رحلة الأستانة من حمص إلى محطتها الأخيرة في إدلب عبر تفاهمات سوتشي

رائد الحامد
حجم الخط
0

إنهاء الصراع في إدلب سيقود حتما إلى وضع حد نهائي لإطلاق النار بين فصائل المعارضة المسلحة وقوات النظام، بما يعني نهاية الحرب السورية والبدء بمسار التسوية السياسية وفق مخرجات اتفاقيات أستانة التي يراها البعض مكملة لمسار جنيف، في حين يراها آخرون أنها قفز على هذا المسار الذي تتمسك به الولايات المتحدة ودول المجموعة المصغرة التي تضمها إلى جانب فرنسا وبريطانيا والأردن والسعودية.

هناك ما لا يقل عن 70 ألفا من مقاتلي المعارضة المسلحة، منهم ما بين 10 إلى 20 ألفا من مقاتلي الجماعات الإسلامية المتشددة يتمركزن في محافظة إدلب، أو تم جمعهم فيها خلال سنوات الحرب ما بعد تسوية بلدة القصير في ريف حمص في أيار/مايو 2013 التي شهدت أولى حالات إخراج المسلحين ونقلهم إلى محافظة إدلب عبر مصالحات مناطقية تقضي بتسليم الأسلحة ومناطق السيطرة لقوات النظام.

وليس من الواضح حتى الآن بالاستناد إلى المعطيات الميدانية المتاحة أن معركة إدلب الكبرى سوف تحدث في أي دقيقة أو تم تأجيلها، أو إلغاؤها بشكل نهائي؛ وهو واقع غامض لا يقل غموضا عن واقع ومستقبل ما لا يقل عن 70 ألف مسلح من المعارضة المسلحة يتواجدون في المحافظة ومناطق مجاورة ضمن ما يعرف باسم المناطق المحررة في شمال غربي سوريا، ومركزها مدينة إدلب.

ولمحافظة إدلب موقع جغرافي متميز كبوابة لسورية على تركيا ضمن منطقة زراعية تمثل مركزا أولا لإنتاج الزيتون في سوريا والقمح وأنواع الفواكه والقطن وغيره.

ولموقع محافظة إدلب أهمية خاصة لتركيا التي تحاول الاستثمار في منع معركة إدلب تجنبا لتداعياتها في تدفق يعتقد انه سيكون الأكبر للنازحين الفارين من مناطق القتال باتجاه الحدود السورية، واحتمالات استغلال ذلك من عناصر جهادية للتسلل إلى العمق التركي وتهديد أمنها الداخلي.

نقطة تجمع لمقاتلي المعارضة المسلحة

 

قبل بداية الحرب في سوريا عام 2011، كانت محافظة إدلب تضم نحو 750 ألف نسمة؛ وبسبب حملات النزوح الداخلي، كما تشير أرقام تقريبية، إلى أن ما بين 2.5 إلى 3.4 مليون مدني يعيشون في محافظة إدلب، يشكل النازحون داخليا ما لا يقل عن نصفهم؛ وهناك ما لا يقل عن 6.6 مليون نازح داخلي في سوريا وما لا يقل عن 5.8 لاجئ خارج سوريا معظمهم في الدول المجاورة.

أصبحت إدلب نقطة تجمع لمقاتلي المعارضة المسلحة المعتدلة والمتشددين الذين خسروا معاركهم مع قوات النظام ومناطق سيطرتهم في محافظات أخرى من الذين فضلوا استمرار القتال بعد أن رفضوا ما يعرف باسم “تسوية أوضاعهم” للبقاء في مناطقهم والخدمة ضمن صفوف القوات النظامية، بما فيه القتال مع قوات النظام ضد رفاقهم السابقين في المعارضة المسلحة.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2015 استقبلت محافظة إدلب لأول مرة مقاتلي الفصائل التي انسحبت بعد تسليم أسلحتها ومناطق سيطرتها لقوات النظام في ريف حمص؛ وطوال العام 2016 كانت قوات النظام تعزز سيطرتها في ريف العاصمة في الزبداني ووادي بردى والغوطتين الغربية والشرقية وجنوب دمشق قبل انتهاء العام بسيطرة النظام على الأحياء الشرقية من مدينة حلب في نهاية ديسمبر/كانون الأول وانتقال مقاتليها إلى محافظة إدلب.

