رجاء لا تغلقوا القوس: نحو تغييرات بنيوية في السياسية المغربية
23 - August - 2013
حجم الخط
0
شكل الحراك الاجتماعي والنقاش المفتوح بخصوص تمتيع الاسباني دانييل غالفان فرصة ‘تاريخية’ لإعادة بناء آليات الرقابة الشعبية على الفعل السياسي للدولة المغربية بكافة مؤسساتها. وبالرغم من كثير من التجاوز الذي ميز بعض النقاشات ومحاولة استغلال البعض لحالة ‘الارتباك’ التي واكبت معالجة الدولة المغربية للقضية للدفع بالأمور في غير اتجاهها الصحيح في محاولة بائسة للاستغلال السياسوي للموضوع تصفية لحسابات تضمرها نفوس ضعيفة معروفة، فإن ما واكب الأسبوع الماضي برمته جعل كثيرا من الصور تتوضح وأظهر، بما لا يدع مجالا للشك، أن الاختلالات موجودة بالمؤسسات بالنظر إلى تشبتها بالآليات التقليدية التي طالما لفت العلاقة بين الشعب ومؤسساته الحاكمة. والواضح أن محاولات التحديث التي تم الحديث عنها مرارا لم تفلح في بناء آليات عمل مؤسسي أكثر شفافية وأسرع تجاوبا مع ما تقتضيه المستجدات المتلاحقة. لا يمكن القول ان مجرد الوصول إلى ‘تحديد المسؤوليات’ في الخطأ المرتكب، الذي كلف المغرب غاليا على المستوى الدولي وسبب حرجا بالغا للمؤسسة الملكية محليا قد نحتاج إلى وقت طويل لتجاوزه، يعتبر نهاية المطاف. بل إن الفرصة مواتية، ولعلها هدية من السماء، للانطلاق في مسلسل تغييرات بنوية في هرم السلطة السياسية المغربية بهدف تقوية المؤسسات المختلفة بما يضمن تحديد المسؤوليات والواجبات من جهة وتحقيق التوازن المطلوب الوحيد القادر على تمكينها من حماية بعضها بعيدا عن اجتهادات فردية تنم عن غياب تواصل حقيقي أو تنسيق يقي من العثرات والتصريحات والبيانات المتناقضة التي لا تثمر غير صب الزيت على النار المتوقدة أصلا. فلا أحد يمكنه أن يستسيغ كيف أن الحكومة والبرلمان المغربيين كانا خارج دائرة الفعل والتأثير وتحمل الواجب من’المسؤولية للدفاع عن مؤسسة دستورية تشكل عصب الدولة المغربية وعن الشعب أيضا في مواجهة آلة القمع التي تحركت بفعل فاعل، قد يظل مجهولا كما عهدنا، ومن خلالهما على سمعة ومصالح المغرب الآنية والمستقبلية. ولا أحد يمكنه القبول بأن تترك المؤسسة الملكية في مواجهة الداخل والخارج ‘دون ظهير وسند حكوميين’، وإلا فما الهدف من انتخابات تبتغي البحث عن الشرعية الشعبية والسند الجماهيري. لقد بدا واضحا من خلال فصول ‘الأزمة’ الأخيرة أن النظام المؤسساتي السياسي المغربي في حاجة إلى تحريك مياهه الراكدة التي تجعل الفاعلين السياسيين حكومة وأحزابا مجرد كائنات ديكورية بعيدة عن التفاعل مع ما يعتمل داخل المجتمع، تكتفي بالفرجة والانتظارية على أمل وصول إشارة التحرك من القصر لتتحول إلى جوقة ببغائية تسيء إلى المؤسسة الملكية ومبادراتها أكثر مما تدفع باتجاه تكريس المكتسبات والبحث عن آفاق توسيعها. لقد كان الغياب الحكومي، اللهم بيان وزارة العدل الذي عقد الأمر بدل تحقيق انفراجة ولو بسيطة فيه، أول ناقوس خطر وجب الانتباه إليه. ولعل في اصطفاف وسائل الاعلام العمومية في خندق التعتيم لفترة قبل طبخ برامج تناقش الموضوع بسرعة، وعلى القناتين على نفس التوقيت وبنفس الموجة في الخطاب وبنفس الطريقة التقليدية في التناول، دافع آخر للنظر في أمر هذا الإعلام الحكومي الذي أشبعه أركان الحكومة ذاتها نقدا وتشكيكا لمصلحة الآلة الاعلامية المناوئة أو الباحثة عن الحقيقة على حد سواء. خلاصة القول ان آلية الاشتغال على العفو كانت خاطئة وخروج المتظاهرين للاحتجاج السلمي دليل تحضر ووعي عميقين، والتراجع عن العفو خطوة تاريخية بمعنى الكلمة. لكن التدبير السيء للمعالجة من طرف الدولة ومحاولة الاستغال السياسوي للقضية من طرف البعض اعتداء آخر على ضحايا المجرم دانيال. والآن وبعد أن هدأت الخواطر أو تكاد، ألم يحن الوقت لنجعل من قضية العفو الخاطئ عن مغتصب الأطفال فرصة للبحث عن نموذج حكم رشيد يقينا العبث بجسد هذا الوطن واغتصابه واغتصاب أحلام وطموحات أبنائه لحظة بلحظة. رجاء لا تغلقوا القوس لأن الواقعة وما تلاها من حراك لا يجب أن يكون مجرد قوس قابل للإغلاق.