مطاع صفدي
يقال ان أقصى ما تتمناه أو تفعله إرادة القوة هو التستُّر على أسبابها الحقيقية. هذه الفكرة المتداوَلة في المستوى الفلسفي من الثقافة، تَلْقَى كل تطبيقها العملي في مستوى العلاقات الدولية، وفيما يخص علاقات السلطة بالمجتمع، وقد تجد لها براهين واقعية مباشرة في هذا الاضطراب العظيم الذي يجتاح مجتمعاتنا العربية عبْر علاقاتها المتضادة مع أنظمتها الحاكمة. إذ يبدو أنه لم يتبقَ لهذه الأنظمة من بقايا شرعيَّتها ما تَسْتُر به عنفها الذي يعبّر عن طبيعتها الأصلية. مع العلم أن هذه الشرعية عينها لا تتمتع في أصلها بمسوغاتها القانونية المتعارف عليها، لا من حيث الاعتبارات النظرية في الثقافة السياسية، ولا في نظر القانون الدولي ومؤسساته القائمة. هذا وإن تواضعت المصالح الدبلوماسية للدول الكبرى على التسامح مع كيانات دولانية عشوائية كثيرة، تعترف بها تحت صيغة الأمر الواقع.
معظم دول العالم الثالث محكومة بصيغة الأمر الواقع هذا. فالشرعية التي تدَّعيها هذه الدول قائمة على فعالية القوة القاهرة التي تمتلكها رموز السلطة. لكن الحاكميِن مضطرون إلى إضفاء مبادئ سياسية أو اجتماعية على الممارسات اليومية لأنظمتهم. بمعنى أنه ليس ثمّة سلوك أو إجراء حكومي مضطر لاكتساب مواقف اختيارية من قِبَل أصحاب المصلحة المباشرة، أو ممثليهم الفعليين. ذلك الانقطاع بين الدولة والمجتمع، كان استشرى بعْدَ انقضاء مرحلة أولى من مسيرة استقلال الدولة العالمثالثية وتبوُؤ رجال الاستقلال سُدَّة الحكم. فهؤلاء استظلوا بشرعية الاستقلال الوطني الناشئ. وحاول أكثرهم أن يستوردوا نُسخاً بائسة عن نموذج (الدولة الشمولية) بقيادة الحزب الشيوعي الأوحد في الإتحاد السوفييتي المنقضي. لقد برزت في هذه الآونة أيديولوجيا متكاملة، حاملة لمبادئ ما دُعيَ بالشرعية الثورية. وكان من المفترض أن تُحقّق هذه الشرعية انقلاباً بنيوياً لهيكلة التراتبية الطبقية، المقودة بمراكز النفوذ الأهلوي والمالي التقليدية. كانت الإيديولوجيا الشمولية تبرر مبادئُها وسلطاتِها حتميةَ التحوّل إلى نظام الديمقراطية الشعبية. وكان الحزب (الثوري) الواحد هو الموكول إليه وحدَه، قيادةُ مرحليات هذا التحويل المحتوم الذي عليه أن يترجم الديمقراطية الشعبية إلى جُملة المتغيرات الاجتماعية الجذرية المطلوبة لولادة مجتمع الناس الأحرار المتساويِن في الحقوق والواجبات.
ما يمكن قوله اليوم باختصار: ان الديمقراطية الشعبية لا تموت مع موت الذين إدّعوها واحتكروها. تجارب الاغتصاب والتشويه والتزوير لمبادئها ومعانيها ومعاييرها لا تذهب بذخيرتها الأصلية من حقائق العقل والتاريخ. والحراك العربي الراهن ليس ظاهرة عارضة أو معزولة في المشهد العالمي. حيثما يَحفل هذا المشهد بالمتغيّرات الحاسمة غير المسبوقة إلاّ نادراً في جدلية التاريخ الكوني، وذلك تحت عنوان كلّي هو: تصفية القوالب الأيديولوجية من حول أية ممارسات سياسية أو اقتصادية، لإرادة القوة، العارية أصلاً من كلِّ غائية خارجة عن منطوقها الذاتي. وتفسيرُ ذلك واضحْ فيما اعترى الخارطةَ الجيوسياسية للعالم من تحولات انقلابية هائلة. وللتذكير فقط نشير إلى أن ذروة هذه الممارسات جسّدتها أهوال الحروب العالمية للقرن العشرين. لقد خدعت أيديولوجيات إرادة القوة عشراتِ الملايين من أرواح وعقول الشعوب الغربية الأرقى مدنية(؟) وجعلتها تحفر قبور بعضها بأيديهم. لكن انتهاء الحروب العالمية، الموصوفة بالأهلية ما بين أقوام الغرب ودوله المتقدمة، لم يُسقِط أعلى استقطاب أيديولوجي بين الاشتراكية والرأسمالية؛ ومعهما سلاحهما النووي شبه المتعادل.
مرحلة الحرب الباردة التي غطّت تقريباً النصف الثاني من القرن الماضي، قسَّمت أوروبا وخارطةَ الأرض معها، بين معسكريْن هائليْن للقوة (العسكرية) مغطاة بطبقات من الأدلجات المسوِّغة لأسباب أخرى للصراع الظاهري، يتبادل فيه الخصومُ تجارةَ الأعلى من مُثُل الإنسانية في الحق والحرية والعدالة، في حين تنتقل التهديدات اللفظية بالحرب النووية بين القطبيْن الأعظميْن السوفييتي والغربي، من حدود التنفيذ الفعلي المستحيل، إلى حيّز المساحات الطرفية حيث تنخرط دول العالم الثالث فيما بينها، وداخل كلٍّ منها، بكل أشكال الصراعات الإقليمية والمحلية، وبوكالتها المباشرة عن زعيميْ العالم آنذاك غير أن المأساة هي أن الحرب الباردة وضعت أوزارها، لكن حروب الشرق ماضية في تمارين إرادةٍ للقوة عمياء، تأكل أبناءها وتقوّي أعداءها.
من حدود الهند شرقاً إلى المغرب العربي المُطلّ على المحيط الأطلسي، لا تزال هذه القارة العربية الإسلامية عبارة عن ملاعب حمراء لضحايا إرادة القوة التي تُمْعن في الشراسة والضلال معاً بقدر ما تغيب عن سادتها وضحاياها معاً أسبابُها الحقيقية، إمّا عن جهل مستدام، موروث ومقدّس، أو عن تجاهلٍ ماكر وغبيّ في وقت واحد. ذلك أن إرادة القوة مهما تغيّرت أسماؤها، فإنها قادرة على الإمساك باستراتيجيةٍ للتسمية، قلّما يتنبه لها الفكر النقدي، وعندما قد يُتاح له تمزيق بعض عنكبوتها، فإنه قد يقع سريعاً في شباكها. وقد تكون الشعوب المستعمرَة (بفتح الراء) التي تظلّ كذلك، بعد تسميَّتها بالمتحررة، هي المنتجة أكثر من غيرها، لألاعيب القوى الصغرى، وإراداتها المتنافرة، غير القابلة لإدراك محركاتها من وراء ظهرها. ذلك هو الفارق (الأنطولوجي)، إذا شئنا، وليس التاريخي وحده. بين نوعين من جولات إرادة القوة في الساحات الخلفية لمنعطفات التغيير الكبرى في كلٍّ من المشروع الثقافي التكويني للغرب، أو للعرب والإسلام. ذلك أن العقل الغربي اشتغل مركزياً وتناوبياً على تفكيك لغز إرادة القوة ومفاعيلها. وكانت له جولاته الحاسمة معها وضدها. كان هو فارسها الفاتح المقدام، كما أنه يصير المرتدّ عليها لتصفية حساب جديد معها، بعد كل جولة تحالف وتشابك بين أهدافهما المشتركة مرحلياً، وفي حقبة حضارية معينة.
ذلك (الامتياز) يحدّده المشروعُ الغربي في ذاته، مما يجعله قادراً على إحداث القطيعة المعرفية في اللحظة التاريخية المناسبة التي تتيح له استرداد مسافة الانزياح المأمولة، عن إرادة القوة وسلطانها شبه المطلق على مَنْطِقهِ الذاتي وغائيته الموضوعية معاً. أما المشروع الثقافي العربي الإسلامي فلا يكاد يستشعر بأية فوارق معرفية أو كينونية، مع إرادةٍ للقوة هوجاء، صادرة عن عِقَدِهِ الذاتية، أو أنها منصوبة له كأفخاخ بأيدي عدوه الأزلي، ذلك الغرب (بالحرف الكبير) الذي لا يضيره أبداً الإعلان أنه هو المشروع الأوحد المجسِّد لإرادة القوة المطلقة في هذا العالم. ولا تبريرَ لها إلا نجاحاتُها المستطردة، طوعاً أو اغتصاباً لحريات وإرادات كل الآخرين.
الفكر النقدي الأوروبي، ومنذ ثورة الفيلسوف (نيتشه)، لا يكفّ عن فضح أسطورة هذا الاحتكار والتجسيد معاً لإرادة القوة، تلك (الميتافيزيقا) شبه اللاهوتية التي يرى فيها مجرد اختراع لمصدر غيبي آخر بديلٍ عن الدين، يشتغل على فبركة ثقافة التسويغ للعنف وتاريخه المتَّحد بأيديولوجيا التفوق الأُحادي. غير أن أي فكر نقدي لا يُسمح له علنياً النطقْ بأسباب هذا التفوق، الحقيقية. فهو كأيديولوجيا يدّعي أنه ابتنى للمدنية صُروحَها الثلاثة الثابتة: الديمقراطية والفردية والرأسمالية. كأنما تلعب الرأسمالية دور القاعدة المادية لكل من الديمقراطية والفردية. وفي هذه المعادلة تمارس إرادةُ القوة التمتّع بجائزتها (الفلسفية) العليا. إنها تضرب صفحاً على ذخيرة الفكر النقدي الغربي نفسه، تنسف أفضل انتصاراته على كل نفاق عقائدي. إذ كيف لأخطر نظام استغلال الإنسان للإنسان، الذي هو الرأسمالية، أن يكون ضامناً للديمقراطية، ومنتجاً للفردية، أي لاستقلالية الهوية الإنسانية؛ ومع ذلك لا يجد ثمّة مثقفون بارزون أيةَ صعوبةٍ منطقيةٍ أو أخلاقية في تثبيت هذه الثلاثية الملغومة من المُثُل المتناقضة، وكأنها ترفع أعلى سدَّة لمعيارية التقدم، أو بالأحرى.. ذلك التفوق، الذي لن يكون ولن يُفهم إلا باعتباره الوجه الآخر للمدنية، الذي هو البربرية، مشحونة دائماً في ركب الأولى، كأنها هي الاستراتيجيا القائدة الفعلية الوحيدة لشقاء العالم، تحت شعار تعميم مدنية الغرب على حضارات الإنسان وأقوامه جميعاً، بمعنى إعادتها إلى بربريتها الأولى.
نقول هذا في لحظة تصادم جديدة بين كل من الفكر الغربي والعربي إزاء ثورة الديمقراطية (الشعبية) التي تهز أصول الخارطة الاستعمارية المكونة لبنية التخلف العربي الإسلامي. واستدامته. فالغرب عاجز عن التدخل وعن عدم التدخل في آنٍ معاً.. وخاصةً في هذا الحدث (الديمقراطي) الأعظم، اللامنتظر واللامتوقع من قِبَل أحد. هذا الموقف المتناقض هو أحدث ظاهرة عن الحكمة القائلة أن أخشى ما تخشاه إرادة القوة هو انكشاف أسبابها الحقيقية. فالذهنية الجيوسياسية لسلطات الغرب، لا ترى في هذه الثورة سوى فرص الاضطرابات، أو الفوضى القابلة لإعادة التلاعب بمحركاتها حسب توصيفات المصالح ومنطقها البارد الجلف. ههنا يتم اختزالُ شعارية المدنية برؤوسها الثلاثة، لتغدو تابعة لواحد منها، هو الفعال والأبقى من زميليْه، إنه أخطبوط الرأسمالية، وحده المفترس لأسماك أكبر المحيطات، ناسفاً كلَّ ديمقراطيةٍ سليمةٍ خارجَ جغرافيتِهالموقف الغربي المتعارض بين حق التدخل، المشروع دولياً، وعدم التدخل، وهو الحاجب التمويهي للتدخل غير المشروع، ينتهي هذا الموقف إلى أخطر التباس سياسوي، بل لاأخلاقي في نتائجه المباشرة. ذلك أن الديمقراطية النابعة من دماء جماهيرها هي المخيفة لأسياد إرادة القوة العمياء وعبيدها. فإذا ما تُركت هذه الإرادةُ الهوجاء لأفاعيلها العشوائية، سوف تنصب كل أفخاخ البربرية في مواجهة انطلاقات الجماهير الشابّة ضد أصنام الظلم والعبودية؛ ما يتهدد ‘الربيعَ العربي’ هو استردادُه نحو أظلم شتاء دامٍ أسود سَبَقَه وعطّل مسيرتَه بين كل موسمٍ ثوري مجهض، وآخر حاصدٍ للشوك والعوسج. كأنما لا زهرة واحدة واعدة بربيع آخر، قد لا يأتي أبداً.
تقول فلسفة شرقية قديمة، هناك كثير من الصباحات قد لا يكون بينها صباح حقيقي.’ مفكر عربي مقيم في باريس