من مكتبه في الطابق السابع في مبنى للمكاتب في واشنطن يطل المحامي يوئيل زنغر منذ أكثر من عشرين عامًا على نتائج المشروع الذي غير وجه الدولة، وكذلك مسار حياته وقطع بصورة استراتيجية. على الحائط الذي خلفه يلوح تذكار ثابت غير معياري في مكتب محامي أمريكي: صورته وهو ينحني فوق شمعون بيرس في حفل التوقيع على اتفاق أوسلو في ساحة البيت الأبيض، حيث بيل كلينتون واسحق رابين وياسر عرفات يقفون متوترين خلفه. هذه هي لحظات المجد، ومعظم الإسرائيليين الذين إذا نظروا في الصورة المشهورة هذه لم يعرفوا هويته، ولكن تأثيره على مجريات الأمور كان حاسمًا.
زنغر كان هو المستشار القانوني الذي مثل إسرائيل الرسمية في الاتصالات وصاغ فعليًا الاتفاقات. رجل رابين في أوسلو. في أعقاب القتل غادر الرجل بقلب منقبض ومنذ ذلك الحين يقل الحديث عن الموضوع. في ذكرى الـ 25 عامًا للعملية التي هزت تاريخ النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، قرر أنه حان الوقت أن يشارك بصورة موسعة النتائج والمشاعر التي بلورها عن بعد وبعد فترة زمنية طويلة. في محادثة مع «هآرتس» يصف زنغر ما جرى في الغرف المغلقة ويقول: لقد فوتنا فرصة نادرة، لقد ارتكبنا أخطاء، والآن ليس هنالك أمل بالسلام في السنوات القريبة القادمة. مع ذلك من الممنوع أن ننسى أنه في العمليات التي فشلت فهناك نجاحات يجدر معرفتها والحفاظ عليها.
الرجل الرمادي كما يبدو، المحامي الذي استدعي لكي ينزل مهندس السلام من سماء بيت الضيافة النرويجي إلى أرض الواقع، هو كل شيء باستثناء الرمادي. ابن الممثل جدعون زنغر، الذي دوره خلافًا لأبيه دور أساسي كان خلف الكواليس، هكذا يصف بصورة مسرحية مآثره في القضية.
زنغر، من مواليد تل أبيب وابن 68 عامًا، خدم 18عامًا في النيابة العسكرية، لقد تخصص هناك في القانون الدولي وتحول إلى مستشار القانوني لشؤون المناطق. تلك كانت أيام أمل. خلال خدمته ترك بصماته على باقي الاتفاقات: مع مصر، ولبنان، وسوريا. أيضًا في اتفاق كامب ديفيد لمناحيم بيغن وملحقاته، الذي أصبح هو النموذج الذي استند إليه في أوسلو، وكان ممثلاللجيش الإسرائيلي. في تلك السنوات بدأ في تطوير علاقات ثقة مع رابين. أبوه كان من جنوده في لواء هرئيل، وبعد أن جرح تحول إلى مغن منفرد في الغناء الأصلي لـ «أغنية الصداقة» الذي أحبها قائده. من اليوم الذي دخل فيه رابين إلى وزارة الدفاع عمل معه بصورة متلازمة. وعندما حلت حكومة الوحدة ترك الخدمة لدرجة عقيد وسافر للعمل في الوزارة كممثل لـجهاز الأمن في الولايات المتحدة بنية العودة مع تجربة.
