رجل‭ ‬العاصي

حجم الخط
0

x

زرت‭ ‬حمص‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬الصغر،‭ ‬حين‭ ‬رافقت‭ ‬قريبا‭ ‬لنا‭ ‬أراد‭ ‬ان‭ ‬يطلب‭ ‬يد‭ ‬بنت‭ ‬من‭ ‬بناتها‭.‬

كان‭ ‬الطريق‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬دمشق‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬القديم‭ ‬اليها،‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يمد‭ ‬‮«‬الاوتوستراد‮»‬‭ ‬ليسمح‭ ‬لضباط‭ ‬حافظ‭ ‬الاسد‭ ‬ان‭ ‬يصلوا‭ ‬الى‭ ‬بلداتهم‭ ‬وضيعهم‭ ‬في‭ ‬ريفها‭ ‬او‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬السوري‭ ‬بشكل‭ ‬أسرع،‭ ‬وبسيارات‭ ‬زاد‭ ‬تصفيحها‭ ‬وسواد‭ ‬بلورها‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬فخامتها،‭ ‬بعدما‭ ‬نخر‭ ‬سوس‭ ‬الفساد‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية،‭ ‬ليجعل‭ ‬من‭ ‬حماة‭ ‬الديار‭ ‬حماة‭ ‬مصالح‭ ‬المافيا‭ ‬الحاكمة‭ ‬فقط‭.‬

كانت‭ ‬سوريا‭ ‬آنذاك‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬نفسها‭. ‬فالشامي‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬بعد‭ ‬ببابا‭ ‬عمرو،‭ ‬والحمصي‭ ‬لم‭ ‬يدرك‭ ‬معنى‭ ‬حي‭ ‬الميدان‭. ‬وأتت‭ ‬الثورة‭ ‬لتعرفنا‭ ‬على‭ ‬بعضنا‭ ‬البعض،‭ ‬وعلى‭ ‬الابداع‭ ‬الفني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مكبوتا‭ ‬عند‭ ‬شبيبة‭ ‬كفر‭ ‬نبل‭ ‬مثلا،‭ ‬او‭ ‬الغناء‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬جاءنا‭ ‬قويا‭ ‬ومتهكما‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الحناجر‭ ‬السورية‭ ‬الحرة،‭ ‬والذي‭ ‬استدعى‭ ‬شبيحة‭ ‬بشار‭ ‬الاسد‭ ‬ان‭ ‬لا‭ ‬يكتفوا‭ ‬بتعذيب‭ ‬وقتل‭ ‬ابراهيم‭ ‬قاشوش،‭ ‬بل‭ ‬طاب‭ ‬لهم‭ ‬ان‭ ‬يقتلعوا‭ ‬حنجرته‭ ‬أيضاً،‭ ‬بغباء‭ ‬بهيمي‭ ‬يظن‭ ‬ان‭ ‬النشيد‭ ‬يُقتل‭ ‬هكذا‭.‬

اذكر‭ ‬الكرم‭ ‬والمرح‭ ‬اللذين‭ ‬كانا‭ ‬في‭ ‬استقبالنا،‭ ‬وسجادا‭ ‬عجميا‭ ‬ذا‭ ‬رونق‭ ‬غير‭ ‬رونق‭ ‬سجادنا،‭ ‬لان‭ ‬الحماصنة‭ (‬بحسب‭ ‬الرواية‭ ‬المتداولة‭ ‬بيننا‭) ‬كانوا‭ ‬يلمعون‭ ‬صوفه‭ ‬بورق‭ ‬الخس‭ ‬الندي‭. ‬خرجت‭ ‬تلك‭ ‬القصة‭ ‬الغريبة‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬وعي‭ ‬الطفولة‭ ‬لتفجعني‭ ‬اثناء‭ ‬السنين‭ ‬الاخيرة،‭ ‬حين‭ ‬فُقد‭ ‬حتى‭ ‬الخس‭ ‬لدى‭ ‬أهل‭ ‬مدينتنا‭ ‬الثالثة،‭ ‬لتضطر‭ ‬حمص‭ ‬الأبية‭ ‬ان‭ ‬تأكل‭ ‬القطط‭ ‬والحشائش‭ ‬وأوراق‭ ‬الشجر،‭ ‬نتيجة‭ ‬الحصار‭ ‬المجرم‭ ‬لتركيعها‭ ‬جوعاً؛‭ ‬لهدم‭ ‬بيوتها‭ ‬وجوامعها‭ ‬وكنائسها‭ ‬الاثرية‭ ‬بطيران‭ ‬حربي‭ ‬دفع‭ ‬المواطن‭ ‬السوري‭ ‬ثمنه‭ ‬منذ‭ ‬مجيء‭ ‬حكم‭ ‬البعث،‭ ‬حين‭ ‬فرض‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬موظف‭ ‬ضريبة‭ ‬‮«‬المجهود‭ ‬الحربي‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُقتطع‭ ‬من‭ ‬المعاشات‭ ‬الهزيلة‭. ‬هُجر‭ ‬أهل‭ ‬حمص‭ ‬الذين‭ ‬طالما‭ ‬عرفوا‭ ‬بالابتسامة‭ ‬والنكتة‭. ‬‮ ‬وبعد‭ ‬ان‭ ‬خرجوا‭ ‬بنصف‭ ‬ساعة،‭ ‬تمت‭ ‬سرقة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تركوا‭ ‬وراءهم،‭ ‬لتباع‭ ‬أشياؤهم‭ ‬كغنائم‭ ‬حرب‭ ‬بلؤم‭ ‬لن‭ ‬يُنسى،‭ ‬في‭ ‬أمكنة‭ ‬موالية،‭ ‬لقبت‭ ‬يا‭ ‬للعار‭ ‬بـ‮«‬بسوق‭ ‬السنة‮»‬‭.‬

والد‭ ‬تلك‭ ‬الحسناء‭ ‬ذات‭ ‬العين‭ ‬الخضراء‭ ‬الواسعة،‭ ‬الذي‭ ‬استقبلنا‭ ‬بحفاوة‭ ‬مدينته،‭ ‬لم‭ ‬يقبل‭ ‬ان‭ ‬‮«‬تتغرب‮»‬‭ ‬ابنته،‭ ‬فتذهب‭ ‬لتسكن‭ ‬ساحة‭ ‬النجمة‭ ‬بدلا‭ ‬ًمن‭ ‬ساحة‭ ‬الساعة‭. ‬وهكذا‭ ‬عدنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عروس،‭ ‬ولكن‭ ‬بصدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬كنافة‭ ‬الجبن‭ ‬الذي‭ ‬أصر‭ ‬ان‭ ‬يهديها‭ ‬لنا،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬البراءة‭ ‬هذا،‭ ‬تُعرف‭ ‬في‭ ‬دمشق‭.‬

اجتمعت‭ ‬برجل‭ ‬العاصي،‭ ‬رياض‭ ‬الترك‭ ‬ـ‭ ‬الذي‭ ‬سُجن‭ ‬لسبع‭ ‬عشرة‭ ‬سنة،‭ ‬تحت‭ ‬الارض‭ ‬وبين‭ ‬جرذان‭ ‬المجاري،‭ ‬بمساحة‭ ‬لا‭ ‬تفوق‭ ‬مساحة‭ ‬التابوت‭ ‬ولا‭ ‬علوه‭ ‬ـ‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬باريسي‭ ‬زبائنه‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬المغاربة‭ ‬الفقراء‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬2005،‭ ‬الذي‭ ‬أتانا‭ ‬شديد‭ ‬الحرارة‭. ‬قال‭ ‬لي‭ ‬هذا‭ ‬الانسان‭ (‬الذي‭ ‬كُني‭ ‬تارة‭ ‬بمانديلا‭ ‬سوريا،‭ ‬وتارة‭ ‬بتمساح‭ ‬سجونها‭ ‬الوحشية‭) ‬ان‭ ‬حر‭ ‬يومنا‭ ‬ذكره‭ ‬بحر‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬ايام‭ ‬تشرين‭ ‬الاول‭ (‬أكتوبر‭) ‬سنة‭ ‬1980،‭ ‬حين‭ ‬جاءت‭ ‬المخابرات‭ ‬لتقبض‭ ‬عليه‭. ‬لم‭ ‬يسمحوا‭ ‬له‭ ‬بتقبيل‭ ‬بناته‭ ‬الصغيرات‭ ‬قبل‭ ‬مغادرة‭ ‬داره،‭ ‬ولا‭ ‬بأخذ‭ ‬مشط‭ ‬او‭ ‬فرشاة‭ ‬أسنان‭. ‬كان‭ ‬يرتدي،‭ ‬عند‭ ‬وصول‭ ‬سجاني‭ ‬الاسد،‭ ‬قميصا‭ ‬بنصف‭ ‬كم‭ ‬وبنطالا‭ ‬من‭ ‬القطن‭ ‬الرقيق‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتصور‭ ‬انه‭ ‬سيبقى‭ ‬بثيابه‭ ‬هذه‭ ‬شتاء‭ ‬قارسا‭ ‬بعد‭ ‬شتاء،‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬مجرد‭ ‬خيوط‭ ‬قماشية‭ ‬وسخة‭ ‬على‭ ‬جسده‭.‬

منع‭ ‬من‭ ‬حصيرة‭ ‬ينام‭ ‬عليها،‭ ‬ومن‭ ‬غطاء‭. ‬كان‭ ‬طعامه‭ ‬صحنا‭ ‬واحدا‭ ‬غير‭ ‬مشبع‭ ‬من‭ ‬شوربة‭ ‬العدس‭ ‬المملوءة‭ ‬بالحصى،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬ينتقيها‭ ‬بدقة،‭ ‬حرصاً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬أسنانه،‭ ‬ويضعه‭ ‬على‭ ‬حدة‭. ‬وهكذا‭ ‬تراكم‭ ‬عنده‭ ‬بعد‭ ‬سنوات،‭ ‬الكوم‭ ‬الشهير‭ ‬من‭ ‬الحصى،‭ ‬الذي‭ ‬أنقذه‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬ومن‭ ‬فقدان‭ ‬العقل‭ ‬والأعصاب‭. ‬رسم‭ ‬بها‭ ‬حارات‭ ‬حمص‭ ‬القديمة،‭ ‬وفي‭ ‬أذنه‭ ‬صوت‭ ‬المعلم‭ ‬الماركسي‭ ‬الحنون‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعطي‭ ‬درس‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬الميتم‭ ‬الذي‭ ‬بُعث‭ ‬اليه،‭ ‬بعد‭ ‬إفلاس‭ ‬والده‭ ‬وموته‭. ‬كان‭ ‬أعز‭ ‬صديق‭ ‬له‭ ‬هناك‭ ‬وشريكه‭ ‬بالوجع‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬طفلا‭ ‬حمصيا‭ ‬اخر،‭ ‬سيصبح‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬معارضا‭ ‬إسلاميا‭ ‬وسجينا‭.‬

راقبته‭ ‬وهو‭ ‬يأخذ‭ ‬لفائف‭ ‬السكّر‭ ‬الورقية‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬شارب‭ ‬قهوة‭ ‬سابق‭ ‬على‭ ‬الطاولة،‭ ‬ليضعها‭ ‬في‭ ‬جيبه‭. ‬حين‭ ‬لاحظ‭ ‬انني‭ ‬لمحته،‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬جملة‭ ‬مليئة‭ ‬بالتعب‭ ‬والهدوء‭ ‬غيرت‭ ‬نظرتي‭ ‬الى‭ ‬الأشياء‭ ‬للأبد‭: ‬‮«‬لا‭ ‬يمكنك‭ ‬ان‭ ‬تعرفي‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬رشة‭ ‬سكر‭ ‬كهذه‭ ‬لسجين‭ ‬مزمن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬السفلي‭ ‬لبلادنا،‭ ‬وهو‭ ‬يموت‭ ‬ببطء‭ ‬من‭ ‬الجوع‮»‬‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬الاول،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬التكلم‭ ‬بسرعة‭ ‬عفوية،‭ ‬وكأنه‭ ‬نسي‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الكلام،‭ ‬الذي‭ ‬حرم‭ ‬منه‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬تابوته‭ ‬الانفرادي‭. ‬‮«‬لماذا‭ ‬اعتقلت؟‮»‬،‭ ‬سألته‭ ‬بسذاجة،‭ ‬تبدو‭ ‬لي‭ ‬مبكية‭ ‬الآن،‭ ‬جعلته‭ ‬يبتسم‭ ‬ولا‭ ‬يرد‭. ‬وعرفت‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الشيوعي‭ ‬الحمصي،‭ ‬الذي‭ ‬بصق‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الطغيان‭ ‬الروسي‭ ‬ليتحول‭ ‬الى‭ ‬ديموقراطي‭ ‬سوري،‭ ‬اعتقل‭ ‬لانه،‭ ‬مثل‭ ‬نهر‭ ‬مدينته،‭ ‬كان‭ ‬عاصياً‭ ‬على‭ ‬الطاغية‭. ‬كان‭ ‬بإمكانه‭ ‬ان‭ ‬يفعل‭ ‬فعل‭ ‬خالد‭ ‬بكداش،‭ ‬ويصبح‭ ‬دمية‭ ‬بيد‭ ‬حافظ‭ ‬الاسد،‭ ‬يخرجها‭ ‬امام‭ ‬السوفييت‭ ‬ويهزها،‭ ‬لكي‭ ‬يريهم‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬شيوعي‮»‬‭ ‬في‭ ‬مزرعته‭.‬

لكن‭ ‬رياض‭ ‬الترك‭ ‬قال‭ ‬لا‭. ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تُقال‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬حتى‭ ‬انفجار‭ ‬درعا‭.‬

رنا‭ ‬قباني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية