ربيع أحمر

حجم الخط
6

اضطربت منطقة ما بين المائين، دارت حول نفسها بشكل سريع أفقدها التوازن، أصابها الدوار، ثلاث سنوات مرت على شعوبها، أشبه في اكتنازها بثلاثة عقود أو ربما ثلاثة قرون، ربما كان ذلك معنى تقارب الزمان المذكور في بعض النصوص الدينية.
ثلاث سنوات هبطت فيها قمم ورؤوس، وصعدت أخرى، ماجت الشوارع، لعلع الرصاص، وحلقت الطائرات. الجيوش التي هيئت لمواجهة إسرائيل واجهت شعوبها، البراميل المتفجرة صارت ثيمة إخبارية، الأحزمة الناسفة احتلت صدارة الصفحات، نصر الله يتربع على الشاشة، الظواهري سيد الموقف، والأوتار الصوتية مشدودة على آخرها.
هذا الربيع أخرج الثعابين من حديقة الأزهار، وقذفت أمواجه بأنواع عجيبة من وحشيات البراري والبحار.
هذا ربيع العجائب، لا توجد تسمية أكثر مراوغة من هذه التسمية، سمي ربيعاَ على الرغم من أنه جاء في الشتاء، وسمي ربيعاً على الرغم من أنه مضرج بالدم، وخرجت من شجرته أزهار النار، وسمي ربيعاً في بلد وسمي صيفاً حارقاً في بلد آخر، هذا الربيع الاحمر على غير عادة الربيع، هذا ربيع التناقضات.
التناقضات المنعكسة على المشهد هي العنوان الأبرز الذي كشف عنه هذا الربيع. وأول التناقضات جاءت من تسميته التي لا تتسق إطلاقاً مع مشاهد النار المتدفقة في النسيج العربي. ثم تأتي حكاية المواقف السياسية التي تروغ من تحت عدسة المحلل، في تناقض ينبيء عن تناقضات وشروخ نفسية واجتماعية وعصبوية وطائفية هائلة.
تأخذ جماعة أو دولة موقفاً ما في قضية ثم تأخذ موقفاً مناقضاً في قضية أو على ساحة أخرى، سياسات تتغير بشكل مستمر، ومحللون سياسيون لهم في ‘الجزيرة منتصف اليوم’ رأي، ولهم في ‘بانوراما’ رأي آخر.
مواقف بلغت حد العبث في تناقضاتها التي تنم عن عدم وجود أصل مرجعي منطقي يمكن للمحلل أن يلمحه خلفها.
وهذا ربيع الانقسامات، كشف عوراتنا بشكل فضائحي، ونشر غسيلنا على المشاجب والشاشات. وغيب المجتمع لصالح القبيلة والطائفة والجهة الجغرافية. إنه ربيع مكن التاريخ في منطقتنا من أن يتصرف كفتاة عابثة يصعب التنبؤ بسلوكها، ومكن الجغرافيا من التصرف كشيخ قبيلة يشحن أفراد قبيلته بالعصبويات الفارغة.
أدت التناقضات الاجتماعية في البلاد العربية إلى خشية حقيقية اليوم من ذهاب المجتمع بعد ذهاب الدولة. سقط النظام، وسقطت الدولة، فهل نحن على أبواب سقوط المجتمع؟ ذهاب الأمة؟
الدولة بمعناها الحقيقي غير موجودة في سوريا وليبيا وهي موجودة بصورة شكلية في اليمن والعراق، وصورتها ضبابية في مصر وتونس، وأما البلدان الأخرى فالدولة فيها مختصرة بالنظام السياسي، كما كان الحال في بلدان الربيع العربي قبل قدوم موجته الحمراء.
من زمان كانوا يهددوننا بالبلقنة، ثم جاء لبنان وقدم لن مصطلحاً جديداً هو اللبننة، ثم ظهرات ‘فعللات’ كثيرة في نسيج المجتمعات والشعوب العربية، كالصوملة والعرقنة والجزأرة والسودنة واليمننة، والحبل على الجرار كما يقولون في هذه المنطقة التي لا تنتهي ‘فعللاتها’، وهذيان تاريخها.
انهيار الأنظمة سبب فوضى مصاحبة، غير أن من نتائج انهيار الأنظمة انهيار الدول التي اختصرت في الأنظمة المنهارة، وإذا هان انهيار النظام، فإن انهيار الدولة عظيم، غير أنه يهون أمام قضية انهيار المجتمع، وتحلله إلى مكوناته القبلية والطائفية والعرقية.
كان ابن خلدون يرى أن الأفراد يحتاجون للاندماج في مجموعة، لأن الإنسان لا يمكنه بمفرده أن يعيش، لكثرة متطلباته التي تحتم عليه العيش في مجموعة من قبيلة أو شعب، وهذا الشعب لا بد له من دولة تنظم مصالح أفراده وتردعهم من الاعتداء على بعضهم، وسمى ابن خلدون هذه السلطة ‘وازع الحاكم’.
ويرى ابن خلدون أن المجموعات لكي تندمج في شعب، فلا بد لها من حاكم قوي يوحدها بادىء الأمر بالقوة، وهذا الحاكم غالباً ما يكون من البادية، حيث تتيح له قوته البسط والسيطرة، حتى إذا ما تم له ذلك، ابتعد عن ‘عصبته’ التي أوصلته للحكم وانفرد بالسلطة معتمداً على بعض المرتزقة الذين يلعبون ببنيه عندما يؤول الأمر إليهم بعده ، على أن بنيه يكونون حينها أقل شكيمة من أبيهم (ابن البادية)، فتنفلت الأمور من بين أيديهم، بعد أن يستمرئوا لذة العيش وينسوا حياة البادية التي أهَّلت أباهم المؤسس للحكم، ثم بعد ذلك يدخلون في خلافات بينية تحدث شروخاً تهيىء للمرتزقة البطش بهم ويستمر الأمر في فوضى إلى أن يأتي مستبد آخر، أو قبيلة أخرى أو دولة أخرى تلتهم دولتهم.
ترى إلى أي حد تنطبق توصيفات ابن خلدون هذه على دولنا المنهارة، ومجتمعاتنا وشعوبنا التي يتحلل نسيجها إلى خيوطه الضعيفة الواهية؟
ليس هنا مجال الإجابة على هذا السؤال الموغل في سخريته، لكن موجة الربيع العربي كشفت فينا صورة النسيج الذي بدا متحللاً إلى مكوناته، كشفت الموجة هذه الصورة، غير أنها لم تنتجها، وإن ساعدت في إخراجها، كشفت صورة الأمة التي تريد الطائفة أن تلتهمها، أو صورة النسيج الذي تريد خيوطه أن تقضي عليه.
كشف الربيع فينا صورة الكتلة البشرية الغالبة، أو الأمة، في مقابل المجموعات الصغيرة أو الطوائف التي تريد أن تكون أمة، أو أن تلعب دورها. هذه المجموعات الصغيرة هي الأقليات التي نسقت جهودها لتحل محل الأمة، على الرغم من أنها تقامر بمستقبلها السياسي وربما الاجتماعي في معركة غير محسوبة، وإن كانت ترى أن كفتها هي الراجحة. ثنائية الأمة/الطائفة هي واحدة من تناقضات هذا الربيع الذي تحاول الطائفة فيه تقمص دور الأمة، أو تريد أن تقوم الأقلية بدور الأكثرية في مقامرة عبثية ستدمي الأمة بلا شك لكنها في المآلات لن تكون لصالح الطائفة.
جدلية الأمة والطائفة التي قذفت بها إلى السطح موجة الربيع العربي هي واحدة من التناقضات الحادة التي أسفرت عن أمة ضعيفة كيفياً، تعطلت فيها ‘قوة الكم’ وطائفة قوية كيفياً لتعوض ‘ضعف الكم’، في جدلية هي أقسى جدليات هذا الربيع الخشن.
ومن تناقضات الربيع الأحمر أن الدولة تتخذ الموقف وضده، ليس بدافع المصالح السياسية، ولكن بدافع من انعدام وجود الرؤية والمشروع والنظرة البعيدة للأمور. الأمر الذي أعطى هذا الربيع صورة اللوحة السريالية الموغلة في ترميــزاتها وتناقضات ألوانها. فالدول التي تدعو إلى الوحــــدة تؤدي ممارساتها إلى الفرقة، والمجموعات التي تدعو إلى الجهاد أعطت المجاهدين صورة قطاع الطرق والمفسدين في الأرض، وشوهت صورة الجهاد النبيل، ورافعو المقاومة انكشفوا عن مقاومة طائفيــــة قتلـــت عشرات آلاف السوريين، وأدارت ظهرها للإسرائيليين، والذين يدينون الطائفية يمارسونها في أبشع صورها، والطامحون إلى السلطة يلبسون ثــــوب الثورة ضد الظلم، والمعتدون يخرجون باسم الدفاع عن النفس، وأعيد إنتاج صورة نصر الله بملامح حسينية، وأخذت صورة الظواهري المنتجة تأخذ ملامح صلاح الدين، وهذا الطرف مع الربيع العربي في بلد وضده في بلد آخر في زمن يمتد ربيعاً أحمر بلون الدم السوري، زمن تركيب الشعارات على مضامين مناقضة تماماً لشعاراتها لدرجة أننا إذا أردنا أن نبحـــث عن مضمون ما، فسوف نجده كامناً تحت الشعار المضاد لهذا المضمون، زمن منكوس، يمشي على أم رأسه.
وقف أحد العارفـــــين بالله يوماً على رأسه في خلوته، ولما رآه أحد مريديه على هذه الصورة، ســأله مندهشاً عن السبب، فرد العارف بالله: هذا العالم منكوس، وأنا أقف على رأسي لأراه على حقيقته.

‘ كاتب يمني من اسرة ‘القدس العربي’

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية