ربيع جديد تعيشه الثورة بدون نجوم: احتفالات شم النسيم تُسقط دولة احتكار المطربين الكبار

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: لأول مرة لم تأخذ احتفالات شم النسيم طابعها التقليدي في ظل الانشغال بالثورة وانجازاتها وخطوطها السياسية والاجتماعية والترتيب لمستقبلها، فقط اقتصرت الملامح على ما رأيناه عبر شاشات الفضائيات التي ركزت من الناحية الفنية على ما كتبه الشاعر الكبير صلاح جاهين وغنته سعاد حسني من خلال أفلام مثل ‘أميرة حبي أنا’ و’خلي بالك من زوزو’ وأفلام أخرى لا يربطها بالعيد السنوي الفرعوني غير دلالات أغاني الربيع الذي طالما كتب عنه جاهين مرارا وتكرارا الى ان رحل فيه كأنه كان يتنبأ بموته وغيابه عن عالم عاش به حياة مزدوجة من الفرح والحزن واختلطت بداخله آلام وأشجان الوطن بأوجاعه وهمومه الشخصية. لقد ودع الشاعر والرسام والممثل الدنيا في نفس التوقيت من شهر نيسان/ابريل مخلفاً وراءه نمطاً فنياً وثقافياً من نوع خاص يتم تداوله وتعاطيه الآن في المناسبات التي تفوح منها رائحة الياسمين والفل، الأغاني تبقى واحدة من الملامح الدالة بقوة على عيد الربيع، ولكنها في هذا العام لم تكن كلها تشير الى ربيع الزهور الموسمي، وإنما هناك حدث كبير تتجه إليه الأنظار يلعب فيه الربيع بمعناه دوراً مهماً، حيث الشباب والانطلاق والتغيير واخضرار الثورة والأحلام، ولأن كل وسائل التعبير اختلفت بعد 25 كانون الثاني (يناير) ونضجت الأفكار عما كانت عليه فقد أفرزت الأيام الثورية ثقافتها الخاصة، فبدلا من الإعداد لحفلات تتكلف الملايين بالمناطق السياحية كمرينا وشرم الشيخ ومدن أخرى لها خصوصية عند جمهورها وفنانينها الذين كانت تنتفخ جيوبهم سنويا بالأموال مقابل الغناء حتى الصباح والانتقال من فندق الى فندق ومن منتجع الى منتجع بالطائرات والسيارات الفارهة. تغيرت تلك المظاهر وتراجع البذخ الى حد كبير وانقطع حديث الملايين والآلاف الذي طالما سمعناه في الأوساط الفنية وكان آخره العام الماضي، حيث وضعت علامات استفهام كثيرة حول سر المبالغ التي تنفق من قوت الشعب على المطربين والمطربات من أبناء مصر ودول الخليج، وهو ما كان يعادل في ليلة واحدة ميزانية وزارة من الوزارات، هذا الكلام تقلص بشكل كبير في ظل الصحوة الشعبية وقوانين المحاسبة، فلم يعد هناك من يستطيع المجاهرة بمثل هذه الأشياء، كما أن تأثر السياحة المباشر بالأحداث الجارية لم يترك فرصة للتربح على النحو الذي كان، ومن ثم لا مجال لدعوة أليسا أو عمرو دياب أو هيفاء وهبي أو نانسي أو غيرهم لجني ثمار ليلة يشوبها التقشف والشظف، وبالتالي تولدت أشكال احتفالية أخرى اعتبرت بديلا لائقاً لحفلات الخمس نجوم تمثلت في نشاطات ثقافية قامت بها بعض النقابات والجمعيات الأهلية والفرق الخاصة مثل فرقة سندريلا، الشارع، البلد، فضلا عن احتفالات إتيليه القاهرة ودار الأوبرا المصرية وساقية الصاوي والنقابات الفنية والمهنية، وهو على حد تصوري كان تعويضاً مهماً من الناحية الفنية والاقتصادية، بالإضافة الى انه لم يمثل استفزازا لأي من الشرائح الاجتماعية لأن أحدا لم يختلف عليه. ورغم أن المشرفين على الحفلات بالأماكن المذكورة يعدون من النخبة إلا أن الاحتفالات نفسها اتسمت بالشعبية والجماهيرية، وهو متغير يستوجب الذكر لكون احتفالات شم النسيم السابقة كانت طقسية وشرائحية وتقسم المصريين فصائل وفئات وأنواعا كانوا يحتفلون بأماكنهم الخاصة خارج زحام القاهرة، حيث الشواطئ والمتنزهات والحفلات السوبر ستار وهم يختلفون عن السواد الأعظم من الشعب الذي يفترش الحدائق العامة ويأكل أفراده الفسيخ والسردين المملح ويكتفون بارتجال الأغاني والأناشيد على ظهور المراكب الشراعية والاتوبيسات النهرية متوجهين الى القناطر الخيرية قبلتهم السنوية التي لا يعرفون غيرها!

هكذا غيرت ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011 من أشكال التعبير البسيط عن الفرح ووحدت بين الناس وأقامت تصالحاً بين الطبقات وأعادت بعث الطبقة المتوسطة من جديد ولو على مستوى الممارسة الحياتية، فقد ضاقت الفجوة الشاسعة بين سكان مصر المحروسة أو على الأقل بدأت تضيق. وعلى حد تقديرنا فإن تكلفة الحفلات الفنية كلها التي أقيمت لم تساو تكلفة حفلة واحدة أو حفلتين من حفلات نجوم القرى السياحية واصحاب الملايين والمليارات التي اقتصر جمهورها على أولاد الذوات من الحسناوات والشقراوات واصحاب العيون الزرقاء، فيما حُرم منها أولاد ‘البطة السوداء’، وهو التشبيه البلاغي الذي أطلقه الشباب على الغالبية من الفقراء بقصد السخرية من فكرة التصنيف اللوني والطبقي وذلك الارتباط الشرطي في العهد السابق بين العنصرية الممجوجة والفقر المدقع، الذي أوقعتنا فيه حكومة الحزب الوطني المنحل على مدى ثلاثين عاما كاملة من السلب والنهب والاستبداد، والكراهية!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية