رحلة إلى الجليل الأعلى.. ساحة صراع على الرواية

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: في هذه السطور نخرج عن النص والمألوف في رحلة إلى الجليل دامت ساعات بين طبرية وصفد، رحلة إلى حيث تتجلى قيمة الرابطة بين المكان والإنسان.. دفيئة الرواية، ونتوقف عند بعض ملامح مواجهة مفتوحة على الرواية، مع الاعتذار من لاجئين في الشتات والمنافي، ربما تفتح هذه الكلمات جراحاً لم تندمل أصلاً في دواخلهم، وهي، للتذكير، ليست زيارة حديثة، لكن اكتشاف صورها في الأرشيف دفعت لاستذكارها.

المتبقون في وطنهم باتوا يعدون، اليوم، مليون ونصف المليون، بعدما كانوا نحو 150 ألف نسمة فقط في 1948، حيث تركوا كـالأيتام على طاولة اللئام، لكنهم نهضوا من الرماد، وأقرنوا الزيادة الطبيعية بالكيف، ويقيمون في الجليل والمدن الساحلية والمثلث والنقب. غير أن الرحلة كانت هذه المرة إلى الجليل. من شفاعمرو في مركز الجليل داخل أراضي 48 حتى مفرق جب يوسف في المنطقة الحدودية مع الجولان السوري المحتل، كانت الرحلة جبلية، لكنها غير صعبة فالطريق سريعة، معبدة ومعدة للمراكب.

البلاد تتحدث بالعبرية

بعد نحو كيلومترين من المفترق شرقا انتهى النصف الأول من الرحلة السهلة. انتحت مركبتنا يساراً في شارع ترابي وعري، ودخلنا وادي عمود، وهو واد يمتد على 18 كيلومترا، يربط بين المدينتين المهجّرتين صفد وطبرية. وادي عامود ترجمة جديدة للمكان ابتكرها المهاجرون الجدد للبلاد، وصار بعض أهلها الأصليون يرددونها، بعدما طمست تسميتهم ضمن المعركة المفتوحة على الرواية والوعي. تتجلى هذه المعركة في طمس بقايا مئات البلدات الفلسطينية المدمرّة، كرومها، وصبارها، وزيتونها، وتينها. بغابات الإكيلبتوس المستوردة من الغرب، ولافتات ثبتتها جمعية حماية الطبيعة الإسرائيلية في رحاب الجليل. والبلاد تتحدث بالعبرية عن “تاريخ يهودي” للمكان، وسط تغييب لرواية المكان، رواية الأصليين، وبكتب ومجالات المرشدين، وغيره الكثير من وسائل الطمس والتزوير.

 هذا الوادي الجميل، الذي يستخدم كمسار ماتع للسير في الطبيعة، حمل اسمين لدى أهالي البلاد الأصليين: وادي الخشب، ووادي الليمون. فكيف يغلب الواحد اثنين؟ كيف يغلب وادي العامود الليمون والخشب معاً؟ هل هذه قصة البلاد برمتها؟ هل فعلا ما جرى عام 1948 هو غلبة الأقلية على الأكثرية؟

داخلها حملت المركبة ثلاثة من جماعة المجتمع المدني (شرف، فتحي وبكر) وكاتب هذه الكلمات، ثلاثة منهم أولاد البلد، ورابعهم مغربي مقيم في كندا حضر لزيارة عمل. في بداية الرحلة البرية أتينا مسرعين من جبال كوكب، البلدة الفلسطينية المتربعة على جبل الديدبة، مقابل بحر حيفا، قادمين من شفا عمرو. مشت المركبة على مهل في الشارع الرئيس داخل مدينة سخنين لكثرة الاختناقات المرورية. وفّر السير البطيء فرصة لاستذكار تاريخ يوم الأرض الأول عام 1976، وسيرة العلاقات بين الأصليين وبين المهاجرين الجدد من قبل ومن بعد، وهي أيضا فرصة للضيف ليتنبّه للافتات تجارية مكتوبة بألوان صارخة وحروف كبيرة بالعبرية وبالعربية معاً.

سخنين الغضب

بعد سماعه سيرة يوم الأرض، وسيرة سخنين، رمز الغضب والممانعة، والتي استشهد وجرح الكثير من أبنائها في مناسبات وطنية في العقود الأخيرة، سأل شرف، ابن المغرب: لماذا تكتبون بالعبرية وبالعبرية فقط أحيانا؟ سأل شرف، المغربي المتزوج من سيدة أمازيغية، والمغترب في كندا، مستذكراً تشبث الكويبك في كندا بلغتهم الفرنسية بعناد وكبرياء. بعد تعّسر ولادة جواب قصير ومقنع آثر المضيفون إبقاء السؤال مفتوحاً لنهاية المشوار، الذي ابتدأ فعلياً عند وادي عامود، عفواً.. وادي الليمون.

منتصف الطريق

 عند نقطة الانتحاء من الطريق المعبد للدرب الترابي في الجليل الأعلى ينتصف الوادي. من هناك إلى صفد يمتد نصفه العلوي، ومن هناك يهبط حتى طبرية نصفه السفلي. بشراسة الوحوش البرية ابتلعت المركبة الدرب الوعري، غير آبهة لعثراتها، بفضل قوة الدفع الرباعي.

نتيجة المطر المبكر هذا الموسم خلعت الطبيعة حلتها الصيفية، واكتست بثوب يميل للخضرة الممزوجة بالأصفر. الشمس المشرقة الدافئة والسماء الصافية كزرقة مياه بحيرة طبرية من تحتنا، مع نسمات ناعمة من الغرب، أوحت بقرب تبدل الفصول، وبقرب الشتاء. قبالة جبل شاهق عرّته ظواهر التبلية والتعرية والجرف والخلع، حتى بدت قمته كأذني ذئب متأهب لحظة قبل أن يثب صوب فريسته، استراح المتنزهون الأربعة في استراحة فنجان قهوة دون أن تنبس شفاههم عن كلمة، تاركين الكلام للجدول المختال عازفاً بخريره ألحانا دون أوتار. ما لبثت المركبة أن تسلقت تتمة الطريق الوعرة بعناد، وكانت الاستراحة الثانية لها ولنا لالتقاط نبتة النعناع البري (روح النعناع) من ضفاف الجدول لإعداد الشاي عسانا نضاهي شاي المغرب الوطني ذائع الصيت. في نهاية المسير الجبلي أطلت قرية عكبرة الفلسطينية دون سابق إنذار. عكبرة الأصلية المهّجرة، بلدة فارغة، منازلها الحجرية متناثرة على سفوح جبل، وتقدم صورة نموذجية للقرى الفلسطينية، قبل أن ينقض عليها تسونامي النكبة، وتقتلها عصابات الصهيونية. هناك توقفت عقارب الساعة.. في 1948.

نجح بعض أهالي عكبرة (قضاء صفاء أكبر قضاء في فلسطين، وعدّ 90 قرية، لم يبق منها سوى قريتي عكبرة والجش) بالبقاء في جوار قريتهم الأصلية على أطراف وداخل غابة، وخارج منازلهم. رفضت دولة المهاجرين الجدد طلباتهم المتكررة بالعودة لقريتهم، ربما خشية حصول سابقة، فهم مصمّمون على إبقاء اللاجئين بدون عودة. نصيب أهالي عكبرة ربما أفضل من نصيب أهالي إقرث وبرعم والغابسية، وهي قرى استصدر أهلها قراراً من محكمة إسرائيل العليا، في مطلع خمسينات القرن الماضي لإعادتهم لديارهم وظل قرار القضاة تحت بساطير العساكر.

 وهكذا صار هناك عكبرتان، واحدة مهجّرة، يسرح ويمرح في أراضيها وبساتينها بقر المستوطنين الجدد، وثانية للمهجّرين الجدد ممن لا يسرحون ولا يمرحون، بعدما حشروا بما يشبه حظيرة محاطة بالسدود والحدود.

عين الزيتون

إلى الغرب من هناك أصيبت جارة عكبرة بجراح أشد، عين الزيتون، قرية مُحيت معالمها وسويت بالأرض، ولم ينج من عمارتها سوى مسجدها. نجا، ولم ينج.. فطابقه الأول المزدان بجدول ينبع من خلفه ويمر من داخله لغرض الوضوء بات حظيرة، فيما صار الطابق الثاني مخزناً لدائرة الأشغال العامة. مسجد حجري جميل، يتيم وحزين، نجا، ولم ينج أهله.

