بهذه الكلمات التي تبدع المعنى وتستهلكه توقف النص الفلسفي واختفى الفيلسوف، وانزاحت اللغة عن الوجود، وتم احتلال الساحات المعرفية من قبل العبيد، وأصبح ما كان ممكنا التفكير فيه مستحيلا. فما أبطأ هذا الزمان الذي لم يعد يعرف سوى إبيستيمي واحد وهو الإبيستيمي الأصولي، كما بلوره الغزالي وطوره ابن تيمية، بمعنى أن نظام الفكر العميق له غاية وهي تعبئة الجماهير بواسطة تلك الأفكار المعلقة في الهواء، وتحول رد الفعل إلى فعل، والأوهام إلى حقيقة، والعدم إلى وجود. هكذا بدأ التيار العقلاني المتحمس يتعب، واختار الانسحاب، لكن لماذا أصدر التيار الأصولي قرارا يدعو إلى حرمان هذه الأمة من أحلام ابن رشد الطوباوية؟ هل الدفاع عن تشييد المدينة الفاضلة يقلقه إلى هذا الحد؟ وإلا ما معنى استخدام الدين كسلاح سياسي ضد ابن رشد وأحفاده؟
مهما يكن العنف والمقدس والحقيقة الموروثة ثلاثية لشعار الراهن، فينبغي أن نتعلم المتعة النظرية من ابن رشد، كأمانة لعشاقه، ونتعلم منه طريقة شرحه لأرسطو، وكيف كان يكتب فلسفته على هوامش النص الأصل، لأنه لم يكن يشرح أرسطو للتاريخ، بل للذات ومتعة الروح، وإلا ما معنى جدل «قال يريد»؟ وما معنى اختلاف العقل والفهم؟ بل أكثر من ذلك ما معنى أرسطو نفسه؟
من أجل ابن رشد لا بد من إنتاج المعنى واستهلاكه في اللحظة نفسها والسير في الطريق المؤدي من النص الأرسطي إلى الشرح الرشدي، هكذا سنتعرف على تلك المناطق المنسية، ونقوم بتهجيرها من أرض العدمية، ومن خلالها سنـــؤسس لقامــــوس الأســئلة الراهنة المنبثقة عن التراث العقلاني المضطهد. فالأمر المهم الآن هو النظر إلى هذا الاضطهاد الداخلي من الخارج، لمعرفة ماذا حصل، وكيف حصل، وما الهدف مما حصل؟ وبعبارة أخرى، لماذا تم استهداف محبة الحكمة والحكيم في الوقت ذاته؟
بما أن الفقهاء تنقصهم الفطرة ولا سبيل إلى إفهامهم ما الفلسفة، وما المنطق، وعلوم الرياضيات والفيزياء، فهناك احتمال واحد يمكن بواسطته تمزيق الحجاب عن وجه السلطة الثيوقراطية التي تمارس العنف الأيديولوجي، من خلال تلك الأطر المعرفية الساذجة، وتبرره بالدين كما فسره الفقهاء، هؤلاء الذين جاءوا بالحجة التي ألزمت الفلاسفة الصمت، وانتظار فتوى التكفير: «ومن المعلوم أن هذا الإسلام الأصولي عزيز على قلب مستشرقي اليوم والأمس في آن معا». ولذلك أصبحوا يرددون الكلمات نفسها «بموت ابن رشد ماتت الفلسفة في أرض الإسلام»، ومعناه أن الإسلام دين الجهل، يأمر بقتل الفلسفة وتهجير الفلاسفة .
فنسيان ابن رشد أدى إلى نسيان الفلسفة، ومادام أن سوسيولوجية النجاح تركت مكانها لسوسيولوجية الفشل التي ستقوم بالحفر الأركيولوجي في «معرفة سبب فشل فكر ابن رشد في البيئة الإسلامية، وسبب نجاحه وانتشاره في البيئة المسيحية». فالأمر لا يقتضي اجترار الآراء نفسها، التي يتم تداولها في تلك المدن الجاهلة، بل ينبغي التوجه نحو الأرثوذوكسية الدينية، التي تقف عائقا أمام انتشار الفكر العقلاني، الذي تعتبره انحرافا عن اليقينيات التي يقوم عليها الدين الأصولي، كما تركه ابن تيمية .
الزمن العربي انتقل من التقدم إلى التخلف، والشاهد على ذلك أن تلك النهضة الفكرية التي نجدها منتشرة في بعض الأدبيات الوسطوية أفضل بكثير مما نعيشه الآن
ومن الطبيعي أن الأطر الأرثوذكسية للدولة الإسلامية التي لا ترى في السلطة سوى جلب المصلحة والسعي إلى هدم المخالفين لها في الرأي، تقوم على هذه الثوابت الوسطوية التي قادت هذه الأمة إلى السبات الأبدي، ومن أجل تبرير الفشل وانتشار الجهل والفوضى، يتم دائما البحث عن الفلاسفة والعلماء، بغية تحطيمهم والتخلص من انتقاداتهم، ولم يكن ابن رشد سوى أحد الضحايا، ومن خلاله سيتم الإعلان عن نهاية العقلانية وبداية الأصولية، بل وانطلاق عصر الانحطاط، الذي قاد كل الأجيال إلى نسيان العقل والعودة إلى الخرافات الشعبية، وتربية على الأساطير، ولذلك تم حذف العقل من أرض الإسلام وتعويضه ببركة الأولياء، وإظهار الدين بمظهر الرافض للاجتهاد والرقي الحضاري .
فمن إحياء علوم الأوائل وترجمة النصوص الفلسفية والعلمية، كما وقع في بيت الحكمة بزعامة حلقة الكندي، كانت العودة إلى إحياء علوم الدين مع الغزالي الذي كتب مدخلا أسطوريا من أجل نجاح كتابه تهافت الفلاسفة، ومعنى ذلك أن هذا العلم غير صالح لأمة الأساطير، إذ ليس لها من هدف آخر سوى الارتماء في أحضان التفسير الفقهي للدين. هكذا بدأ زمن التصلب والتشنج والنوم الفكري الذي أصاب المجتمعات الإسلامية، واختفت مرحلة النهضة العقلانية، كما أنها لم تكن: «بمعنى أن الظروف الاجتماعية إذا لم تكن محبذة لفكر أو لمفكر، فإنه يموت في أرضه، فالعبقريات قد تخنقها الظروف، وقد تنعشها وتساعد على تفتحها، فإذا كانت الظروف سلبية جدا، فإنها تمنع انتشار الفكر الفلسفي أو العلمي، وتساعد على انتشار الفكر الفقهي والصوفي والغيبي .
نحن إذن أمام ظاهرة غير طبيعية كان التاريخ مندهشا أمامها، ذلك أن الزمن العربي انتقل من التقدم إلى التخلف، والشاهد على ذلك أن تلك النهضة الفكرية التي نجدها منتشرة في بعض الأدبيات الوسطوية أفضل بكثير مما نعيشه الآن، فابن النديم في كتابه «الفهرست» كان منتشيا بوفرة النصوص الفلسفية والعلمية المترجمة من اليونانية إلى العربية، فحسب هذا الكتاب أن أغلبية النصوص المترجمة كانت تمر عبر حلقة الكندي، التي ميزت المرحلة التأسيسية للفلسفة العربية، التي ستبلغ كمالها مع الفارابي وابن سينا وابن رشد، ولعل ابن النديم يؤرخ لظهور هذه الفلسفة، من خلال ترجمة مؤلفات أفلاطون وأرسطو، بل إنه يقول الحقيقة كما رآها بنفسه: «وقد رأيتها بنفسي». وأحيانا يعتمد على أخبار الثقاة .على الرغم من أن ابن النديم كلحظة حاسمة في التاريخ يشكّل الفكر العربي، فإنه يذكر أن الفلسفة العربية ليست شيئا آخر سوى ترجمة لحلم الخليفة العباسي المأمون مؤسس بيت الحكمة، وكأن بيت الحكمة هو تفسير لحلمه بأرسطو، وبانتهاء هذا الحلم انتهت الفلسفة، والكندي نفسه الذي كلف بهذا المشروع من قبل الخليفة، حيث كان يرأس مجلس العلماء والمترجمين للفلسفة اليونانية، نجده يشكو الحصار في رسائله قائلا: «المتسمين بالنظر في دهرنا من أهل الغربة عن الحق».
بما أن الغربة عن الحق قادت بعض المتكلمين والفقهاء إلى تشكيل حلف مقدس ضد الفلسفة. وقد خاض هذا حروبا مقدسة انتهت بانتصاره. لم يكن ابن النديم ولا الكندي، ولا الخليفة العباسي على علم بهذه النهاية المأساوية، التي ربحت رهان العدمية وأدارت ظهرها للوجود والزمان، فاحتفالات ابن النديم بالكتب الفلسفية المترجمة التي أشرف عليها الكندي، وكأنها انتصار على أخطر عدو وهو الجهل، لكن الغزو الأصولي دمّر كل شيء في أيام معدودة، وأمسى هذا الحلم مزعجا للأرواح الثيولوجية، ولذلك نتساءل إلى أي مدى سيستمر هذا الإزعاج؟ وما الذي يمكن لفلسفة تأسست على حلم أن لا تكون مجرد حلم؟ وهل من الضروري إحياء هذه الأسئلة في زمن ميت؟
٭ كاتب مغربي