإمضاءات؛ و جوازات السفر؛ و ناطحات السحاب؛ و النزل الفخمة ؛و السيارات الفارهة؛ و قصور الأغنياء.. كل شيء من ذلك صار لي صديقا.. لكنّ شيئا واحدا لم أستطع أن أصادقه و ظللت أهابه؛ و حافظ هو على مسافة الأمان التي بيننا هو رباط العنق.كانت تلك السيدة التي قابلتها في الطريق إلى المغازة هي الوحيدة التي تنزع عني الربطة و تبدلها بأخرى و بأخرى .. لم يكن مسموحا لي بأن ألمس الربطة و لا حتى أفتحها قليلا لأتنفس .. كان ذلك يعد عندها و جماعتها كفرا و زندقة .. لم يعد من حقي أن أشكو من الاختناق الذي أشعر به يوما بعد آخر .. كانت ربطتها الأولى خفيفة فأحببتها ؛ لكنها باتت تعقد الربطة أكثر حول عنقي .. لم يكن مسموحا لي بأن أحدّق حتى في يدها و هي تعقد لي الرباط .. كانت الأوامر تصدر بأن أخفض عيني إجلال ريثما تنهي عملها.. كنت أسترق النظر إلى فخذيها فيخففا عنيّ ألم العقْد.. و بعد أن تنصرف أحدق و بسرية مطلقة في مؤخرتها .. و عندها يذهب كثير من الألم.. صرت بعد كل عقدة أنال وخزة إبرة قالوا إنها دواء يذهب بالألم.. ألم العقد.. مازلت أرتقي و أرتقي و يأذنون لي بالكلام و يجمعون لي الناس إلى أن صرت زعيما لبلادي. يوم الجلوس على العرش خطبت فيهم كما لم يخطب أي ّ أحد من قبل : فلت لهم : اسمعوا و عُوا و الرّباطات و ما أدراك ما الرباطات البسوا و لا تنزعوا .. عقدها بلسم و شدّها مرهم .. و إذا اختارت لك يد رباطا .. احذر أن تتكلم ..أو تجمجم..و قلت في خطاب العرش: هل أعناقكم عاتقتكم من غير رباطات.. لا تحنوا رؤوسكم إلا لها ..إنها غسالة الذاكرة و طاردة من أذهانكم الشياطين الماكرة… و حين صفقوا .. قلت لهم: للرباطات كل الإجلال .. و بعد الخطاب غيرت شعارات البلاد و أعلامها و دساتيرها بحيث أصبح للرباطات المكانة التي تليق بها..و في ليلة من الليالي نادتني مولاتي التي بيدها حل الرباطات و عقدها و قالت لي : يمكنك اليوم أن تنظر إليّ كما كنت تشتهي في سرك .. شعرت بيدها تنزع الرباط اقتربت مني تأملتُ وجهها كانت التجاعيد مكتوبة عليه بخطوط عرجاء.. و كان شعر رأسها خفيفا فتبدو كالصلعاء.. و كان على خديها شعر مبعثر كنبات الشوك في كثبان رمل رسمت فيه الريح آثار عبورها .. استنكفت من مواصلة النظر إليها.. انتظرت أن تغيّر لي الرباط …لكنها حملته و غادرت مجلسي .. تأملت مؤخرتها و هي خارجة كانت عظاما بارزة.. صحت فيها :ارجعي الرباط .. قالت: لم يعد يناسبك لبسه.. التفتّ حولي فإذا أنا أسير وحدي في شارع مكتظ يسير فيه الناس كأنما يسابقون أقدارهم و غير بعيد عنهم شابة جميلة تسير .. و لا تحث الخطى كما يحثون .. لا أعلم أين رأيت هذه الشابة من قبل .. أسرعت لأسألها من تكون .. لكنّ رجلا آخر غيري سار إلى جانبها ظله يلامس ظلها و كتفه يلامس كتفها..تأخرت قليلا ..تركت له المجال .. و تركت لذهني يفتش في خزائنه عمّن تكون تلك الفتاة.. عمّن أكون أنا بالنسبة اليها؟’ كاتب من تونس