رجع وجع الأحداث القريبة/البعيدة…
خميس الخياطيرجع وجع الأحداث القريبة/البعيدة…قد تكون للصدفة بعض الحيل في تعاملها مع الانسان فتضعه أمام بعض الحقائق التي كانت تختلف الي ذهنه دون حواسه فتتجسد له ملموسة تمتحنه في مواقفه ومعتقداته. هي حالة واجهتني في اجازة (مبرمجة منذ أمد طويل) بمدينة صغيرة بالجنوب التونسي واقعة علي مرمي حجر من الحدود الليبية وفي الأسبوعين الأولين من الأحداث اللبنانية التي ارتج لها العالم العربي من طرف الي طرف. هذه المدينة! ثلاثة أرباع سكانها هم من المهاجرين المنشطرين بين من استقر في فرنسا ومن وضع وزره بالجزائر والثلث الأخير من العجائز والشيوخ والأطفال والبعض ممن لم يؤاته الحظ ليحصل علي تأشيرة باب الجنة .مهاجرون لمحو الاشهر الاحدي عشرة المشحونة غربة واشغالا شاقة ومهانة ودونية مع حنين ثقيل جارح للأهل والوطن (كما ينطقونها)! يسرفون في مظاهر البذخ الخارجي فتجد المنازل علي أشكال غريبة وزركشة خشنة ولكن دون حياة الا في فترة الأجازة هذه وتجد التكنولوجيا المبعثرة المنشورة كأحدث سيارات وأتقن آلات التصوير الرقمي وأفخم الأدوات المنزلية في ما بقيت الطيبة والخلق الحسن علي حالهما من جهة ومن جهة أخري تطورت الرؤية لتضـــــــيق علي الهوية محافظة عليها كما يقولون… عائلات نساؤها محجبات بما يعتبرنه فرضا اسلاميا جاءهن في المهجر من الفضائيات الخليجية!رجالهم ملتحون كما لو ان الايمان يقاس بكثافة الشعر والزبيبة علي الجبين وان لم يكونوا كذلك! فهم علي فرائضهم حريصون! شباب ذكوري لا يكف عن الرواح والمجيء في الشارع الرئيسي بتسريحات للشعر غريبة يخاطبون بعضهم بلغة عويصة الفهم علي أوليائهم واناث مجتمعات يتبادلن الأسرار جميعهم كأنهم منعزلون عن محيط عام لا ينتمون اليه الا في هذه الأسابيع المعدودات التي لونتها الأحداث بلون الدمار وقبل العودة الي ديار… الغربة. لا تلفزة غير الجزيرة وتأتي الأحداث التي نعرف. وان كان الشباب في عالمه منحبسا والنساء بمهامهن منشغلات فان الرجال لا هم لهم حينها الا ما يحدث في غزة وخاصة ما يجد في الجنوب اللبناني وشمال اسرائيل عبر جهاز التلفزة دون الاذاعات (غير المسموعة) والجرائد القليلة التوزيع في تلك المدينة… وكرد فعل للموقف السعودي من أن المقاومة غير محسوبة فصل البعض بين مكة المكرمة وآل سعود وان لم يشاهدوا قط قناة سعودية لا الجامعة ولا الاخبارية. يعيبون علي الفضائيات المصرية التي كانت تجذبهم مسلسلاتها كونها تلفزات حكومة رأت هي الأخري أن المقاومة مغامرة. أما قناة المنار لسان حال حزب الله الماسك بزمام مجري الأحداث فانها هي الأخري لم تستهوهم، وتراهم رغم اختلاف مواطن عيشهم في المهجر يرفضون مشاهدة قناة غير الجزيرة … أما قناتهم القومية تونس 7 فهي لم تكن موجودة في خاطرهم أبدا لا زمن الدراما المستوردة أو حتي الوطنية المعادة ولا حتي للنشرة الجوية… الشباب لاه بشبابه. والنساء لاهيات بأمور الزيجات الموسمية والرجال يعودون للتلفاز بعد الصلوات واحتساء الشاي كمن يعود ليبحث في حاله ويسألون: أي مدينة اسرائيلية جديدة ضربها حزب الله؟ كم من يهودي لقي حتفه؟ ماذا قال حسن نصر الله في لقائه الفريد مع غسان بن جدو (فيما بعد في قناة الحوار وبرنامج كل العرب أوضح التونسي بن جدو مساء الثلاثاء في حديث مع التونسية كوثر البشراوي وبكلمات جد صادقة مناسبة اللقاء أراده حسن نصر الله وكيف كون له ذلك أفضل انجاز صحافي قام به)! يلعنون بألفاظ دينية ممزوجة بافكار خرافية الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته. أولمرت ووزيرة شؤونه الخارجية ولا أحد منهم استفزه علي سبيل المثال ناطق باسم الجيش الاسرائيلي يرطن بالعربية علي شاشة الجزيرة لغة خشبية ألفوها وعرفوا مقدماتها وبطونها… وطالما شاشة التلفاز مفتوحة يمر الزمن مسترسلا في الدعاء لنصرة المسلمين علي اليهود. وحينما يكتشفون أن الناصرة مدينة عربية فلسطينية ضمت الي اسرائيل وأنها مسقط رأس السيد المسيح ابن مريم وحينما يكتشفون أن عزمي بشارة الفلسطيني نائب في البرلمان الاسرائيلي ويكتشفون أن هناك من اليهود من هم ضد هذا العدوان الغاشم وحرب الابادة التي يشاهدون تتضارب الخيوط مع بعضها البعض لتتعقد وتكاد الأسئلة تعن لولا صوت البعض منهم يقول اليهودي يبقي يهوديا والشيطان لا منزل له ! تعود الامور الي سلاستها وتتسطح الأسئلة ليبقي التضامن صافيا من ادني شك في شرعيته… فلا فرق لديهم بين اليهودية والصهيونية… وفي المرات القلائل التي يسبحون فيها من الجزيرة الي المنار ومنها الي العالم وقد يحط رحالهم بالعربية ويعلمون أن حزب الله صد الهجوم البري وما زال يوقفه عند مداه المحدود جدا! يشكرون الله علي ذلك وهم يغتسلون الايادي… يتردد الخبر ويسري بين الرجال! ضيوف مأدبات عشاء الأعراس حيث الذكور في جانب للأكل والنساء في جانب لتجهيز الأكل وفي فضاءات لا زخرفة فيها الا أطر الآيات البينات وأسماء الله الحسني ومنمنمات الكعبة! ترجع الأفواه المملوءة كسكسا أو معكرونة ممزوجة بالمشروبات الغازية صدي انتصارات صواريخ حزب الله التي يذكرها وليد العمري أو شيرين أبو عاقلة من حيفا او كاتيا ناصر من الجنوب اللبناني أو بشري عبد الصمد من بيروت… وقد يرتفع صوت من هناك بالحمد وآخر من هنا بالبسملة وثالث لا تعرف من أين بالشكر لله فتخال نفسك في مشهد من فيلم من أفلام البيبلوم عن الاسلام الأول. علامات عودة الروح؟ وحينما اعترف الشيخ حسن نصر الله أمين عام حزب الله! من أنه يحارب قوة اقليمية عظمي هي القوة العسكرية الاسرائيلية ووعدها بما بعد حيفا وأن تطال صواريخه تل أبيب ان مست قنابل طائراته بيروت قال البعض ان ذلك ليس من حقه وعابوا عليه اقتناعه بصلابة عدوه وعللوا ذلك بأن اعترافه سيحط من عزيمة وايمان عسكره الذين يشاهدونه… فقام أحد من الحاضرين وبدأ بشرح مقارنا ما صرح به سماحة الشيخ وما يحدث مثلا مع أنصار فريق ما لكرة القدم… مع التأكيد علي نجاعة ضربات صواريخ رعد ووعد زلزال وخيبر… وحينما تأتي كلمة الشيعة يسأل البعض عن معناها والفارق بينها وبين السنة ويجيب البعض الحاضر عن ذلك. فتتفتح آفاق. وحينما تشير أنت الي نشر هذا الحزب لمقولات انغلاقية. رجعية تتعارض وما توصل اليه الاجتهاد التونسي في موضوع المرأة مثلا زمن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة. تطلع من حيث لا تدري ولاءات قديمة لمعارض بورقيبة، صالح بن يوسف وتصمت أصوات وتجد نفسك علي خط التماس فتحاول السباحة نحو الثقافية المصرية حيث تذكرت أن بها نقاشــــــــا هاما في برنامج كتب ممــــــــنوعة عن كتاب علي عبــــــد الرازق الاسلام وأصول الحكم أو حينما تريد التحدث في مرجعيات حماس وحزب الله وايران والمجتمع المدني وتحرير المرأة والوسطية التونسية! يحترمون رأيك كونك ضيفا عليهم ويطلبون منك بلطف العودة الي الجزيرة التي أصبحت البوصلة الوحيدة والدالة الرئيسية علي عودة الروح الي الكيان العربي/الاسلامي… أما مشاهدة الرأي الآخر والصور الأخري علي القنوات الفرنسية مثل LCI وI tele و Euronews أو البريطانية مثل BBC أو الامريكية مثل CNN! فهو أمر مستحيل لا لسبب الا لأن هذه القنوات ممسوحة بالكامل من ذاكرة اللاقط الهوائي الرقمي… وتبقي قناة الجزيرة وحدها الوسيلة المثلي للتأكيد علي القناعات حتي الخرافية منها. فحينما شاهد البعض مدير مكتب الجزيرة ببيروت يهرول وسمع صراخه عند سقوط بعض الصواريخ الاسرائيلية علي الاشرفية التي لا علاقة لها بحزب الله وبالضاحية الجنوبية البيروتية! هلع الجميع يسأل ما جري ويطمأن علي صحته… وتعلو لديهم أسهمه حينما يعلمون أنه تونسي الأصل وعلي صيغة السؤال المعروفة الاجابة عنه مسبقا قال أحدهم: لماذا هاجر صحافيونا الي هناك، لماذا لا يعملون في التلفزة التونسية؟ودون التحدث في ذلك ينتقل الحديث الي موضوع آخر مثل حالة الطقس او غلاء المعيشة أو دردشة في منزلة العرب والمسلمين في فرنسا خاصة والغرب عامة… هنا كذلك يعود الاهتمام بقناة الجزيرة فهي النجمة القطبية في مدينة من الجنوب التونسي طيلة الأحداث التي خرج منها حزب الله منتصرا ومن ورائه انتصار رؤية معينة وخاصة لمستقبل العالم العربي ـ الاسلامي… فتجد نفسك الوحيد خارج السرب المنصهر في قلب التضامن الافتراضي عبر الفضائية الاخبارية العربية/الاسلامية: الجزيرة.ناقد واعلامي من تونس[email protected]