في يوم من الأيام في المكتب نفسه في الطابق السابع دق جرس الهاتف وكان على الخط مكتب يوسي بيلين الذي عرفه جيدًا من جلسات الحكومة. «طلبوا أن أحضر إلى البلاد بصورة غير رسمية لكي أطلع على وثيقة ما». «سألته عن ماذا، قالوا هذا سري. سألته متى؟
قالوا غدا. اخترعت هنا قصة ما وسافرت. قابلت في فندق هيلتون شخصًا لم أكن أعرفه باسم يئير هيرشفيلد. قالوا لي إنه سيعطيك ورقة. اقرأها واحضر إلى المكتب لمقابلة يوسي (بيلن) وشمعون (بيرس) وأخبرهما رأيك. وهذا ما حصل. جلست في الفندق وقرأت، ولكوني واحدًا ممن جاء من هذا المجال، والذي اطلع على عدد من الاتفاقات، شاهدت مسودة لوثيقة مشوشة. ولكن كان هنالك شيء أعجبني. كانت تلك خطة للحكم الذاتي على مراحل. الأمر الذي سموه فيما بعد النبضات. حتى ذلك الحين كنا نقرر مسبقًا؛ مثلاً في الاتفاق مع مصر كتبنا الانسحاب من سيناء على مراحل، ولكن منذ البداية كل شيء كان محددًا؛ متى ستتم كل مرحلة، وما هو الوضع النهائي. أيضًا في اتفاقات أخرى المضمون كان محددًا مسبقًا. جمال أوسلو كان في التدرج. اتفاق نمطي. يبنون طابقًا ثم طابقًا آخر. في المقاربة الحذرة لرابين: سنقوم بخطوة، ونرى كيف تسير الأمور، وحينئذ نقوم بخطوة أخرى.
«بالطبع فإن المعارضين سيقولون إنه بسبب هذا فشل أوسلو. ولكن هذا معناه أن نقلب السبب والنتيجة. لدينا مع الدول ذات السيادة إلى جانبنا حدود واضحة. هنالك فصل. حتى لو أن التنفيذ يأخذ زمنًا، لكن مع الفلسطينيين الأمور أكثر عمقًا. لذا ونظرًا لأنه ليس بالإمكان الاتفاق على كل شيء منذ البداية، ألا يجب أن نعمل شيئًا طوال مئة سنة؟».
زنغر سافر لإبلاغ بيلن وبيرس عن رأيه. «يبدو أنني استخدمت تعبير (كعكة نصف مخبوزة)»، واتضح أن رابين كان يفكر مثلي. قبل عدة أيام من ذلك أمر بوقف المحادثات. أعتقد أن بيرس أراد أن أتولى عملية الإقناع. سافرنا معًا بسيارة رابين. شمعون ويوسي وأنا كنا مضغوطين في السيارة.
رابين سأل: هل تستطيع يوآل إصلاح هذا؟ قلت إنني أعتقد ذلك ولكنني أريد أولامقابلة الفلسطينيين. هيرشفيلد قال لي إنهم وافقوا على هذا وذاك. ولكن كل ما قاله لم يكن مكتوبًا. قلت إنني أريد مقابلة هذه المجموعة من منظمة التحرير لكي أسمع منهم. وهذا أرسلني إلى أوسلو، في غير مهمة رسمية. بعد ذلك وصلوا ذلك بليلة الرعب. جاء عقيد احتياط وحقق معهم. الحقيقة هي أن النية كانت سليمة، وبالرغم من أنني جئت من الجيش الإسرائيلي، إلا أنني في النهاية أعتبر يساريًا، واليوم أيضًا أعتبر يساريًا متطرفًا، ولكنني أحب صنع سلام على قاعدة قوية، لذا فقد طرحت أسئلة، قضينا يومًا ونصف اليوم، وقلت لرابين إن الأمر على ما يرام ـ هم في الاتجاه الصحيح».
لقد كنت ساذجا وذرفت الدموع
«حوالي أربعة شهور جلس الطرفان لمناقشة التفاصيل والصياغات. وفي 1 أيلول قبل حوالي أسبوعين من مراسم التوقيع الرسمية أصبح زنغر المستشار القانوني لوزارة الخارجية. لقد فعلت هذا من أجل رابين وبيرس بصورة تطوعية. بعد ذلك عدت إلى إسرائيل ولم أعتقد أنني سأرجع إلى الولايات المتحدة، لقد كنت ساذجًا، لقد نزلت دموعي حقًا. فكرت بأنني أساعد رابين وبيرس في صنع سلام مع الفلسطينيين ومع الأردنيين، ومع السوريين ومع اللبنانيين. هذا ما اعتقدته». صوته كسر «أنا أعتقد أنني حتى اليوم أعاني مما بعد صدمة مقتل رابين». صمت طويل. «أحببت رابين.. قدرته وأحببته».
