د. نهاد عبد الاله خنفر على الرغم مما نراه ونعايشه من تطورات ما بات يعرف الآن بالربيع العربي، وعلى الرغم من دعوات الاصلاح المكثفة التي تزخر بها برامج الثوار وثوراتهم، سواء من أبقوا على تكنوقراطيتهم في طرح النظريات وتسويقها او غيرهم ممن عبروا عن اطروحاتهم من خلال النزول الى الميادين. اطروحات تبدأ من الحرية ولا تنتهي عند حدود الكرامة ومفرداتها المترادفة والمتناثرة بين صفحات الربيع ونسائمه الثورية، وما يترافق مع ذلك من اطروحات تعج بها الساحات العربية، تلك الثائر منها او من يهيء مراجله للثوران. ومع اتفاقنا على ضرورة واهمية ما يطرح في سياق الاصلاح السياسي، وما يتساوق معه من اصلاحات تختص بالبنية الاجتماعية وتركيباتها التي تشوهت تبعا لتشوهات تشكلت بفعل حلقات طويلة ومتراكمة ومعقدة، تراوحت ما بين فراغ برامجي فرضته ظروف اقتصادية منهكة او افراغ منظم حكمته اجندات السياسة العربية الرسمية التي عانى منها معظمنا ولا زال.
وفي ظل الاجواء الثورية الساخنة التي تتجاهل برد الشتاء، بل ولا تعبأ به، ومع متابعات حثيثة لما يطرح حزبيا، او شعبيا، او فكريا، سواء على مستوى الناس العاديين الذين تقلقهم الحرية وما توفره من خبز وكرامة، اوعلى مستوى النخب بطبقاتها المختلفة التي تشغلها السياسة وما تضخه محركاتها من ماء في شرايين الاستحواذ على السلطة وادواتها، فانني لم الحظ -الا لماما-، وبشكل مختصر أي اشارات جادة تتعلق باصلاح أو تطوير قطاعي التعليم والبحث العلمي اللذان لن تستقيم دونهما ثورة او اصلاح او تغيير. فبالكاد نجد او نسمع اشارة من هنا او هناك تلقى على استحياء من هذا الحزب او ذاك، او غيرهم من سياسي او اكاديميين تتحدث عن ما حل بهذين القطاعين من دمار وبيل ستمتد آثاره السلبية وارتداداته لاجيال قادمة ولسنين طويلة أيضا. لا نريد ان ندخل في دهاليز الماضي التشخيصية للتعرف على اسباب الدمار الذي حاق بقطاعين هما من اهم القطاعات ان لم يكونا اهمهما على الاطلاق للمساهمة في رفع ورفعة شأن الامم والشعوب على مر التاريخ، ما مضى منه وما هو آت في قادم السنين والقرون. كلنا يدرك، ولا شك في ذلك، ما هي الاسباب التي جعلت من القطاع التعليمي عبئا ثقيلا على اكتاف الدولة، وكابوسا لعامة الناس الذين تحطمت احلامهم، وتبخرت آمالهم بعد ان ادرك معظمهم، متأخرين، بان تعليمهم لم يكن سلاحهم الذي يمكن ان يعطيهم الامان، لفساد الذخيرة التي يعتمرها ذلك السلاح. وبالتالي كان كثير منهم، يتحملون عبء حمل السلاح، ويلتحقون بمن سبقهم في جيش البطالة ‘المتعلمة’ الذي تضخم لأعداد لا قبل لاحد باستيعابها او السيطرة عليها. قلة قليلة جدا من امثال الدكتور والعالم المصري الامريكي أحمد زويل الغني عن التعريف، ممن ادخلوا او تحدثوا باسهاب عن الثورة والتغيير والاصلاح في الوطن العربي وروابطها الوثيقة العرى مع التعليم والبحث العلمي. وكما يبدو لي فان دعوته المخلصة أيضا لم تنل حظوتها على الرغم من الحظوة الدولية التي يتمتع بها صاحب الدعوة. لا اتصور، ولا يمكن لي ان ارى اي افق لتغيير حقيقي، او اصلاح يتسم بالعمق والشمولية، دون ان يكون للتعليم والبحث العلمي مكانة بارزة متقدمة تتصدر اجندات الثورات، كما حصل في كثير من الدول التي اولت التعليم اهمية قصوى فتربعت الآن في اعالي القمم. ولنا عبرة في الصين، وفي ماليزيا، والهند، وغيرها من الدول التي تسود العالم الآن بفضل ليس له علاقة لا بالغيبيات ولا بالتدين ولا بالايديولوجيا، وانما بأرضية صلبة قوية عمادها التعليم والبحث العلمي الذي يفرض ميزة الثورة في كل المجالات. فنظام تعليمي متقدم، وبحث علمي محترم، يعني دولة ونظام منيع ومتطور ومتقدم، ومحصن الى ابعد الحدود. التعليم والبحث العلمي، حفز دماء الثورة في شرايين الصناعة والزراعة، والطب، وكل فروع الاقتصاد. فهل يعقل أن نتوقع شعبا يتوق الى الحرية وما يتبعها من كرامة انسانية وكفاية اقتصادية ومستقبلا مزهرا وهو شعب يعاني من الامية والجهل اللذان يقودان الى الفقر في كثير من الحالات، ولا يملك الا نظاما تعليميا متخلفا بحاجة الى مائة سنة او يزيد للحاق ببقية الشعوب التي تملأ سمعتها في اقتصادات المعرفة كل اصقاع الارض. ان التجاهل، او الجهل للقيمة العظيمة التي يضفيها النظام التعليمي المتطور، وما يحاذيه من نظام بحث علمي متقدم في برامج الاحزاب وفلسفتها السياسية، والمفكرين وابداعاتهم او شطحاتهم الفكرية على هامش ربيعنا العربي، وغياب ذلك عن البرامج الشعبية المنخرطة في الثورة والتي يقودها ويغذيها جيل شاب عانى ما عاناه من تغييب التعليم والبحث العلمي الجاد، ليعتبر من وجهة نظري مؤشرا يتسم بخطورة فيها من الجدية ما قد يقال عن خطورة غياب الماء والهواء ورغيف الخبز. ان الثورات الحقيقية، لا يمكن لها ان تقدم معان جدية في قيادة مجتمعاتها نحو الحرية والانعتاق والانفتاح نحو عصر جديد يتسم بارساء نهضة تنموية شاملة، دون بنائها على قاعدة التعليم والبحث والعلمي الذي يثمر تنمية اقتصادية واجتماعية منتجة. بل وانني ازعم، واعتقد بأن زعمي محق، بأن الثورة والافكار التي تقودها من احزاب وتكنوقراط، وما يرتبط بها من نخب مختلفة لا تضع اصلاح نظام التعليم او تطويره، وبناء قاعدة ثابتة للبحث العلمي فإنها ستنتهي الى تقديم اللاشيء، باستثناء العودة الى مربع السعي الى السلطة ولكن بطريقة اكثر تنظيما مما عايشته الشعوب في سابق ايامها، مما سيفقد الثورات وتوجهاتها على المدى المتوسط والبعيد زخمها في ارساء القواعد الصلبة التي تقدم التغيير بشكل عملي. فما فائدة ثورة لا تقدم الى شعوبها واتباعها سوى وجوها سياسية جديدة عاجزة عن احداث التغيير الجذري في ملامح المجتمع ومكوناته الاساسية التي يقف التعليم والبحث العلمي على رأس اولوياتها. ان الاحتجاج بالقول بأن الشعوب الثائرة وممثليها، مشغولون الان بالتخلص من بقايا الانظمة المخلوعة، ويخططون لمن سيخلع من بعد، هي حجج واهية ولا تستقيم مع الادعاء بقدرة هؤلاء على قيادة الشعوب التي يقاتلون باسمها ويعدونها بنقلها الى عصر جديد يختلف جذريا عما سبق. لان هذا وعلى اهميته، لا يبرر عدم وجود استراتيجية برامجية (مفقودة حتى الأن) في خطط الاحزاب -المستقبلية على الاقل- تتناول او تتحدث او تشير الى التعليم والبحث العلمي كمرتكز من مرتكزات ما يعدون به الناس من خير عميم ومستقبل مشرق. واما القول بان ذلك بحاجة الى استقرار، وانا اتفق معه، فانه لا يمنع ان يكون نظام التعليم والبحث العلمي مكونا اساسيا من مكونات النقاش اليومي المتداول في دوائر الثورة والعاملين فيها ومعها، حتى يكون للشعوب ثقة بانها ستحصل على ما تصبو اليه من تطلعات. ذلك ان ضعف التعليم والبحث العلمي كانا جزءً اساسيا من المظاهر السلبية التي طالما تعرضت للنقد من المعارضات العربية او النخب العربية المعارضة للانظمة العربية ولطالما اعتبروه مؤشراعلى فساد بنيتها وقصورها في قيادة الشعوب الى ما هو افضل. ان العودة الى المربع الاول، في ان الاولوية للتخلص من الانظمة القمعية، وتوفير الخبز والكرامة للناس، دون ان يتوازى ذلك مع الاسهاب في التحضير الجدي لتطوير النظام التعليمي والبحث العلمي ومؤسساته توازيا تتناوبه ‘متلازمة الخبز والعلم’ يجعلني في شك عميق ومبرر في إزهار الربيع العربي حتى في القادم البعيد من السنين، ويجب ان يقلق هذا غيري الكثير. ‘ استاذ القانون في جامعة النجاح الوطنية