لندن ـ ‘القدس العربي’ كتبت اليزابيث ديكنسون تقريرا في مجلة ‘فورين بوليسي’ عن ما أسمتها ‘كتائب الخليج السورية’ حيث تحدثت فيها عن الدور الذي لعبه المتبرعون في دولة الكويت في الإنتفاضة السورية.
وتنقل ديكنسون عن سوري من دير الزور كان يعمل ويعيش في الكويت، حيث شعر بالنشاط والفخر مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، النشاط الذي بدا من خلال الجهود لجمع المواد الغذائية والأدوية ونقلها بالشاحنات من الكويت للسعودية والأردن ومن ثم لسوريا.
وقد أنفق هذا الناشط ماله وكرس جهده ووقته لجمع المساعدات لأهله في سوريا.
وتنقل عنه قوله ‘لم نكن أبطالا ولكننا وضعنا في ظرف حولنا لأبطال’ حيث كان يتحدث عن جهوده في جمع الارز، والطعام، وشجع اصدقاءه وناقش مع أصحاب الشاحنات الذين لم يكن يهمهم سوى المال والربح.
ولم يمر وقت طويل على بدء العمل الخيري حتى بدأ رفاقه من السوريين في المهجر والمتبرعين الكويتين حيث تم اتخاذ قرار بدعم العمل العسكري ضد نظام بشار الأسد، ويعترف الرجل الآن بخطأ القرار ‘كان من الخطأ إنشاء الجماعات المسلحة’، لأنه ‘ليس بقدرتنا مواجهة جيش محترف’.
ويشير التقرير إلى الوضع الذي وصلت فيه الحرب في سورية بمئات من الفصائل المسلحة، وكان للكويت دور في هذا التطور، فقد جمعت الأموال من الأفراد والجمعيات الخيرية الإسلامية، فيما يعتقد البعض أنها مئات الملايين من الدولارات حيث تم إرسالها للجماعات المقاتلة في سوريا.
وتقول المجلة إن ‘الرعاة الكويتيين ساهموا في إنشاء وتشكيل ودعم الكثير من الجماعات الأكثر تشددا من بين فصائل المقاومة ضد الأسد، بمن فيهم أحرار الشام وربما وصلت الأموال لجبهة النصرة التي ترتبط بالقاعدة’.
وكان أثر هذا الدعم مدمرا على سوريا، حيث يقول السوري المقيم في الكويت إنه شعر كما لو بدت الأشياء بالإنهيار أمامه. فما حدث هو قيام مجموعة من المتبرعين الذين قام كل واحد منهم بإنشاء مجموعته الخاصة، وقد اعتمدت الجماعات المسلحة على الدعم من الخارج حيث تطور كل فصيل على حدة ويقول السوري ‘لقد أسهم المال من جهات مختلفة في تقسيم الجماعات المسلحة’.
ومثل بقية الثورات العربية فقد بدأ السوريون في الكويت بالأمل، حيث توقع الجميع أن يتم التخلص من نظام الأسد بنفس السرعة التي تم التخلص فيها من أنظمة أخرى في تونس ومصر وليبيا.
وعندما بدأت القصص تنتشر في الكويت بين السوريين عن الجرحى والمعتقلين والتعذيب، واعتقال الأطفال من الشوارع، وإطلاق النار على المتظاهرين العزل بدؤوا بكتابة قوائم بأسماء العائلات المحتاجة.
ومع تزايد أعداد القتلى بدأ رجال الأعمال السوريين الذين يعرفون بعضهم البعض بالتعاون لدعم الأهالي في داخل سوريا. وعملوا في البداية سرا وبصمت خوفا من استهدافهم من الحكومة الكويتية او النظام السوري، خاصة أن النظام بذر بذور الشك بين السوريين في الخارج، ولم يتخلصوا بعد من هذا الشعور على الرغم من 3 أعوام على الإنتفاضة ‘ حتى الآن لا يزال الناس يخافون من بعضهم، وأنهم سيخبرون السفارة..’ السورية قبل إغلاقها.
دخول المتبرعين الكويتيين
ومع نهاية عام 2011 وتدهور الأوضاع في سوريا بدأ بعض رجال الأعمال يتحدثون علنا واتصلوا مع جمعيات خيرية كويتية وافراد من المتبرعين الكويتيين المعروفين بدعمهم للقضايا العربية والإسلامية. ولكن المتبرعين هؤلاء كانت لديهم كما يقول التقرير فكرة أخرى حول ما يريدونه من الدعم وكيفية استخدامه في سوريا، مقاومة مسلحة ضد الأسد.
ويشير السوري الذي تحدثت معه المجلة أن جمعية سلفية معروفة ‘عبرت بطريقة غير مباشرة عن رغبتها إنشاء جماعات مسلحة’، فقد كانوا ‘يرغبون بتقصير أمد الثورة السورية من خلال إنشاء جماعات مسلحةـ وكانوا يريدون عمل شيء أكثر من إطعام السوريين، كانوا يريدون جماعات مسلحة لحماية المدنيين من النظام’.
ولم تعد المساعدات التي تجمع تخصص للدعم الإغاثي فقد أصبحت تقسم بين الدعم الخيري والعسكري.وأصبح جمع التبرعات للعمل العسكري بحلول 2012 يتم بطريقة مختلفة تستخدم فيها وسائل التواصل الإجتماعي.
وبات الكثير من المتبرعين يسافرون لسوريا شخصيا، ولم تعد الكلمات تدور حول ‘ملجأ’ ‘طعام’ أو ‘دواء’ السلاح ودعم المجاهدين في سوريا.
ويقول حجاج العجمي أحد داعمي المسلحين ‘كتائب المجاهدين بحاجة الى حماية من الجو وصواريخ مضادة للدبابات’.
تسويق الفصائل
ومع تطور الكتائب بدأت هذه الجماعات بتعيين ممثلين لها في الكويت من أجل جمع الدعم ‘مثل رجال أعمال يقومون بتسويق تجارتهم جلسوا مع شيوخ كويتيين يتناقشون حول كأس شاي عن من قدم شهداء وخاض معارك أكثر مع النظام’، وتضيف المجلة أن بعض هذه الفصائل بدأت تتشكل حول هوية أيديولوجية بناء على هوية داعميهم الكويتيين.
وتنقل عن نائب سابق في البرلمان الكويتي قوله ‘أدى هذا العدد الكبير من الداعمين إلى مشكلة كبيرة، فقد جعلت كل فصيل يشعر أنه ليس بحاجة للفصيل الآخر’.ويقول النائب الذي جمع تبرعات للجيش الحر ‘مثلا لواء التوحيد ليس بحاجة لأحرار الشام بنفس الطريقة التي لا يحتاج فيها هذا الأخير جبهة النصرة’.
ومع بطء تحقق النصر كما كان المتبرعون يأملون ولهذا بدأ الدعم يقل، مما قاد في بداية العام الحالي لنزعات تشدد أكبر حيث بدأ المتبرعون بوضع الحرب في سورية في سياق حرب وجودية بين إيران وحزب الله من جهة وبقية العالم السني. وكما يقول العجمي ‘ألا يدفعك الحرص على السوريين وحمايتهم من المجرمين لفعل شيء’.
وقال في تغريدة ‘حتى لو طال أمد هذه الحرب انضم للقافلة وقاتل الشيطان الذي تمثله إيران وحزب الله’.
وتختم الكاتبة مقالها بالقول إن السوريين العاملين في الكويت عاد إليهم الخوف من جديد وهذه المرة ليس الخوف من السلطات الكويتية ولا النظام السوري بل من المتطرفين الإسلاميين مثل جبهة النصرة، ويشعرون أنهم سيكونون أول ضحاياهم أي المعتدلين وهذا ما يدفعهم كما تقول صحيفة ‘اندبندنت’ للتفكير في خطة أخرى، ليس من في الكويت ولكن الجيش الحر، أي حملة كسب العقول والقلوب.
حملة كسب العقول
فليست القاعدة أو الجماعات الجهادية هي من تقوم بحملات كهذه، بل جاء الدور على الجماعات المعتدلة التي وجدت نفسها أمام معضلة خسارة تأثيرها بسبب التقدم الذي حققته الجماعات المتشددة، ومن هنا بدأت حملة يقول مراسل صحيفة ‘إندبندنت’ البريطانية إنها ‘تقلد’ الأساليب التي استخدمتها الدولة الإسلامية في العراق وسورية ‘داعش’.
وستقوم المعارضة السورية المسلحة بالتركيز على ما وصفه بـ ‘القوة الناعمة’ من خلال زيادة الدعم الإنساني وتوفيره للمناطق التي تحتاجه بشكل كبير. ويأمل الإئتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة والمجلس العسكري الأعلى للثورة السورية ومن خلال هذه الحملة بتهميش الجماعات الجهادية عبر القوة الناعمة هذه.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في المجلس العسكري قوله ‘لقد اكتشفنا انه من أجل مواجهة القاعدة علينا مواجهتها من الجانب الإجتماعي وليس العسكري فقط’ مضيفا ‘نقوم بمضاعفة جهودنا على هذه الجبهة أيضا’.
مواجهة داعش
وتقول الصحيفة إن المبادرة هي رد على حملة غير مسبوقة من قبل داعش بدأت العام الماضي من اجل الحصول على دعم السوريين الذين يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، لغرض تعزيز مواقعها والتقدم نحو تحقيق هدفها بإقامة دولة إسلامية في سورية.
فقد قامت داعش او ‘الدولة’ كما تعرف في شمال سورية بحملات تشمل على أيام للترفيه وملاعب للأطفال، وقامت بتوزيع الطعام في المناطق التي تعاني من قلة في المواد الغذائية، وأنشات ما ينظر إليه كأسس الدولة من فتح مدارس تدرس مناهج دراسية تحمل شعار الدولة، وأنشأت محاكم شرعية، ومن خلال هذه المبادرات حققت ‘الدولة’ نفوذا في مناطق عادة ما كانت تجد الرفض فيها.
وما استطاعت ‘الدولة’ تحقيقه جاء على حساب نفوذ وتأثير الجماعات المعتدلة التي لا تملك الدعم المالي الكافي المتوفر للجماعات الجهادية والذي تحصل عليه من ممولين ومتبرعين في خارج سورية.
نحن الأفضل
وما يدفع المعارضة السورية لهذا التوجه هو الإيمان أن السوريين لو خيروا بين دعم يتلقونه من ‘الدولة’ او من الجماعات المعتدلة، أي منهم لاختاروا المعارضة المعتدلة.
وتأمل هذه الأخيرة بتخفيف حدة المواجهة العسكرية مع الدولة والتركيز على الجهود العسكرية ضد نظام بشار الأسد.ويقول التقرير إن قدرة ‘الدولة’ الإعلامية وبراعة حملتها الدعائية لا تعني عدم تشكك السوريين من نواياها، خاصة أن سمعتها ارتبطت بالقتل والإستهداف الطائفي، وقامت بتنظيم إعدامات جماعية.
واتهم تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش، مقاتليها ومعظمهم من الأجاب بارتكاب مجازر في قرى علوية في الصيف الماضي.
ويقول مستشار للمجلس العسكري ‘الناس لا يحبون داعش، فأيديولجيتهم المتطرفة غريبة على الشعب السوري، ولكنهم أي الشعب السوري بحاجة ماسة للدعم ولا يمكنهم رفض المساعدة’ من القاعدة. وهذه ‘هي الطريقة الوحيدة لمنع القاعدة من إقامة أسس لها في سوريا، لأنها ليست خطرا على سوريا فقط بل وعلى الغرب’.
ويقول المجلس العسكري إنه أقام مكاتب له في حلب وإدلب وضواحي دمشق لغرض زيادة توزيع الأغذية والأدوية للمدنيين في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية.
ويخطط المجلس لإنشاء قوة شرطة والتحول إلى قوة حفظ نظام وأمن في المناطق، اضافة لإنشاء برامج تعليمية.
مشاكل
وتشير الصحيفة إلى المعوقات التي تقف أمام الحملة خاصة أن المعارضة السورية كافحت طوال الحرب من أجل الحصول على دعم قطاع واسع من الشعب السوري. وبسبب ابتعاد المعارضة عن قواعدها في اسطنبول فقد تعرضت للانتقاد وأنها لم تقم بعمل الكافي لتخفيف المعاناة عن الشعب السوري الذي تقول إنها تمثله، وعادة ما يشار إليها بعبارات تهكمية بأنها ‘معارضة فنادق الخمس نجوم’ لأنها تعقد مؤتمراتها في فنادق الخمس نجوم التركية.
ونقلت عن ناشط اسمه محمد من بلدة يبرود قوله إن ‘معظم الناس فقدوا الثقة بالمعارضة، فهم يتكلمون ويتكلمون بدون تقديم مساعدة لنا، كما أنهم يتلقون أوامر من دول أخرى’.
موقف محمد يوافق عليه الكثيرون وربما كان وراء حملة المجلس العسكري للوصول إلى القواعد، في الوقت الذي تتراوح فيه مواقف السوريين من المعارضة.
لكن مشكلة المجلس تظل باقية في ظل استمرار الحرب فتوزيع المساعدات سيواجه معوقات ومخاطر. ويقول مسؤولون في المجلس إن مساعداتهم عادة ما تتعرض للخطف والمصادرة من داعش.
ومن أجل الوصول للمناطق التي تحتاج المساعدة فعلى المعارضة المعتدلة تحسين الأمن على خطوط نقل الإغاثة.
ويواجه المشروع الجديد لكسب العقول والقلوب مشكلة أخرى، فقد اتهمت وحدة التنسيق والمساعدة المسؤولة عن نقل المساعدات اتهامات بسوء الإدارة والفساد.
وقام 25 من العاملين فيها الإسبوع الماضي باضراب طالبوا بتحسين الوضع ومواجهة مشاكل الفساد داخل الوحدة ‘ووضع حد للمحسوبية’.
وتختم الصحيفة بالقول إن المعركة الأخيرة تأتي في وقت زادت فيه مظاهر التوتر بين الجهاديين والجماعات المعتدلة التابعة للجيش الحر، ومعارك لتعزيز النفوذ في شمال سورية كما حدث في أعزاز في أيلول (سبتمبر) الماضي، إضافة لمناوشات أخرى حدثت في حلب وإدلب واللاذقية وغيرها.