٭ أين أخطأنا في الطريق؟ وأين اخطأت أنت؟
٭ زنغر يفسر ثلاثة إخفاقات رئيسية في نظره إلى جانب ثلاثة نجاحات، بنظرة إلى الخلف حول مشاركته في اتفاقات أوسلو. الخطأ الأول وهو الذي يلاحقه أكثر من أي شيء هو رفض مطلب فلسطيني، والطلب بتجميد المستوطنات. «لقد تقاتلت مع الفلسطينيين بأمر من رابين وبيرس لمنع التجميد. لو رجعت إلى الخلف وبرؤيا إسرائيلية وطنية كنت سأقول إنه من مصلحة إسرائيل تجميد الاستيطان. لكي تكون هنالك إمكانية لإقامة دولة فلسطينية هناك. ولكن من كان يفكر بأن الخمس سنوات الانتقالية ستتحول إلى 25؟ من ظن أن رابين سيقتل؟
اليوم ليس لدي شك في أن هذا كان خطأ فادحًا من جانب رابين وبيرس وأنا كنت مبعوثه. قلت «ولا بأي حال من الأحوال». أنا تقريبًا أشعر بالذنب الشخصي، وهذا ذنبي، ولكن ما العمل، أنا لست رجلاسياسيًا، لقد قمت بتنفيذ التوجيهات.
«عندما اشتغلنا على اتفاق أوسلو كان هنالك نحو 100 ألف شخص في الضفة، وثمة ما يمكن أن يحدث هناك سواء بإبقاء جزء منه وتعديل حدود بسيطة. والآن لا أرى أي رئيس حكومة مهما كان قويًا ومهما كان مؤيدًا للسلام، قادرًا على إعادة العجلة إلى الوراء. كان هذا خطأ فادحًا أن نسمح للمستوطنات بمواصلة الركض نحو الأمام. حتى بوتيرة متسارعة. لأن اتفاق أوسلو خلق ساعة توقيت وجعل حركات الاستيطان تبدأ بسرعة كبيرة للسيطرة على أراضي قبل الاتفاق النهائي. لقد خلقت ديناميكية تقول إنه يجب الركض والاستيطان على كل تلة لأنه بسرعة وبعد خمس سنوات سيتم تحديد الحدود.. هذا بكاء لأجيال».
٭ ألم يرَ رابين وبيرس ذلك؟
٭ «لقد كان عليهم بلورة أغلبية، حيث إن أوسلو (ب) تم تمريرها بصعوبة. ولعرفات أيضًا كانت هنالك مشاكل. شركاء في منظمة التحرير تركوها، وأنا لا أتحدث بعد عن حماس. أعتقد أنهم (الفلسطينيين) تنازلوا على افتراض أنهم لا يستطيعون إقناعنا بالتجميد وفضلوا قبول ما يمكنهم الحصول عليه لأنه خلال عدة سنوات ستبدأ المفاوضات على الاتفاق النهائي».
٭ ماذا عن اقتراحات الضم أو اتفاقات بدون إخلاء؟
٭ «حتى لو وجدوا أي وسيلة لخلق حدود متلوية، وإن تذهب يمينًا أو يسارًا أو إلى الأعلى، فلا أعتقد أن هذا سيصمد. هذا ليس طبيعيًا.. لا تبلع ولا تتقيأ. وليس بالإمكان الوصول إلى اتفاق مع بقاء المستوطنين هناك. هذا لن ينفع. سيبدأون بإطلاق النار أحدهما على الآخر. ليس بالإمكان خلط مجموعات سكانية. ثمة صعوبة في إيرلندا عن ذلك وهم الذين يتحدثون نفس اللغة والثقافة. ماذا سيحدث؟ مجموعة من الكانتونات مع حرب أبدية».
بيغن أعطاهم بنادق
الفشل الثاني لأوسلو في نظر زنغر هو نقل المسؤولية الفورية على الأمن الداخلي لأيدي السلطة التي لم تكن مستعدة لهذا التحدي. وهو خطأ يقول إنه حذر منه ولكن رابين لم يقتنع. «اقترحت على رابين أن تبقى المسؤولية عن الأمن في أيدي إسرائيل في فترة الحكم الذاتي. اعتقدت أن من سيأتون من تونس لا يستطيعون معالجة الأمن، واعتقدت أن هذا يجب أن يبقى في أيدي إسرائيل، وذلك أيضًا ما بنيته في كامب ديفيد في 1978 مع الجنرال ابراشا تمير؛ بحيث يتم بناء المسؤولية خلال الفترة الانتقالية. اقترحت على رابين أن يقوم بفعل ذلك في أوسلو ولكنه قال لا. وحتى في حينه، كتبت ذلك وقال لي غيره. اعتقدت أن هذا خطأ، ولاحقًا أيضًا. منظمة التحرير لم تنجح، وهنالك من سيقولون إنها لم تحاول محاربة حماس. وانظري ماذا حدث في غزة في اللحظة التي خرجنا منها. لا أعرف ماذا نستطيع أن نقول الآن للإسرائيليين الذين يسألون: «وماذا سيكون الأمر عندما نخرج من يهودا والسامرة؟». لذا فإنني حقًا مقتنع بأن أحد أخطاء أوسلو كان أعطاءهم المسؤولية عن الأمن.
«رابين لم يفعل ذلك لأنه أراد أن يكون لطيفًا مع الفلسطينيين، بل لأنه اعتقد بأن هذا سيساعد الأمن، إذا قام الفلسطينيون أنفسهم بمحاربة حماس. اتضح أنه لم يكن لديه القدرة ولا دافعية. رجال الشرطة الفلسطينيون اتضح بأنهم رجال شرطة عاجزون. بصعوبة يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فكيف سيدافعون عن الإسرائيليين؟ ولكن كل هذا عمومًا ليس مرتبطًا بأسطورة «أعطيناهم بنادق». إسرائيل لم تعطهم في يوم ما بنادق. إسرائيل مكنت الفلسطينيين من تشكيل شرطة فلسطينية مزوجة ببنادق؟ هذا هو إطار كامب ديفيد الخاص بمناحيم بيغن. رجل الليكود». اليوم أصبح بيغن يساريًا متطرفًا، ما العمل؟ ولكن هذا لم يكن أوسلو. كان هذا هو اتفاق الليكود. شرطة فلسطينية قوية.. مكتوب هناك. القصد ليس لبس قبعات عليها ريش أو حراب للمراسيم. لقد قصدوا شرطة لديهم بنادق. القول بأن اليسار أعطاهم بنادق هذه أسطورة لمنتقدين أوسلو من اليمين. هذا هراء.
٭ ماذا بخصوص النقاش حول هل عاد الإرهاب بسبب إعطاء هذه الصلاحيات للفلسطينيين أو بسبب مذبحة غولدشتاين؟
٭ «سأجيبك بمثال: شخصان تشاجرا في الشارع وجاء شرطي وفصل بينهما وسأل: كيف بدأ الأمر؟ أحدهما أجاب بأن الأمر بدأ بقيامه بالرد عليّ بصفعة. هكذا هو الأمر في الشرق الأوسط، ليس مهمًا من بدأ».
على سرير عرفات
الإخفاق الثالث الذي يعدده زنغر هو الثقة بياسر عرفات، الذي كان يجب أن يكون أكثر تحفظًا. لقد اخطأنا عندما اعتقدنا بأنه تغير. يقول. «في الفترة التي كنت فيها هناك رأيته وهو يتخذ قرارات صعبة الواحد تلو الآخر ويبدي شجاعة وتمسك بالعملية. حينئذ لم تشتعل الأضواء التحذيرية بصورة قوية، ولكن كل هذا كان حول الاتفاق الانتقالي. من جهتنا، كان من الأسهل التنازل عن أمور سوف تنقضي. عندما وصلنا إلى الاتفاق النهائي تحول متصلبًا جدًا وغير مستعد لتقديم أي تنازلات. لم يتحرك أي ميلمتر واحد. في موضوع محاربة الإرهاب توقع رابين بأنه سيتصرف مثلما تصرف رابين نفسه. رابين حارب التلينا ـ وعرفات لم يطلق النار على الالتلينا خاصته، بل سمح لهم بالعربدة.
لقد قضيت في الحقيقة ساعات أكثر من أي إسرائيلي آخر «في تلك السنوات وفي ذروة المفاوضات راكمت معه ساعات وربما أكثر من معظم الفلسطينيين أيضًا. كانت هنالك حالات لا تصدق بنظرة إلى الخلف. في أحد الأيام وجدت نفسي أجلس في غرفة عرفات في فندق، على سريره وهو يجلس إلى جانبي حيث كنا محاطين برجال منظمة التحرير وأنا كنت الإسرائيلي الوحيد. في مرة أخرى سافرت إلى مكتب أبو مازن في تونس وأنا أجلس في غرفته في مقر منظمة التحرير قال لي «هل ترى يوآل كرسيّ هذا؟ هنا وضعت مخابراتكم مايكروفونًا لي، وهذا صدمني ـ أنا وحدي هنا».
أنا أريد قول شيء عن الزاوية الإنسانية. رغم أنه قد يشنقونني بسبب ذلك. لقد تحدثت كثيرًا مع الفلسطينيين، من رجالات منظمة التحرير ومن خارجها، كنا نسافر طوال الوقت من أوسلو إلى لندن وإلى باريس وغزة وإلى القاهرة. وكنت أرى أننا نضحك من النكات نفسها ونأكل الأكل نفسه وهم يقصون القصص حول مسؤوليهم ونحن نتحدث عن مسؤولينا، حينها كنت أفكر في نفسي وأسألها هل كنا الشعب نفسه قبل ألفي سنة؟ نحن نتصرف بالصورة نفسها وأنا أشعر معهم وكأنني في البيت أكثر مما أشعره وأنا مع الأمريكان أو مع النرويجيين. نحن أعداء في هذه اللحظة ولكننا متشابهون جدًا. ولكن إذا قلت إنني أشعر مع رجال منظمة التحرير كأخوة سيقولون هذا خائن، وبكوني محاميًا أستطيع أن أقول لك إن بين هؤلاء الأخوة تدور النزاعات الأكثر فظاعة».
من المهم أن يفصل زنغر أيضًا النجاحات التي جلبها الاتفاق. «خذي حرب الـ 1967 مقابل يوم الغفران. في 1967 ألم يكن هنالك أخطاء؟ كان هنالك الكثير. أشخاص قتلوا عبثًا. ولكن في النهاية انتصرنا، وحينئذ يركز الجميع على النصر. في حرب يوم الغفران التي انتصرنا فيها أيضًا، ولكن بثمن بالغ، الكل يركز على الفشل. يوجد شيء ما محير في العقل البشري الذي يلقيه خلفه من بين النتائج. لقد نسوا في الأيام الستة أن يفكروا بالإخفاقات، وبعد ذلك أكلوها في يوم الغفران. الشيء نفسه في أوسلو. أي أحمق سيكتب اليوم مقالافي صحيفة يحمل عنوان «أوسلو نجح» ؟ ولكن من المحظور نسيان ذلك أيضًا.
النجاح الأول حسب أقواله هو الاعتراف المتبادل الذي يحمل زنغر شخصيًا فضله. عندما جئت إلى البلاد وطلبوا مني قراءة المسودة قلت لبيرس أنتم تجرون مفاوضات مع م.ت.ف بالسر، ماذا سيحدث عندما سينتهي ذلك؟ قال بيرس «سنعطي توجيهًا لبعثتنا في واشنطن بالتوقيع، وم.ت.ف ستعطي توجيهًا لبعثتها».
لقد كانت تلك مفاوضات رسمية في الوقت نفسه مع فلسطينيين الذين هم ظاهريًا ليسوا م.ت.ف. قلت له «شمعون، هذا لن ينفع. حيث سيتسرب بأنكم تحدثتم مع م.ت.ف. والبعثة في واشنطن من أين جاء الاتفاق». قلت له إنه يتوجب أولاً أن يكون هنالك اعتراف متبادل، ولكنه رفض. أيضًا رابين وعرفات لم يتحمسا. ولكنني لم أتنازل وواصلت التحريك. «أقنعت رابين، وقلنا لعرفات إن اعترافًا متبادلامقابل العودة من تونس. بيرس ما زال معارضًا. سافرنا بعرض ذلك على وورن كريستوفر في الولايات المتحدة. فوجئ تمامًا. بيرس طلب «اطرحوا اتفاق أوسلو كمسودة منكم». اتصل بكلينتون وقال «نحن لا نستطيع أن نعرض هذا كمسودة منا، ولكننا مستعدون لاستضافة التوقيع».عندما قرر بيرس بأنه يجب الاعتراف، بقيت أمامنا أيام معدودة على الاحتفال وقمنا بالصياغة.
«كان الأمر أكثر صعوبة على عرفات. في الجانب الإسرائيلي كان ذلك امرًا واحدًا: نعترف بكم كممثل شرعي للشعب الفلسطيني ونجري معكم مفاوضات. في الجانب الفلسطيني وضعت العديد من الالتزامات، ولكن عندما وضعناه في مفترق طرق حاسم؛ إما أن توقع أو تبقى في تونس، تغلبت الرغبة بالعودة. كان لديه مصاعب أخرى بالطبع، لقد اعتقدوا أننا سنخرج من المناطق وهذا كل شيء. أنا عرضت حكمًا ذاتيًا تحت مسؤولية إسرائيلية عسكرية عليا. الاحتلال العسكري يبقى من فوق كمظلة».
النجاح الثاني الذي يعدده زنغر هو فتح الباب أمام تطبيع العلاقات مع العالم العربي. والثالث هو بناء الأساسات لاتفاق سلام مستقبلي. في 1993، كانت هنالك ظروف خاصة، فرصة لمرة واحدة، شيء ما يدمج ما بين رابين وبيرس، كل واحد مع أفضلياته ونواقصه.
إذا خلقت في يوم ما الظروف للصفقة النهائية، فمن الواضح أنه سيكون هنالك مكان لاتفاق جديد يحل محل أوسلو. للأسف لست أرى هذه الظروف الآن، ويصعب علي رؤيتها قريبًا. لماذا قررت كشف هذه الأمور الآن فجأة؟ في أوسلو جلس اوري سفير ويئير هيرشفيلد ورون فونداك وأنا. في المقر الإسرائيلي كان هنالك رابين وبيلن وبيرس وأنا، وكنت أنا الجسر عبر أذني ويدي التي كتبت الصياغات. كنت أصغي لرابين وبيرس، وكان علي إيجاد تسوية بينهما. ليس ذلك في صياغات، بل بالأفكار، وكان علي أن أدمج. حينئذ جئت لمقابلة الإسرائيليين وكان علي إجراء مفاوضات معهم على هذه الأمور وبعدها مع الفلسطينيين، وهكذا دواليك. لم أكن واثقًا أين تكمن صعوبة الأمر، أمع الفلسطينيين أم مع الإسرائيليين.
نوعا لنداو
هآرتس 5/9/2018