رغم البداية المبكرة لابن نيويورك الممثل والمنتج دينزل واشنطن عبر فيلم «نسخة كربونية (1981)»، فقد كان لزاما عليه انتظار فيلم «القوة» الذي منحه جائزة الإميج لأفضل ممثل مساعد، وفيلم «المجد» الذي منحه جائزة الأوسكار وجائزة الغولدن غلوب لأفضل ممثل مساعد. غير ان فيلم مالكوم إكس للمخرج سبايك لي، الذي يروي قصة المناضل الإفريقي، سيمنحه شهرة واسعة وسيرشح دينزل بموجبه لجائزة الأوسكار، ولنيل جائزة أحسن ممثل في مهرجان برلين لتتوالى سلسلة الأفلام الجيدة التي تألق فيها بشكل كبير ومنها فيلم «الإعصار»، وفيلم «يوم التدريب» الذي حقق عبره جائزة الأوسكار لأفضل ممثل. وفضلا عن الأفلام التي شارك فيها كمنتج أو كمخرج فقد حظي دينزل واشنطن باحترام كبير في الأوساط الهوليودية ومن قبل الفنانين الذين شاركوه عددا من أفلامه الناجحة مثل جون ترافولتا في فيلم «اقتحام بيلهام». لقد تمكن كزنجي من تحقيق ما عجز عنه الآخرون.
لكن لماذا اختار الهوليودي الألمعي دينزل واشنطن تقديم جديده السينمائي عبر فيلم قدم سابقا كمسلسل تلفزيوني مابين 1985 و 1989 وهو الحريص على رفض عدد من الأدوار التي لا تناسب رؤيته الفنية مساره السينمائي، الأمر الذي تعكسه مشاركاته السينمائية القليلة رغم الصيت الكبير لاسمه في أوساط الفن السابع وفي ردهات استوديوهات التصوير في هوليود بشهادة المخرج سبايك لي.
قد يبدو الجواب مبهما قبل مشاهدة هذا الفيلم الموسوم بـ»المعادل» (2014)» The Equalizer» تولى العبقري الإيطالي ماريو فوري إدارة تصويره، ويعرف عشاق السينما سيرة هذا الفنان المحترف من خلال عدد من الأفلام النوعية وعلى نحو خاص الفيلم الشهير «أفاتار» للمخرج جيمس كامرون، وقدم موسيقى هذا الفيلم البريطاني هاري غارغسون. وقام بإخراجه انطوان فوكوا. وحسب مصادر مطلعة فقد بلغت ميزانية الفيلم نحو50 مليون دولار.
الفيلم يقدم دينزل واشنطن في شخصية روبرت مكول الهادئة والناعمة لكنها قوية ومركبة تركيبا معقدا، فروبرت مكول عسكري سابق اختار الابتعاد عن حياته السابقة، والتفرغ لحياة جديدة باسم جديد لكن الصدفة تفسد عليه هذه الحياة الهادئة. وكان ملزما أمام محاولة أحد اللصوص سرقة سوق تجاري، وأمام محاولة هذا اللص الحامل للسلاح الناري نزع خاتم زواج من امرأة قريبة منه فلجأ روبرت مكول لتحقيق العدالة بأسلوبه الناعم والعنيف. وتتطور المتواليات الفيلمية لتضع هذا الرجل أمام الفتاة اليافعة (الممثلة كلوي غريس مورتيز في دور تيري) التي تشتغل في الدعارة وتخضع كسلعة لسلطة المافيا الروسية، وهنا تبدأ الحركة والعنف القوي في مشاهد تحبس الأنفاس، وسيحاول دينزل واشنطن تحقيق العدالة من منظوره الخاص وهو ما يبرر اختياره الدقيق للزمان وللمكان ولنوعية الانتقام بدقة متناهية، الأمر الذي تجسده نظرته الدقيقة والسريعة لساعته وبرمجتها كلما تعلق الأمر بمواجهة مفتوحة مع أفراد المافيا الروسية القاسية في عنفها إلى حد التدمير. بيد ان عوالم هذا الفيلم (المغلقة) توضح طبيعة الحياة في «اندرجراوند» حيث يتساوق الجنس بالمخدرات والعنف، وحيث المافيا هي المالكة لزمام الأمور في دهاليز خفية عن الشرطة والعدالة. و من هنا تأتي مهمة روبرت مكول لتحقيق هذه العدالة من منظوره الخاص.
وفيلم «المعادل»- تبعا لهذا السياق الفيلمي- يعكس قوة المونتاج والقدرة على التقاط الحركة داخل مساحات ضيقة، وكذلك القدرة على رصد تعابير الوجه للنجم دينزل واشنطن، والتركيز على التفاصيل الصغيرة من خلال اللقطة الكبيرة، ومن خلال الملابس، والإكسسوارات، والإضاءة الخافتة الشبيهة بإضاءة المسرح التي تركز على ما تقدمه عين الكاميرا، (مشهد دخول روبرت مكول إلى غرفة رئيس المافيا الروسية حيث الكاميرا ترقص بحيوية بين وجه روبرت مكول، ووجه رئيس المافيا لتنتقل نحو بطاقة صغيرة توضع في المكتب، وبعدها تنتقل لتقدم تفاصيل دقيقة من معهود هذه اللقاءات مثل طريقة فتح زجاجة الخمر، وآليات التواصل بين رئيس المافيا ومساعديه، ونوعية السلاح، وزخارف قبة المكتب…). وتقدم الكاميرا في الوقت نفسه أنواعا وأشكالا مختلفة للوشم ومواضعه، والانتقال السريع بين فضاءات متباينة مثل الشارع، والغرفة الضيقة، والحانة، والسوق التجاري، والمستشفى، والمكتب، فضلا عن قوة المؤثرات الصوتية التي تجعل نفس المشاهد متزامنا مع أحداث هذا الفيلم الهوليودي التشويقي بامتياز.
فيلم «المعادل» يقدم جوابا عن السؤال السابق ارتباطا بالصورة السينمائية العامة لكل المشاهد الحركية والعنيفة، وهي الصورة المرتبطة بالمرجعيات الأيديولوجية الموجهة للانتاج السينمائي الهوليودي، وهي المرجعيات التي وجهت الصناعة السينمائية في هوليود في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي على سبيل الذكر فيلم روكي الجزء الرابع بطولة سيلفستر ستالون وإخراج جون أفيلدسن. ورسمت هذه النوعية من الأفلام صورة قاتمة عن «الآخر» السوفياتي إبان الحرب الباردة. واليوم مع تصاعد الدور الروسي في أوروبا والشرق الأوسط، وأزمة أوكرانيا وغيرها تسعى- في تقديري- هوليود لاستعادة هذا الدور وتقديم الشخصية الروسية كشخصية عنيفة ومختلة، منظمة في عصابات تمتهن كل المحرمات وتنتهك كل القوانين، متغلغلة في المجتمع الأمريكي بشكل كبير. ولأنها بالغة الدهاء في مراوغة الشرطة والعدالة الأمريكية فإن الحل الذي تقدمه هوليوود عبر هذه الرؤية السينمائية لفيلم « The Equalizer» هو تحقيق العدالة على منال خاص. وتبرير العنف المضاد ميلودراميا عبر كسب عطف المشاهد من خلال الأداء الساحر للألمعي دينزل واشنطن.
٭ ناقد مغربي
عبد السلام دخان