ثلاثون عاماً احتاج المسير الذي قام به أبناء المهاجرين في فرنسا من أجل المساواة وضد العنصرية كي يجد طريقه إلى السينما الفرنسية. وكأن حكاية ذلك النضال الاستثنائي كانت تنتظر المخرج البلجيكي من أصول مغربية نبيل بن يادر، والكاتبة الفرنسية من أصول جزائرية ناديا لخضر، كي تُروى سينمائياً! ليبدو إنجاز فيلم La Marche (المسير) بحد ذاته وكأنه فصل من الحكاية المفتوحة لسلالات المهاجرين.
الفيلم الذي يبدأ بمشهد صادم يطلق فيه شرطي النار بدم بارد على الشاب محمد (الممثل: توفيق جلاب) في ضاحية مانغيت، إحدى ضواحي مدينة ليون، يروي يوميات المسير الذي بدأ كفكرة جريئة خرجت بها مجموعة صغيرة من شباب الضواحي، ولقيت الكثير من الاعتراض والسخرية من أقرب الناس إليهم، قبل أن تتحول بعد سلسلة من التحديات إلى أهم حركة احتجاجية ضد العنصرية في تاريخ فرنسا.
بضعة أشخاص أغلبهم من أبناء الجيل الثاني للمهاجرين إضافة إلى القس كريستوف (الممثل: أوليفيه غورميه) والصحفية الفرنسية الشابة كلير (الممثلة: شارلوت لوبون) انطلقوا من ضواحي مرسيليا جنوباً في الخامس عشر من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1983’مروراً بالقرى والمدن الفرنسية على مدى نحو شهر ونصف قطعوا خلالها أكثر من 1500 كيلومتر سيراً على الأقدام، ليصلوا إلى باريس في الثالث من كانون الأول ويجدوا بانتظارهم أكثر من مئة ألف متضامن جاؤوا من مختلف أنحاء فرنسا للالتحاق بالمسير في مظاهرة ضخمة جابت شوارع باريس، وهزت الرأي العام الفرنسي.
المسير الذي حمل هموم المهاجرين من حاملي الجنسية الفرنسية والمقيمين رفع شعار المساواة ورفض العنصرية في فترة شهدت تصاعداً حاداً في جرائم الاعتداء والقتل ضد المهاجرين لأسباب عنصرية، ما تسبب حينها بسقوط عشرات الضحايا أغلبهم من أبناء الضواحي. لكن إرادة المسير لم تقتصر على رفض الممارسات العنصرية وتسليط الضوء على بشاعتها بل تعدّت ذلك إلى المطالبة بسن قوانين ورسم سياسات تضمن تحقيق المساواة الكاملة بين الجميع على صعيد العمل والإقامة. ولعل الكثيرين لا يعرفون أن بطاقة الإقامة في فرنسا لمدة عشر سنوات هي واحدة من إنجازات ‘المسير’.
من الواضح أن الحركة تنتمي إلى منهج النضال السلمي الذي كان غاندي أبرز مؤسسيه، لكنها تبدو أشد تأثراً من حيث المطالب والشكل بحركة المناضل الأمريكي مارتن لوثر كينغ التي سبقتها بأكثر من عقدين، خاصة من حيث إرادة جعل المجتمع يواجه صورته البشعة بوسائل سلمية، وعدم الرد على استفزازات المتطرفين الذين يريدون كسر السلمية لصالح حالة من العنف قد تتشوه معها الحقيقة، وتضع المحتجين في حالة صدام مباشر مع الدولة وقوانينها وأجهزتها. تشابه الحركتين يستحضره الفيلم في أكثر من لحظة، ويجعل محور حركة المسير الجملة الشهيرة لكينغ التي يستشهد بها أحد أبطال الفيلم: ‘لا يمكن للقانون أن يجبر شخصاً على محبتي، لكن المهم أنه يمنعه من إعدامي دون محاكمة’.
يمضي الفيلم مع تصاعد التحديات وصراع الإرادة إلى أن يبلغ المسير مشهد حشود المتظاهرين في باريس، وينتهي بدخول مجموعة مطلقي المسير إلى قصر الإليزيه بدعوة من الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران لنقاش مطالبهم. يتوقف السرد هنا متجنباً الاسترسال في مصير هذه الحركة الاحتجاجية ونتائجها، ذلك أن خياره الفني اهتم أساساً بيوميات الحركة منذ انطلاقها القلِق وحتى لحظة ذروتها في باريس، واضعاً أولويته الدرامية في التوتر البنّاء الذي عاشه الفريق ما بين الضعف والقوة، التردد والتصميم، واليأس والأمل، دون أن تغادر الكوميديا اللمّاحة محطات ‘السائرين’ في رحلتهم شبه الأسطورية لكسر حاجز الصمت، واستعادة متن الحكاية بعد عمر من التهميش.
استعادة الذاكرة المفقودة
إنتاج هذا الفيلم بالتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الثلاثين لانطلاق المسير مثّل محاولة جديدة لإثارة اهتمام الرأي العام، ورغم أن الفيلم لم يصمد في الصالات الباريسية الكبرى سوى أسبوعين (!؟) إلا أنه ساهم في إعادة سؤال الحركة الاحتجاجية إلى الإعلام، كما أنه منح المثقفين كما الجمهور مادة دسمة لنقاش تأثيرات وملابسات الحركة على وضع المهاجرين وخاصة سكان الضواحي، بعد أن ظلت شبه مغيبة في العقود السابقة. غيابٌ طال ذاكرة نحو 81% من الفرنسيين حسب استطلاع قام به نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الفائت التجمع العالمي ضد العنصرية ومعاداة السامية (LICRA). وربما تكون المفاجأة’الأكثر إثارة للتساؤل هي أن أبناء المهاجرين من الجيل الثالث والرابع أنفسهم ليس لديهم اكتراث أو معرفة تذكر بحركة ‘المسير’، فهؤلاء كما يعبّر الكاتب والوزير السابق عزوز بيغاغ: ‘لم يحتفظوا بأي ذاكرة عن نضال جيل المسير’. كلمات بيغاغ كانت ضمن شهادته عن حركة المسير في الفيلم الوثائقي ‘السائرون’ LES MARCHEURS الذي وضع المسير تحت المجهر، راسماً عبر شهادات أبطاله عن مصيرهم ومصير مطالبهم ومآلات النضال ضد العنصرية والتهميش صورة قاتمة.’
الفيلم الوثائقي الذي تشارك في إخراجه سامية شالا ونعيمة ياحي وتيري لوكلير، وأنتجته القناة البرلمانية في فرنسا، يُظهر عبر شهاداته أن المسير شكّل نقطة انعطاف في المجتمع الفرنسي وعلاقته بالمهاجرين وأبنائهم، لكن أغلبهم ‘يشعر اليوم بخيبة أمل تجاه استمرار العنصرية وإن بدرجة أقل، في الوقت الذي تصاعدت فيه خطابات التمييز على أساس ثقافي وديني، ولعل الأسوأ بالنسبة إلى أبطال المسير هو أن إهمال الضواحي وتهميش سكانها استمر بعد ذلك، بل تحول إلى منهج ثابت لدى الحكومات المتعاقبة ولدى المجتمع. واقع ترى بعض شخصيات الفيلم الوثائقي أن أحد أسبابه هو ‘سرقة’ السياسيين لحركة المسير، واستحواذ الجمعيات الحقوقية والسياسية، الناشطة في المدن الكبرى بطبيعة الحال، لجذوة الحركة ومطالبها من أصحابها الأولين: سكان الضواحي، وهو ما جعل الحراك الاجتماعي والثقافي الذي خلقته حركة المسير في الضواحي، ينسحب شيئاً فشيئاً إلى طاولات السياسيين والنشطاء المدنيين في مراكز المدن، لتتوجه الأضواء مرة أخرى إلى النخب، وتترك الضواحي من جديد في ظلال العتمة. ولعل ذلك ضيّع على الضواحي، وفرنسا برمتها، فرصة نادرة لتحقيق اندماج حيوي ومثمر وعلى أسس متينة. والمثال الأوضح على واقعة سلب ثقل الحراك من الضواحي هو أن جمعية SOS RACISME المناهضة للعنصرية والتي تأسست بفضل وقع خطوات وهتافات المسير، لم يكن من بين مؤسسيها أي شخص من مجموعة المسير الأساسية! فلقد كان المسير بمعنى ما إعلاناً عن ظهور مكون اجتماعي جديد في المجتمع الفرنسي هو أبناء المهاجرين الذين يمثلون مزيجاً من المواطنة والانتماء الفرنسيين إلى الثقافة والحنين المرتبطين بالبلد الأصلي، وإنذاراً بضرورة استيعاب هذا المكون في عملية تطور المجتمع وإعادة تعريف الهوية الفرنسية الجديدة. ومما له دلالة في هذا السياق هو أن كلمة بور (BEURS) التي باتت اسماً لهذا المكون، تحويراً عن كلمةARABE حسب لهجة عكس الكلمات، دخلت في القاموس الفرنسي LE ROBERT عام 1984، بعد عام من انطلاق المسير، لكنها بدلاً من أن تصبح اسماً لمكون أساسي في فسيفساء المجتمع الفرنسي، باتت أشبه بصفة لمكوّن معزول، وربما مثير للقلق في الكثير من الأحيان.
خيبة الأمل الحادة التي تظهرها شهادات الفيلم الوثائقي، نجدها كذلك في آراء أبناء المهاجرين اليوم والمهتمين بشأن سكان الضواحي التي نقلها تحقيق مصور حمل اسم ‘متساوون لكن ليس كثيراً!’ وهو أيضاً من إنتاج القناة البرلمانية. التحقيق ينقل آراء لا تخفي إحباطها من فشل الدولة في تنمية الضواحي وإعطائها حقها من الاهتمام والتركيز، فشل مستمر وثابت أنتج جيلاً من المهاجرين غارق في الإحباط إلى درجة تجعله يحارب نفسه قبل أن يحارب الآخرين، حسب تعبير إحدى شهادات الفيلم.
تفكيك التاريخ لبناء المستقبل
قبل أشهر فقط من فيلم ‘المسير’، عرضت الصالات في أنحاء العالم الفيلم الأمريكي ‘كبير الخدم’ The Butler الذي يروي عبر سيرة كبير خدم من أصول إفريقية في البيت الأبيض تاريخ ‘النضال ضد العنصرية في الولايات المتحدة، ابتداء من الربع الثاني من القرن العشرين، وصولاً إلى انتخاب رئيس أسود للبلاد عام 2008. الفيلم الذي يبدأ كما فيلم ‘المسير’ بعملية قتل بارد لوالد شخصية الفيلم الرئيسة من قبل السيد الإقطاعي، لا يتردد في تسليط الضوء على وحشية الممارسات العنصرية واستهتار السلطات وأحياناً تورطها في ذلك. مظهراً في الآن ذاته الدور الحاسم لمارتن لوثر كينغ ومن ثم أتباعه في تحطيم وقاحة المواقف العنصرية، وفضح تساهل المجتمع تجاهها. صورة تظهر التطور الاستثنائي الذي حققه المجتمع الأمريكي في مكافحة العنصرية، وجرأته في مراجعة تاريخه حتى لو أدى ذلك إلى كسر اسطورة بعض الشخصيات السياسية.
حيوية المجتمع الأمريكي وسرعة تطوره تبدو لافتة بالمقارنة مع المجتمع الفرنسي، صحيح أن فرنسا لم تشهد جرائم عنصرية منظمة على أرضها كحال الولايات المتحدة، لكن قائمة الفظائع التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في أنحاء العالم يصعب حصرها، وهي التي طالما تسببت في تعقيد العلاقة بين الدولة والمهاجرين، وأغلبهم تعود أصولهم إلى المستعمرات الفرنسية السابقة. مع ذلك لا يبدو أن المجتمع الفرنسي قادر حتى الآن على مواجهة اللحظات السوداء في تاريخه، والتي ليس لمجتمع أن يدعي خلوه منها. ولا يبدو أنه قادر على تحويل العلاقة القلقة من خارجية بين الأنا والآخر إلى داخلية حيث الآخر بات جزءاً من الأنا. صعوبة ربما تفسر التهميش المريب الذي عانته حركة المسير في الذاكرة الجمعية، وكأن إرادة ما (واعية أو غير واعية!) سعت إلى إعادة القضية الى حيز المسكوت عنه، ليس بهدف تسهيل عودة الجرائم العنصرية، وإنما لتهميش هذه اللحظة من تاريخ فرنسا، وجعل التطور الحقوقي والمدني الذي أنجزه المجتمع االفرنسي في محاربة العنصرية أشبه بصفة ثابتة وأصيلة في بنية المجتمع والدولة الفرنسيين، وليس محصلة نضال عنيد ومستمر لعب الفرنسيون من أبناء المهاجرين فيه دوراً حاسماً، وهو ما يُسجّل في المحصلة لصالح عموم الشعب الفرنسي. ومما لا شك فيه أن مستقبل هذا المجتمع، كأي مجتمع، مرتبط عضوياً بقدرته على مراجعة تاريخه بجوانبه المضيئة والمظلمة، فوحدها هذه القدرة هي من ستمنحه فرصة التقدم في المستقبل بخطوات واثقة ومتخففة من أمراض وعقد المسكوت عنه.
كاتب فلسطيني سوري مقيم في باريس
qpy