ربطة عنق حماس

حجم الخط
0

د. عبدالستار قاسم

هل لاحظ القارئ أن السيد إسماعيل هنية، رئيس الوزراء الفلسطيني، يظهر بربطة عنق وبدلة رسمية؟ وهل لاحظ أنه استقل سيارة حديثة إلي مقر الرئيس الفلسطيني عندما قدم قائمته بأسماء وزارته؟ هذا المظهر لا يقتصر علي السيد هنية، وإنما يشمل القيادات الحمساوية. حضرت إحدي جلسات المجلس التشريعي الفلسطيني، وتفحصت المظاهر جيدا فلم أر من أعضاء حماس من هو بدون ربطة عنق وبدلة رسمية وفق المعايير الغربية.

هذه ملاحظات لا تمر بإهمال لأنها تحمل معاني سياسية عدة. طبعا هنا لا نريد استقبال حماس بإساءة الظن، وإنما نحاول قراءة السلوك السياسي المستقبلي. ربطة العنق والبزة الرسمية تشكلان في حالات سياسية معينة رمزين للاستقرار ورسمية التعامل في ردهات العمل الدبلوماسي، بينما يشكل القميص غير المخنوق والمعطف غير الرسمي في حالات أخري رمزين للاستنفار والاستعداد المستمر للبقاء في الميدان. قادة الدول المستقرة يرتدون عادة الملابس الرسمية في المناسبات الرسمية، أما قادة الثورة أو الدول التي تواجه عدوانا أو تخوض حربا فيرتدون عادة زيا غير رسمي أو بزات عسكرية. هذه ليست قاعدة مطلقة، لكنها في الغالب موجودة.

لم يرتد كاسترو الملابس الرسمية الاستقرارية إلا بعد أن أخذ العمر منه أمدا طويلا، أما قادة كوريا الشمالية فما يزالون مستنفرين. استمر قادة الصين في ارتداء الملابس البسيطة حتي اطمأنوا إلي أوضاع بلادهم الاقتصادية والعسكرية. أما رؤساء إيران فلم يذهبوا إلي الملابس الغربية الرسمية واستمروا في ارتداء لباس رجل الدين المسلم، إلا الرئيس نجاد الذي يحافظ علي ارتداء ملابسه الطالبية. الرئيس شافيز يدمج وينوع، وكثيرا ما يظهر بملابس بسيطة تحاكي هموم الناس الاقتصادية والاجتماعية.

تعبر الملابس البسيطة التي يرتديها القادة في كثير من الأحيان عن ثورية أو إصرار علي مواصلة النضال من أجل تحقيق مصالح وطنية عليا أو عن القرب من عامة الناس. هذا لا يعني أن كل الذين يرتدون الملابس الغربية الرسمية في الطرف الآخر من المعادلة، وإنما من الممكن أن يكون القائد الأنيق أكثر قربا من عامة الناس من آخرين يظهرون بمظاهر متواضعة. لكن المهم هنا هو ذلك الشخص الذي يمكن أن يكون قائد حزب أو قائد رأي ويغير مظهره فجأة بمجرد تسلم منصب حكومي رسمي. فمثلا ماذا كان يمكن أن يكون رد فعل الناس الذين اعتادوا علي الرئيس الإيراني بمظهر معين أثناء حملته الانتخابية، وشاهدوه بعد فوزه بمظهر مختلف وبسيارة مرسيدس فارهة؟ بالتأكيد هم سيقارنون بين كلامه بالأمس وسلوكه بعد أمس، ولن يتركوه بدون تندر أو عدم استحسان.

في الحالة الفلسطينية، حاولت قيادة حركة حماس أن تتخذ خطوات سياسية ومظهرية عدة من أجل استخدامها كرسائل للذين ساءهم فوزها. لقد خففت من لهجتها الثورية بصورة كبيرة، وأخذت تستعمل لهجة دبلوماسية، وفاوضت منافسيها الفلسطينيين الذين يقبلون بالاتفاقيات مع إسرائيل ويدافعون عن العودة إلي طاولة المفاوضات، وأدارت ظهرها لأصدقائها الذين يتفقون معها في برنامجها السياسي، وأعلنت أنها مع استمرار التهدئة وأوقفت العمل العسكري بدون إعلان، وارتدت ربطة العنق.

أذكر هنا أن الأمريكيين طلبوا من جميع الوفود التي شاركت في مؤتمر مدريد عام 1991 ارتداء ملابس، ليس رسمية فقط، وإنما مناسبة أيضا للحفلات. عدد من أعضاء الوفد الفلسطيني ظهروا بمظهر غريب لأن الشعب الفلسطيني اعتاد عليهم بملابس ميدانية تتناسب مع ظروف الشعب الواقع تحت الاحتلال. كان يدرك الأمريكيون الوقع النفسي للملابس الاحتفالية، وكانوا معنيين حتما بإعادة صياغة الاستعداد النفسي للفلسطينيين. من المهم بالنسبة لهم، أن يتحول الذين أكلت السجون من أبدانهم إلي منعمين تطيب لأجسادهم فرشات (مراتب) الفنادق الفخمة فيصبحون مدجنين.

ربما من المهم أن تدرك حماس أن هذا الإقبال الحمساوي علي ربطات العنق قد لا ينطلي علي أمريكا وغيرها. بالنسبة لي كمراقب، أنظر إلي المسألة كنتاج أمر متعمد وليس مجرد خيارات شخصية، وإذا كان كذلك بالفعل فإن الطرف الآخر سينظر إلي المسألة علي أنها مجرد تمثيل لا يعبر عما في داخل النفوس. تنتظر كل الأطراف الضاغطة علي حماس تغييرات جوهرية علي البرنامج السياسي للحركة، وهي لن تكتفي بتغييرات شكلية.

ربما تنطوي المسألة علي خطر داخلي من حيث أن الحركة تبعث برسائل سلبية إلي مؤيديها وتفتح نوافذ لمنافسيها للهجوم عليها. إذا بدت علي حماس علامات البذخ فإن خسائر في تأييدها الشعبي ستلحق بها. ومن المهم أن تسأل نفسها باستمرار حول الفوائد التي يمكن أن تجنيها علي المستوي الخارجي من خطوة معينة تتخذها في مقابل الأضرار التي يمكن أن تلحق بها علي المستوي الداخلي. والقاعدة العليا يجب أن تكون دائما: صلابة الوضع الداخلي لها أولوية علي كل الاستحسان الخارجي. من الخطورة بمكان الجري وراء متطلبات الخارج دون الالتفات إلي المزاج الداخلي. القائد القوي قوي بشعبه، وهو ضعيف إذا التفت كل الأمم حوله وانفرد شعبه ضده. ولنعتبر، أمم كثيرة وقفت مع حركة فتح، لكن ذلك لم يمنع شعبها من أسقاطها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية