عمّان ـ ‘القدس العربي’: في ‘ربيع في عمّان’، الصادرة حديثاً عن دار أزمنة للنشر والتوزيع، يستأنف جعفر العقيلي تجربته القصصية التي بدأها بمجموعته ‘ضيوف ثقال الظل’ العام 2002. تشتمل المجموعة التي تقع في 80 صفحة من القطع المتوسط، على ثماني قصص هي: ‘علامةٌ فارقة’، ‘انتصار’، ‘ربيعٌ في عمّان’، ‘وقتٌ مستَقْطَع’، ‘تَـذكار’، ‘ضيوفٌ ثِقالُ الظّلّ’، ‘قشّةٌ تكفي’ و’دوار’. وفي صفحاتها الأخيرة مقتطفات مما كتبه نقاد وأدباء أردنيون وعرب حول تجربة العقيلي القصصية.
تشكل لغة العقيلي جزءاً أساسياً في بنية القصة، حيث إنها قادرة على التوالد والتشكل واكتساب أبعاد رمزية ودلالية وإشارية. وربما أن هذه اللغة هي ما قادت الناقد والشاعر حكمت النوايسة إلى التأكيد أن القاص ‘يضبط القصة إلى حدّ التّحكيك، ويعطي القصةَ حقها، فالواقعية منها واقعيةٌ ناجحة، والغرائبية منها غرائبيةٌ ناجحة، والذهنية الرمزية منها ناجحةٌ كذلك، بلغةٍ مضبوطة ومحسوبة، وبتقنيات قَصّ جميلة مع ضبطٍ للزمن، وللعناصر التقليدية للقصة، مع انفتاح القصة على التأويل والترميز’. كما ترى الكاتبة العراقية هدية حسين، أن قصص العقيلي تتميز بلغتها القريبة جداً من شخصياتها، وبفنيتها العالية، وبتواصلها مع القارئ من خلال المواضيع التي تهمّه، لأن العقيلي يختار نماذجه بدقة وبتجانس فني قريب من ذائقة القارئ ومن الواقع الذي يعيشه. كذلك، تنفتح لغة المجموعة على آفاق مبتكرة تنأى عن تكرار مفردات قاموسية مجترة، وتسعى القصص إلى اجتراح لغة فصيحة -بخاصة في الحوارات- قريبة للدارجة المحكية، متجنّباً القاص في ذلك الانزلاق في وهدة ‘العامّية’، وهو ما جعل الحوارات منسجمة مع وعي الشخصيات القصصية وواقعيتها.
من ذلك ما نقرؤه في قصة ‘ربيع في عمّان’ من حوار بين الأب وطفله: ‘وبينما كان يراوح بين مشيٍ وهرولة، تذكّر أن صغيرَه الذي حملتْ يُمناهُ صحناً زجاجياً لوضع الحمّص فيه، لا يفتأ يتذمّر من حصة الرياضة، فحثَّهُ على مُجاراته: المشي صباحاً مفيد. شد حيلَك. كان يوجّه النصيحةَ لنفسه أيضاً، فقد طالبه الطبيب في الزيارة الأخيرة بتخصيص وقتٍ للمشي، في مواجهة ما ابتُلي به من أمراضٍ تنهش جسده، بعضُها غدا مُزْمِناً.
أعرف. أعرف. إنه ينشّط الدورة الدموية. قالت لنا ‘الْـمِس’. التفتَ أبوه إليه مشجّعاً:
إذن أسرع الخطْوَ.. وانتبه للصحن. ويلكَ إنْ كسرتَه!’. وتبرز في عدد من القصص سخرية سوداء تتأتى من المفارقة في الموقف الذي تتصاعد فيه الأحداث دراماتيكياً، بشكل يدفع للضحك حيناً، وللبكاء أحياناً. كما تنفتح القصص على البعد الإنساني، وتتخلص من محدودية الزمان والمكان أو تتابعهما التعاقبي لصالح التتابع النفسي، حتى صار الحدث مشرعاً على التأويل ومحافظاً على روح المتعة والإدهاش، رغم أنه يلتصق بالواقع المعاش؛ منه ينطلق وإليه يعود.
وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب يوسف ضمرة أنه رغم التقنية السردية المباشرة، إلا أن العقيلي ‘قادرٌ بوضوح على شدّ الوتر الحكائي، بحيث تخلو قصصه من المواقع المترهلة، أو المستنقعات الرخوة، في ظلِّ حرصٍ فنّي جليّ على توريط القارئ، وإشراكه في صوغ الصورة الشاملة’. بينما يذهب الكاتب العراقي حميد سعيد إلى أن قصص العقيلي ‘تأخذ بالمتلقي بعيداً عمّا صار شائعاً في القصة الجديدة، وبات يثير إشكالية في النسب الأجناسي، فهي تذكّرنا بالمنجز القصصي بسماته الراسخة المشرقة، لكنها في الوقت نفسه تفيد من جديد السرد بحدوده المفتوحة، في تمثلٍ عميق، مما يجعل جديد قصة العقيلي، بعضاً من الكلِّ فيها، وليس مجرد إضافة شكلية وخارجية’. ورغم أن نصوص المجموعة، التي راوح السرد فيها بين ضميرَي المتكلم والغائب، تتشبث بالعديد من عناصر القصة الكلاسيكية، إلا أنها تتعامل مع هذه العناصر وفق أسلوبية تتجه إلى التقديم والتأخير في الزمن عبر استخدام تقنيات المونولوج والديالوج، وتداعي الحدث وفق الحالة النفسية للبطل لا بحسب الترتيب التسلسلي الذي يبدأ من نقطة وينتهي بها، كما أن ثمة تركيزاً على هواجس الذات ورؤاها الداخلية، وهو ما يدفع الناقد والقاص د.
سليمان الأزرعي يقول إن قصص العقيلي ‘نموذجٌ للبناء الكلاسيكي -فنياً-، لكنها تحمل في مادتها ومضامينها ومعالجاتها روحَ العصر، وقلقَ الإنسان الذي يغالب العواملَ المناهضة للحفاظ على ملامح إنسانيته’. كما ترى الناقدة د.
عالية صالح أن قصص العقيلي تتلمس ‘حيرة الإنسان المعاصر أمام انهيار منظومة القيم المتعارف عليها، وتساؤل الفرد حول مغزى الحياة’. مضيفة: ‘لحظات إنسانية قلقة وقف عندها الكاتب، واتخذ منها موقفاً حاسماً وحدّياً، مستخدماً الدلالات اللغوية المناسبة لطبيعة الحدث وأحوال الشخصية وخصائص القص وحركية الحوار والسرد ومظاهر الخيال والحقيقة’. تتنوع القصص في مضامينها، غير أنها تشترك في إبراز الهواجس الإنسانية، التي تتضح في صورة جلية عبر المفارقة ابنة اللحظة، وهي تعلي من قيم التمرد والثورة والاختلاف، ففي قصة ‘علامة فارقة’ تشكل الشعرة الناتئة رمزاً للتمرد والخروج عن السرب، وهي تواصل حفز الكاتب مانحة إياه بعضاً من خصائصها ليكتب. أما في ‘ربيع في عمّان’ فتكون همّة الطفل ابن السابعة، وإصراره على المشاركة في ‘الاعتصام’، المحركَ الأبرز للأب ليشارك وحيدَه رغبتَه، وحينئذ يكتشف أن دماء الحياة عادت تتدفق في روحه من جديد. وكذلك تكون الزوجة التي تعمل في التصوير الفوتوغرافي في قصة ‘تذكار’، هي من يدفع البطل للتأمل في ما يحيطه من أحداث ومشاهد ما كان ليتسنى له الالتفات إليها لولاها.. كتب القاص والروائي عدي مدانات على الغلاف الأخير للمجموعة: ‘يتقدَّم جعفر العقيلي في هذه المجموعة بخطى ثابتة ورشيدة، فنّياً وإنسانياً، نحو إعادة التموضُع في خانةِ الأدبِ الذي يحملُ سماتِ ونكهات الوطن والمجتمع والإنسان، من غيرِ استعلاءٍ ولا ملامسةٍ سطحية ولا خطابٍ فارغٍ من المضمون’. وأضاف مدانات: ‘العقيلي لا يقعُ أسيرَ اللغة، وإنّما يمتلكُها ويقودُها برشاقةٍ لتؤدّي غرضَها. يفتحُ الأبوابَ المغلَقة وينبشُ الأسرارَ ويُعيد صياغتَها ويلامسُ أرقَ المشاعر، ويضعُنا إزاءَ ما نحنُ عليه، بكلِّ إشكالاتِنا وطموحاتِنا، ضَعفِنا وقُوّتِنا، وضوحِنا وهواجِسنا’. ويؤكد مدانات أنّ الصحوةَ الجماهيريةَ العربيةَ الراهنة، فرضَتْ على كلّ مثقفٍ النهوضَ والمشاركةَ بفنه. هذا ما فعلَهُ جعفر العقيلي بقصصه، مستعيناً بموادّ لا تلفت الانتباهَ عادةً، لكنّها تأخذُ على يديهِ مهمّةَ كَشْفِ المستور وإضاءةِ المعْتِم.
يذكر أن العقيلي من مواليد العام 1974، نال شهادة البكالوريوس في الكيمياء، من جامعة اليرموك (1997). صدر له: ‘للنار طقوس وللرماد طقوس أخرى’، شعر (1995)، ‘لعبة السرد الخادعة’، حوارات مع الروائي إلياس فركوح، إعداد وتقديم (2007)، ‘في الطريق إليهم’، حوارات مع كتّاب من الأردن وفلسطين (2010)، ‘أفق التجربة’، حوارات عربية في الأدب والفكر والفن (2010). وهو عضو في الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين، أمين الإعلام والثقافة والنشر، الناطق الرسمي باسم الرابطة، ومدير تحرير فصليتِها الثقافية ‘أوراق’، كما أنه عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب، وعضو سابق في لجنته التنفيذية في الأردن (أمين السرّ، 2007؛ ونائب رئيس فرع الأردن، 2008-2009)، ويعمل محرراً لملحق ‘الرأي الثقافي’ في صحيفة ‘الرأي’ اليومية.