وقصة عين الزيتون هي قصة بلاد الزيتون كافتها، من أم رشراش في البحر الأحمر، وحتى الزيب على ساحل البحر الأبيض المتوسط. “لو عرف الزيتون زارعه لصار الزيت دمعاً”، قال شاعر البلاد الأول. ولو عرف المسجد لغة الكلام لملأ مجلداً بما اقترفته القوات الضاربة للهغاناه (البلماح). هناك حينما فتحت القرية وسفحت طفولتها وشيخوختها خلال استكمال احتلال الجليل، في مثل هذا الشهر عام 1948، ضمن ما يعرف إسرائيلياً بـ “عملية حيرام”، التي سميت على اسم أحد ملوك الفينقيين في مدينة صور القريبة.

شهادة أم محمد

كالعادة، ومنذ تعرفت عليها في حي غودسوندا داخل مدينة أوبسالا في السويد، في مايو/ أيار 2005، تحضرني أم محمد كلما وقعت عين الزيتون على مسامعي. وقتها زودتني بشهادة تفجع سامعها، مستعينة بذاكرتها، صبية في الثالثة عشرة من عمرها، عن إحراق منازل بلدتها المسكونة في سويداء قلبها، وقتل الناس بالجملة، وعن شقيقتها التي خاطرت بروحها وعادت لتجلب رضيعها بعدما نسيته أمهما داخل منزلها لفرط الفزع والرعب. هناك في السويد بلاد الثلج روت أم محمد قصتها المبللة بالدموع الساخنة فاختزلناها بجملتين للمرافقين في هذه الجولة بين جبال وكروم الجليل رأفة بمزاجهم.

طبرية وصفد.. سجال فكاهي

مع انتهاء الزحف الصاعد نحو قمة جبل كنعان عبر وادي الليمون تتراءى طبرية، رغم بعدها جغرافياً، فالبعيد منك قريب. بالخط الهوائي، وبلغة العيون، تترجم جيرة مدينتي صفد وطبرية لواقع ملموس محسوس، فمن فوق تبدو كم هي حقيقية جيرتهما. عدت المدينتان الجارتان قبل زلزال النكبة 12 ألف نسمة في كل منهما، ووفق قرار التقسيم الأممي ضمت المدينتان لدولة المهاجرين الجدد الذين سكنوهما. طبرية وصفد جغرافيا متقاربة وتاريخ متطابق جمعهما، سقطت الأولى في 19 نيسان، وتبعتها جارتها في العاشر من أيار.

 كما بين اللد والرملة، أو بين عرابة وسخنين، أو كفركنا والرينة، وغيرها من البلدات المتلازمة المتجاورة، ارتبطت طبرية وصفد بسجال فكاهي لا ينتهي. في الزيارة إياها للسويد التقينا عدداً من مهجري المدينتين في سهرة داخل مدينة أوبسالا “فاشتبك” الطرفان وتبادلا الذخائر الفكاهية بنكات لاذعة متبادلة عن بخل وتحامل الصفديين، مقابل عناد الطبرانية، كما يليق بأهل مدينتين جارتين ومتنافستين على الريادة في المنطقة.

“هذه صفد” موطن أبو مازن، قال أحد المضيفين على مسمع الضيف شرف. استبد الاستغراب بشرف وهو يحاول التعقيب على ما سمعه. “والله لو ملكوني الدنيا وما فيها ما تنازلت عن هذه البلاد”. قال بلهجة الواثق الجازم، واستطرد: “عندنا في المغرب صحاري وجبال ساحرة وبحر لا ينتهي ومدن جميلة، من طنجة، مسقط رأسي، وحتى فاس ومكناس والدار البيضاء، لكننا نفتقر لمثل هذا المناخ الربيعي الأخاذ. قرأت الكثير عن فلسطين وقضيتها، لكن زيارة أيام قليلة أكثر نفعاً وتعليماً.. فالحكي مش زي الشوف فعلاً”.

مع بلوغ القمة سارت المركبة إلى الشرق، وما لبثت أن اعتلت طريقاً معبداً، مروراً بالجاعونة، حيث قامت على أراضيها “روش بينه”، واحدة من أوائل مستوطنات المهاجرين الجدد، لتستقر عند تخوم بلدة طوبا من جهتها الشرقية، وهي القرية الفلسطينية الوحيدة التي بقيت في سهل الحولة في الجليل الأعلى. على كتف واد آخر توقفت السيارة، واستكان محركها الهادر الذي لم يجد الشفقة والرحمة في قلب سائقها خلال رحلتها الجبلية. في قاع الوادي كان نهر الأردن (الجبلي) يتدفق بقوة. هدير المياه المصطدمة بالصخور يمنحه هيبة ووقاراً بفضل المطر الغزير في الشتاء الماضي، فهو عادة يضمحل وينام بمثل هذه الأيام، ويستفيق في الربيع نهراً متدفقاً هادراً يترك أثراً شديدا بنفوس زائريه، ويكاد في بعض مواسم الخير يتحرش بأنهر أعظم كدجلة والفرات.

حرص المضيفون على التقاط كل ما ملكت أياديهم من نبات يأكله بنو البشر. لكن وجبة الغذاء، مع الاحترام الشديد للنبات والنباتيين، شملت اللحم المشوي على الجمر، وإلا فهل يجرؤون على تكريم ضيفهم بطبق من الخبيزة والعلت مثلا؟ مع كل التقدير للقيمة الغذائية هناك تقاليد للضيافة العربية.

تمعن شرف المغربي بما أحاطه من مشاهد طبيعية تخطف البصر وتشعل الخيال، لكنها لم تنسه السياسة، وعاد ليسأل عمّا جرى وما صار، كيف وأين ولماذا ومتى. لم يسترح أو يطمأن للشروحات التي بدت ناقصة، حتى سمع من أحد مرافقيه مقتبساً ما قاله ميخائيل نعيمة بما يدلل على حقيقة موازين القوى بين المهاجرين والمهجرين: سئل الجبل مرة من أين لك علوك هذا فقال: من قاع الوادي.. وسئل الجمال من أين لك كل هذا فقال: من شقيقتي الشناعة”.

نهر يستحم في البحيرة

“نعم لا يمكن أن يفتك زلزال النكبة بهذه البشاعة لولا قصور قادة العرب والفلسطينيين وقتها وانشغالهم بما دون المطلوب”، أردف المرافق مفسراً لقول نعيمة. وتابع: “ما جرى لم يكن نتيجة قوة وبسالة المهاجرين فحسب، ليس جمالهم، هي شناعتنا”. هز شرف برأسه مطمئنا للتفسيرات بعد استكمالها وتضمينها نقداً ذاتياً أيضاً. استمرت الدردشة التاريخية السياسية داخل المركبة وهي تهبط على أقل من مهلها في طريق ترابي بمحاذاة نهر الأردن حتى نقطة دخوله البحيرة ليستحم.

«قرأت الرواية الجميلة “نهر يستحم في البحيرة” لكاتب فلسطيني أصوله مغربية يحيى يخلف، لكنني لم أجد ما يثري معرفتي عن مدينة طبرية»، قال شرف بلهجة الباحث عما يرسم ملامحها المغيبة. اقترح أحد مضيفيه الاستماع لشهادة الراحل دكتور أنيس صايغ ابن طبرية الذي يقدم رواية شفوية تاريخية رائعة عن مدينته المدللة نشرتها بعض المواقع في الانترنت. الصايغ يقوى على استعادة الصوت والصورة واستعادة ملامح الحياة واستحضار إيقاعها اليومي، وكل ذلك بأسلوب أبلغ من أي كتاب، لا سيما وهي تصدر عن عاشق ملتاع يحيي بلسانه المدينة المسكونة في خاطره. يصطحبك الصايغ إليها بقطار الزمان لتجد نفسك أمام مشاهد سوق الخضار والأسماك. تكاد تسمع أصوات الباعة والمارة في سوق طبرية، وتجول في مخيالك وهو يروي روايتها المراكب والباصات والتكاسي “التي تقل الركاب إلى بيسان والقدس وصفد والناصرة.. القوارب المحملة بالمتنزهين، والطريق الممتلئة بالطلاب في ذهابهم وإيابهم للمدرسة، وغيرها من كلمات كثيرة بنى بها كلمة كلمة وطنه المسلوب بحنيّة وحبور.

في عودته إلى حيفا عاد مرافقو شرف، وزملاؤه في العمل الأهلي بكر عواودة وفتحي مرشود للسؤال المفتوح من سخنين حول اللافتات العبرية في المدن والقرى العربية، وكانت الإجابة عند نهاية اليوم أيسر مما كان في بداياته.

 يفيق الأصليون من اغترابهم ومن صدمة لقاء المغلوب مع الغالب، ومن عقدة التماهي معه والتنكر للذات والخضوع للثقافة المهيمنة.. يفيقون أحياناً ببطء وبالتدريج، فالروح تولد أحياناً من رحم رحلة جبلية صعبة وطويلة، على ما يبدو.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية