ربط النقد بالدولار: نعمة ام نقمة؟

حجم الخط
0

د.

لويس حبيقة

هنالك دول عديدة تربط نقدها بالدولار بشكل ثابت كما هو الحال في بعض دول الخليج، او بشكل يشبه الثابت كما هو الحال في لبنان. من فوائد هذا القرار استيراد السياسة النقدية الحكيمة للمصرف المركزي الامريكي الي المنطقة العربية حيث المؤسسات ضعيفة وتفتقد الي الشفافية والفعالية. من مساوئها ان السياسة النقدية الامريكية تحدد تبعا لمصلحة الاقتصاد الامريكي التي ربما لا تتناسب او تتناقض حتي مع مصالح دولنا. اختيار النقد الرئيسي الذي يجب ربط النقد الوطني به هو في غاية الاهمية. لماذا الدولار وليس اليورو او الين او الليرة الاسترلينية او سلة من العملات؟ لا بد وان يرتكز القرار علي قوة وعمق وتاريخ العلاقات الاقتصادية بين الدول. لا يمكن اتخاذ قرار بهذه الاهمية الا بعد درس اوضاع العملة الرئيسية التي يجب ربط النقد الوطني بها. يجب درس صحة ومستقبل الاقتصاد الاجنبي الذي نربط نقدنا به. هل تمت دراسة كل هذه العوامل قبل الشروع في ربط عملاتنا العربية بالنقد الامريكي او غيره؟ ان ربط النقد بعملة اجنبية رئيسية يتعدي المصالح النقدية ليصل الي حدود الاقتصاد العام.

واقعيا معظم النقد الثابت مرتبط بالدولار، لان اليورو حديث والعملات الاخري لا تفي بالغرض. لليورو مستقبل كبير اذ ظهرت، علي عكس معظم التوقعات، قوته في الاسواق التي تعكس نشاط الاقتصاد الاوروبي. نجح البرنامج المشترك الذي وضع في البرتغال في سنة 2000 في توسيع الاسواق الاوروبية وتحفيز التنافسية. يركز الاتحاد الاوروبي اكثر فاكثر علي النمو والبطالة كما علي كل التشريعات التي تدعم شفافية المؤسسات والشركات. نجح ايضا المصرف المركزي الاوروبي في تحقيق استقرار الاسعار (نسب تضخم سنوية لا تتعدي 2%). كما ان التوقعات بشان التضخم مستقرة وهذا في غاية الاهمية. اما الفوائد الاوروبية الطويلة الامد فهي منخفضة مما يشجع علي الاستثمارات. تتعمق الاسواق المالية الاوروبية مما يعطي فرصا اكبر للمودعين والمستثمرين ويسمح بتوزيع المخاطر المالية بفعالية علي الراغبين.

تنبع قوة الدولار من صحة الاقتصاد الامريكي. كيف يمكن وصف اوضاعه؟ بلغ عجز ميزان الحساب الجاري الامريكي ما بين 850 و 875 مليار دولار في سنة 2006 او حوالي 7% من الناتج (مقارنة بعجز 3,4% من الناتج في منتصف الثمانينات). ارتفع العجز في السنوات الاربع الاخيرة بحوالي مئة مليار دولار سنويا. هذا يعني ان علي الولايات المتحدة استيراد 4 مليارات دولار كل يوم عمل لتمويل العجز الخارجي. هل تجد دائما من يقرضها وباي سعر؟ تستثمر الولايات المتحدة دوليا ما بين 500 والف مليار دولار سنويا. كي تستمر في ذلك، يجب التوقع ان هذه الاستثمارات تعطي عائدا يوميا لا يقل عن 4 مليارات دولار. مجموع حاجات امريكا الخارجية اليومية تقارب اذا 8 مليارات دولار. اذا استمر هذا الواقع الاقتراضي، لا بد للدولار من ان ينخفض وترتفع تكلفة السلع والخدمات المستوردة وتزيد نسب الفوائد. تسوء عندها اوضاع اسواق العقارات والاسهم الامريكية مما يسبب ركودا.

يعجز ميزان الحساب الجاري الامريكي بفضل العجز التجاري الكبير الذي بلغ مع الصين وحدها حوالي 230 مليار دولار في سنة 2006. تقوم امريكا اليوم بمقاضاة الصين في منظمة التجارة العالمية لاستمرار الصين في دعم صناعاتها. تطالب امريكا الصين برفع سعر صرف نقدها بحيث تخف الصادرات وتزيد الواردات. بلغ فائض ميزان الحساب الجاري الصيني 250 مليار دولار في سنة 2006 او 9% من الناتج. يسيء هذا الجو المتشنج بين امريكا والصين الي امكانية التوصل الي اتفاق تجاري دولي جديد اي انهاء جولة الدوحة من المفاوضات.

يمتلك غير الامريكيين حوالي 2,2 الف دولار من سندات الخزينة الامريكية اي 52,3% منها (تزداد هذه الحصة من سنة الي اخري). 60% منها او حوالي 1,32 الف مليار دولار هو في حوزة المؤسسات الاجنبية الرسمية وخاصة المصارف المركزية. في آخر سنة 2006، توزعت سندات الخزينة في الخارج علي اليابان (15,7%) والصين (8,4%) وبريطانيا (5,1%) ومجموعة الدول المصدرة للنفط (2,6%) وكوريا الجنوبية (1,7%) وتايوان (1,6%). تظهر الارقام مدي ارتباط الاقتصاد الامريكي وصحة الدولار بالاقتصاد الاسيوي. بالاضافة لما سبق، يملك غير الامريكيين حوالي الف مليار دولار من السندات الصادرة عن الوكالات الرسمية المستقلة اي حوالي 15% من المجموع. ان صحة الدولار مرتبطة الي حد بعيد برغبة الاجانب في الاحتفاظ به، خاصة مع وجود منافس حالي قوي هو اليورو.

بخصوص الاموال النفطية، تشير الدراسات الي ان معظمها يتوجه بطريقة او اخري الي الولايات المتحدة. تحقق الدول المصدرة للنفط ايرادات وصلت في سنة 2006 الي 960 مليار دولار. في وجه الاقتصاد الامريكي العاجز، لا بد وان ياتي التمويل من اليابان والصين والدول النفطية. بين سنتي 2002 و2006، زادت الواردات الامريكية من الدول المصدرة للنفط بحوالي 116 مليار دولار، بينما لم تزد الصادرات اليها الا بـ 23 مليارا. في سنة 2006 توزع الفائض المالي الدولي (ميزان الحساب الجاري) بين الدول المصدرة للنفط (571 مليار دولار بينها 490 مليارا للقطاع العام) ودول شرق اسيا (263 مليارا) واليابان (167 مليارا) وبعض الدول الاوروبية (13 مليار دولار). ذهب معظم الفائض لتمويل العجز الامريكي المستمر والمتزايد. ينبع الخلل المالي الدولي اليوم من واشنطن وسياساتها التوسعية، وهذا ما عليها تصحيحه والا ساهمت في اعادة الديموقراطيين الي البيت الابيض.

من ناحية الموازنة، يقول حاكم المصرف المركزي بن برنانكي ان الوضع غير قابل للاستمرار. علي الولايات المتحدة، في رايه، شد الحزام المالي تجنبا للتكلفة المحتملة والمرتفعة. بلغ الدين العام الخارجي الصافي مبلغ 2,7 الف مليار دولار في آخر سنة 2005. اذا استمر الوضع، سينخفض النمو الامريكي ويزيد اقتراض القطاع العام من الاسواق وبالتالي ترتفع تكلفة اقتراض القطاع الخاص. سيسبب هذا الوضع انخفاضا في ثقة المستثمرين وقطاع الاعمال في الاقتصاد الامريكي، وبالتالي يتأثر النمو سلبا. يقول برنانكي ان علي الولايات المتحدة ان تحول تدريجيا وضع الموازنة من عجز حالي بحدود 2,5% من الناتج الي فائض كما كان في فترة 1998 ـ 2001. اذا استمر عجز الموازنة، لا بد وان يتاثر الاقتصاد الحقيقي ويتحقق الركود.

تشير الوقائع اذا الي سوء اوضاع الاقتصاد الامريكي، وبالتالي الي احتمال انخفاض الدولار اكثر في الاسواق. هل هذا ما يناسب الدول النفطية؟ بما ان النفط مسعر بالدولار، تبقي الخيارات محدودة للدول المصدرة بالرغم من ارتفاع تكلفة وارداتها غير الامريكية. فالدول النفطية تعيد تدوير الفاتورة النفطية الامريكية في الاقتصاد الامريكي وبالتالي تجنب الاقتصاد العالمي خضات لا يحتاجها. كما ان ارتفاع اسعار النفط يعوض اي انخفاض معقول ومتوقع لسعر صرف الدولار. اما في لبنان، فان ربط سعر صرف الليرة بالدولار يضعف القوة الشرائية اللبنانية المتدنية اصلا. يستورد لبنان الكثير من اوروبا وباليورو، وبالتالي يتضرر اصحاب الدخل الثابت والمحدود. لم يكن اليورو موجودا عندما اتخذ قرار الربط في بداية التسعينات، وبالتالي يدفع اللبنانيون كغيرهم ثمن سوء ادارة الاقتصاد الامريكي. لو كان للبنان ارضية تصديرية اوسع، لاستفاد كثيرا من هبوط الدولار. الا ان هذه الارضية غير موجودة لاسباب عديدة اهمها سياسات الحكومات المتعاقبة التي فشلت في بناء واصلاح المؤسسات العامة ووضعت تعريفات خدماتية تعجيزية. الخلاص المنطقي النقدي للبنان هو ان يعتمد سعر الصرف الحر عندما تستقر السياسة، وهذا لن يتحقق كما يبدو علي المدي المنظور.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية