القاهرة – رويترز: رحب عدد من رجال الأعمال المصريين أمس الجمعة بخفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الرئيسية 150 نقطة أساس (1.5%)، في خطوة وصفوها بالإيجابية لتحفيز الاستثمارات، لكنهم أكدوا على حاجة بيئة الأعمال في مصر إلى مزيد من الخفض خلال الفترة المقبلة.
وجاء خفض أسعار الفائدة الليلة قبل الماضية للمرة الأولى منذ فبراير/شباط، بفضل انخفاض معدلات التضخم عن المتوقع في الآونة الأخيرة.
وقالت لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك المركزي الليلة قبل الماضية أنها قررت خفض سعر الإيداع لأجل ليلة واحدة إلى 14.25 في المئة من 15.75 في المئة، وسعر الإقراض لليلة واحدة إلى 15.25 في المئة من 16.75 في المئة.
وأضافت ان قرارها جاء بفضل «استمرار احتواء الضغوط التضخمية وكافة التطورات المحلية والعالمية»، مضيفة أن القرار «يتسق… مع تحقيق معدل التضخم المستهدف والبالغ تسعة في المئة (تزيد أو تنقص ثلاثة في المئة) خلال الربع الرابع لعام 2020 واستقرار الأسعار على المدى المتوسط». وأضافت «سنستمر في اتخاذ قراراتنا بناء على معدلات التضخم المتوقعة مستقبلا وليس معدلات التضخم السائدة».
وقال صفوان ثابت، رئيس مجلس إدارة شركة «جهينة للصناعات الغذائية»، أكبر منتج للألبان والعصائر المعبأة في مصر «خفض الفائدة سيكون له تأثير إيجابي… وقد يكون هناك خفض آخر خلال الستة أسابيع المقبلة، وهو ما قد يجعل الشركات تستثمر (من جديد) خلال الربع الأول من العام المقبل». وأضاف «الخفض سينشط السوق بعد حالة الركود التي شهدتها في الفترة الماضية… في حالة وصول الفائدة إلى 10-12 قبلفي المئة سيشجع ذلك (الشركات) على ضخ استثمارات كبيرة».
تحفيز الاستثمار
وكان سبعة من 13 خبيرا اقتصاديا استطلعت رويترز آراءهم قالوا ان البنك المركزي سيخفض أسعار فائدة ليلة واحدة بمقدار 100 نقطة أساس. وتوقع ثلاثة خفضا بمقدار 150 نقطة أساس.
وقال هاني أمان، العضو المنتدب للشركة الشرقية إيسترن كومباني «الشرقية للدخان» التي تحتكر صناعة السجائر في مصر، ان خفض الفائدة سيؤثر إيجابا على الاقتصاد بوجه عام من خلال تحفيز الاستثمار.
وأضاف «القرار سيحفز الشركات على الاقتراض والتوسع في الفرص الاستثمارية، طالما كان العائد من الاستثمار أعلى من معدل الاقتراض… وسيشجع أيضا الأفراد على عدم تخزين الأموال في البنوك وإطلاقها في المشاريع الاقتصادية».
ومنذ تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة لليلة واحدة بمقدار 700 نقطة أساس (7%) لمكافحة قفزة في التضخم، وهو ما أوجد شهية غير مسبوقة لأدوات الدَين المحلية، لكنه أبطأ الاستثمار الأجنبي المباشر والاستثمارات المحلية التي تحتاجها البلاد بشدة.
لكن تحرك المركزي أمس الأول جاء بعد أن تباطأ معدل التضخم إلى 8.7 في المئة في يوليو/تموز من 9.4 في المئة في يونيو/حزيران.
وقال يحيي أبو الفتوح، نائب رئيس البنك الأهلي المصري، ان «القرار جاء استجابة لمطالب المستثمرين بخفض الفائدة للمساهمة في دفع استثماراتهم والتوسع في التمويل».
وقال حسن مبروك، نائب رئيس شركة «يونيفِرسال» لصناعة الأجهزة الكهربائية «القرار إيجابي إلى حد ما، لكن أسعار الفائدة بعد الخفض لازالت مرتفعة… أسعار الفائدة المشجعة للاستثمار تدور بين 10و12 في المئة».
أما هاني برزي، رئيس المجلس التصديري للصناعات الغذائية ورئيس مجلس إدارة شركة «إيديتا» الغذائية، وهي واحدة من أكبر الشركات الغذائية في مصر، فقد اعتبر قرار البنك المركزي إيجابياً للغاية بالنسبلاقتصاد المصري والاستثمار. وأضاف «الأسعار الحالية للفائدة ليست الأفضل، وكلما تراجعت كلما بعثت برسائل إيجابية للاستثمار».
توقع زيادة الاقتراض
وقال محمود منتصر، نائب رئيس «بنك الاستثمار القومي»، ان «خفض الفائدة سيعقبه نشاط في الاقتراض من جانب المستثمرين، ويشجعهم على تنفيذ مشاريعهم التي تأجلت بسبب ارتفاع تكلفة التمويل».
وتوقع تامر بدر الدين، رئيس مجلس إدارة «البدر للبلاستيك»، ارتفاع الاستثمارات والسيولة والقوة الشرائية في السوق، واتجاه رؤوس الأموال للبحث عن فرص استثمارية بديلة للادخار في البنوك.
ويرى أشرف الجزايرلي، رئيس غرفة الصناعات الغذائية في اتحاد الصناعات المصرية، والمدير التنفيذي لشركة «يونيليفر مصر»، ان بداية نزول أسعار الفائدة خبر ممتاز للقطاع الصناعي، سيؤدي إلى إعادة نظر الشركات في تقييم استثماراتها والتوسعات الجديدة التي كان يصعب القيام بها في ظل أسعار الفائدة المرتفعة.
وأضاف «أسعار الفائدة لا تزال مرتفعة لكن الخفض يعطي مؤشرا جيدا للمستثمرين المحليين والأجانب.. نأمل في استمرار خفض أسعار الفائدة حتى تعود إلى مستويات ما قبل 2011».
قال محللون اقتصاديون ان مصر مازالت بحاجة إلى مزيد من خفض أسعار الفائدة لإنعاش السوق، وتشجيع رجال الأعمال على ضخ المزيد من الاستثمارات في البلاد، التي عانت من ضعف الاستثمار الأجنبي المباشر والمحلي خلال الفترة الماضية.
وقال بنك «سي.آي كابيتال» الاستثماري ان خفض سعر الفائدة الرئيسي للمرة الثانية على التوالي ضروري للإشارة إلى استئناف دورة التيسير النقدي وعدم إحباط المستثمرين المحليين والعالميين.
وقال نعمان خالد، محلل الاقتصاد الكلي في البنك «نتوقع أن يخفض المركزي أسعار الفائدة 100 نقطة أساس (1%) في الاجتماع المقبل خلال سبتمبر (أيلول)، ليُثبت أن قرار الخفض لم يكن منفردا بل بداية لاتجاه نزولي لأسعار الفائدة في مصر.» وأضاف «خفض المركزي لأسعار الفائدة يقلص تكلفة اقتراض الشركات وهو ما يؤدي إلى انتعاش السوق». وصف هاني فرحات، المدير العام ورئيس معلومات السوق في «بنك مصر»، القرار بأنه «مؤشر واضح على الثقة في النظرة المستقبلية لمصر، ونقطة تحول صوب دورة نمو أعلى منتظرة لما بعد صندوق النقد الدولي.»
وقال محمد أبو باشا، الخبير الاقتصادي لدى «المجموعة المالية هيرميس»، أكبر بنك استثمار في الشرق الأوسط، ان قرار المركزي «مشجع للاستثمار لكننا نحتاج إلى خفض بمقدار 100 نقطة أخرى من أجل إعطاء دفعة قوية للاقتصاد الحقيقي وليس أسواق المال فقط».
وقال محسن عادل، الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لـ»هيئة الاستثمار المصرية»، ان «القرار سيخفض أعباء التمويل على الشركات ويعطي فرصة لزيادة معدلات الاستثمار وخاصة في قطاعي العقارات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات».
وترى رضوى السويفي، رئيسة قسم البحوث في بنك «فاروس» الاستثماري، ان الاقتصاد المصري يحتاج إلى مزيد من خفض أسعار الفائدة بنحو 300-500 نقطة أساس (3 إلى 5 في المئة) خلال العامين المقبلين، منها نحو 150 نقطة أساس قبل نهاية هذا العام لإنعاش السوق.
وأضافت ان هناك حاجة إلى أن «يصل معدل إقراض الشركات بين 13 و14 في المئة، وهو مستوى يسمح لها بالاقتراض من البنوك لتمويل توسعاتها الاستثمارية».
وقال عمرو الألفي، رئيس قسم البحوث في «شعاع لتداول الأوراق المالية»، ان البنك المركزي سيركز أكثر خلال الفترة المقبلة على زيادة النمو الاقتصادي وارتفاع الاستثمارات، «وهو ما يتطلب خفضا أكبر في الفائدة بين 50 و150 نقطة أساس».
وقال أنغوس بلير، رئيس مؤسسة «سيغنت» للتوقعات الاقتصادية، إن القرار «سيساعد الاقتصاد بالطبع، لكن ينبغي خفض الفائدة أكثر من ذلك لتشجيع القطاع الخاص على الاقتراض.» وأضاف «بالنسبة للحكومة، الأمر أهم لأنه سيساعدها على تقليص مدفوعات الفائدة، ومن ثم إتاحة المزيد من الأموال للحكومة لزيادة الإنفاق في الاقتصاد الحقيقي.»
وقالت مايا سنوسي، كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط في «أكسفورد إيكونوميكس» الاستشارية في لندن «تراجع التضخم شجعهم على المضي أبعد من ذلك.» وأضافت «من المرجح أن القرار يرجع أيضا إلى اتجاه أسعار النفط للانخفاض.. وافتراض بأن أثر الجولة الثانية التضخمي لتخفيضات الدعم سيكون محدودا.» وقالت رضوى السويفي، مديرة الأبحاث لدى فاروس للوساطة في الأوراق المالية «التأثير على الاستثمار سيظهر في النصف الثاني من 2020 بعد أن يصل إجمالي الخفض إلى 3-5 في المئة.»
يذكر ان تقليص دعم الوقود، الذي أرهق الميزانية لعقود، كان ركنا أساسيا لحزمة إصلاحات، اشترطها «صندوق النقد الدولي عام 2016 مقابل منح مصر قرضا بقيمة 12 مليار دولار لمدة ثلاث سنوات.
أحوال الناس لم تتحسن
وتضمن الاتفاق الهادف إلى إعادة جذب المستثمرين بعد سنوات الاضطراب التي أعقبت انتفاضة 2011، خفضا حادا لقيمة الجنيه واستحداث ضريبة قيمة مضافة. وبالفعل فقد الجنيه نصف قيمته، لكنه بدأ بالتحسن التدريجي منذ ذلك الحين، وارتفع نحو سبعة في المئة مقابل الدولار منذ بداية العام الحالي.
وباستثناء قطاع الطاقة، وجدت مصر صعوبة في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر منذ 2011، ليشهد الربع الأول من 2019 أدنى مستوى للاستثمار الأجنبي المباشر غير النفطي في خمس سنوات على الأقل.
كما ان المزيد من المستثمرين المحليين خفَّضوا استثماراتهم في السوق خلال الفترة الماضية، بسبب ارتفاع التكلفة وضعف الشهية الشرائية في السوق. وحقق الاقتصاد المصري نموا بلغت نسبته 5.6 في المئة في 2018-2019 مقارنة مع أرقام لم تزد عن ثلاثة في المئة بعد انتفاضة 2011. لكن رغم التحسن الملحوظ في جميع مؤشرات الاقتصاد المصري لم تنعكس تلك الأرقام البراقة بعد على حياة ملايين المصريين الذين تحملوا تقشف برنامج للإصلاح الاقتصادي، بل زاد معدل الفقر في البلاد وفقا لأحدث مؤشرات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، التي أظهرت ان نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر زادت إلى 32.5 في المئة في السنة المالية 2017-2018 من 27.8 في المئة في 2015-2016.
(الدولار يساوي 16.52 جنيه مصري).
(النقطة المئوية تساوي 100 نقطة أساس).