بعد الانتهاء من معركة حلب، وهي المعركة العسكرية الأهم في مسار الحرب بين قوات النظام وفصائل المعارضة المسلحة، عقدت روسيا برعايتها، وضمانات تركية وإيرانية، في 4 أيار/مايو 2017 اتفاقية أستانة لخفض التصعيد ووقف إطلاق النار بين قوات النظام والمعارضة المسلحة في أربعة قطاعات جغرافية، حمص والغوطة الشرقية ودرعا، إضافة إلى إدلب.

واستعادت قوات النظام عبر عمليات عسكرية تنتهي بمصالحات مع فصائل المعارضة المسلحة القطاعات الأربعة المشمولة باتفاقية خفض التصعيد، باستثناء القطاع الرابع الذي يشمل محافظة إدلب ومناطق إلى جوارها من محافظات حلب واللاذقية وحماة، الذي تم التفاهم لإحلال السلام فيه بين روسيا وتركيا في سوتشي في 17 أيلول/سبتمبر 2018.

وفي الأشهر التي أعقبت توقيع اتفاقيات أستانة، شنت قوات النظام بدعم روسي وإيراني حملات عسكرية انتهت بإخراج مسلحي المعارضة المسلحة من ثلاث من مناطق خفض التصعيد الأربعة.

ففي نيسان/ابريل 2018 استعادت قوات النظام كامل ريف دمشق المشمول بخفض التصعيد، وفي أيار/مايو استعاد النظام سيطرته على كامل مناطق خفض التصعيد في محافظة حمص ليتفرغ لاستعادة منطقة خفض التصعيد الثالثة في محافظتي القنيطرة ودرعا في تموز/يوليو 2018 على طول الحدود مع إسرائيل والأردن.

مناطق خفض التصعيد

لكن لا مجال هنا للمقارنة بين مناطق خفض التصعيد الثلاث التي استعادتها قوات النظام والمنطقة الرابعة التي تشمل المناطق المحررة في إدلب وأجزاء من محافظات مجاورة، وذلك لاعتبارات يرى العقيد المنشق خالد المطلق أنها تتعلق بوجود “عدد كبير من الفصائل في إدلب، وهي الفصائل التي تمثل أساس انطلاق الثورة، ومقاتلوها هم من رفض المصالحة مع النظام وفضلوا المغادرة والتجمع في إدلب التي يدرك النظام استحالة خوض معركة ناجحة فيها”.

ويطمح النظام من خلال معركة إدلب بالسيطرة “على كامل محافظة إدلب وصولا إلى منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي على الحدود مع تركيا”، يقول عبد العزيز، الذي يجد أن “أمرا كهذا ليس بالأمر اليسير على قوات النظام ومعها القوات الروسية والقوات الساندة الأخرى طالما أن هناك فصائل ثورية في المحافظة قادرة على التصدي والدفاع عن المحافظة”.

لكن استراتيجية النظام لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية تصطدم بواقع أن “معركة إدلب فيما لو تجرأت قوات النظام على مباشرتها، فأنها ستكون معركة مختلفة عن سابقاتها في مناطق أخرى، وسيخسرها النظام بكل تأكيد”، وفقا للناشط الميداني وائل عبد العزيز.

ولا تزال فصائل درع الفرات والجيش الوطني الحليف لتركيا تشكل تحديا لاستراتيجيات استعادة كامل الأراضي السورية، حيث تفرض سيطرتها على مساحات واسعة من شمال سوريا خارج ما يعرف بالمناطق المحررة في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة حكومة الإنقاذ التي يعتقد أنها خاضعة لنفوذ هيئة تحرير الشام.

كما أن فصائل المعارضة المسلحة هي الأخرى تشكل تحديا للنظام إذا حاول استعادة محافظة إدلب عن طريق العمليات القتالية؛ ففي أيار/مايو 2018 شكلت عشرة فصائل معتدلة تابعة للجيش السوري الحر “جبهة تحرير سوريا” بدعم تركي لأكثر من 10 آلاف مقاتل تم إلحاقهم فيما بعد تحت نفس المسمى إلى الجبهة الوطنية للتحرير التي تشكلت في 8 آب/اغسطس 2018 إلى جانب فصائل أخرى، معظمها إسلامية ليبلغ العدد التقريبي لمقاتليها أكثر من 35 ألف مقاتل.

وعززت عموم فصائل المعارضة المسلحة تواجدها في المناطق المحررة باستعدادات “جيدة على المستوى العسكري بعد تشكيل الجبهة الوطنية للتحرير من عدة فصائل، وانضمام كافة الفصائل الأخرى من الجيش السوري الحر ضمن سقف قرار عسكري موحد سواء على صعيد تقسيم قواطع العمليات أو غيرها بما يضمن القدرة على صد أي هجوم قد يشنه النظام”، بحسب الناشط الميداني وائل عبد العزيز.

عكس تشكيل الجبهة الوطنية للتحرير الرغبة التركية في إدماج أكبر عدد من الفصائل ضمن ائتلاف جبهوي واسع للحد من توسع مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي تقاتلها فصائل درع الفرات الحليفة لتركيا والتي تتلقى رواتب مقاتليها وسلاحها من تركيا إضافة إلى الدعم والإسناد البري بالقوات الخاصة التركية والطيران التركي.

أما هيئة تحرير الشام فيقدر عدد مقاتليها ما بين 7 إلى 12 ألف مقاتل، وهي مدرجة على قائمة الإرهاب في الولايات المتحدة ودول عدة آخرها تركيا التي صنفتها كتنظيم إرهابي بقرار رئاسي في 29 آب/اغسطس 2018.

وفي آخر التقديرات فان هيئة تحرير الشام تفرض سيطرتها على نحو 60 في المئة من مساحات المنطقة المحررة في محافظة إدلب ومحافظات مجاورة، في حين تفرض الجبهة الوطنية للتحرير على ما تبقى من تلك المساحات إلى جانب بعض الجماعات الجهادية المتشددة مثل حراس الدين المرتبطة تنظيميا بتنظيم القاعدة الأم، ومقاتلين أجانب في صفوف الحزب التركستاني الإسلامي وأنصار التوحيد وأجناد القوقاز (مقاتلون شيشان) وغيرهم من المتشددين المرتبطين منهجيا بتنظيم القاعدة.

وخلال أسابيع تحضير قوات النظام لمعركة إدلب، وقبل وبعد توصل تركيا وروسيا إلى تفاهمات سوتشي في 17 أيلول/سبتمبر 2018، أعلنت جميع الفصائل الثورية أو الإسلامية المعتدلة أو المتشددة مرارا بانها على أتم الاستعداد للقتال دفاعا عن مناطق سيطرتها في محافظة إدلب وجوارها حتى النهاية.

ويستبعد العقيد المنشق خالد المطلق، فتح معركة إدلب من قبل قوات النظام وروسيا سواء بوجود تفاهمات سوتشي أو من دونها، ويرى أن النظام “لا يمتلك ما يكفي من القوات لاقتحام إدلب، وسوف لن يستطيع دخولها بأي شكل من الأشكال بسبب القوة الهائلة الموجودة فيها وتشكيلات المقاومة الشعبية التي تشكلت هذه الأيام، مثل الفيلق السابع وجيش الشعب، وتمتلك ما لا يقل عن ثلث القوة المسلحة في المحافظة، وهؤلاء أصلا هم من أبناء المحافظة من مقاتلين سابقين وشباب متطوعين”.

تركيا وروسيا

تجنبت تركيا وروسيا التصعيد المتبادل منذ إعلان النظام نيته باقتحام إدلب بعد سيطرته على القطاع الثالث من مناطق خفض التصعيد في الجبهة الجنوبية الغربية في درعا والقنيطرة أوائل تموز/يوليو 2018، والمباشرة بحشد المزيد من القوات النظامية والمجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لها بدعم روسي سياسي وعسكري.

وترتبط تركيا وروسيا بعلاقات متميزة خارج ما يتعلق بالملف السوري على عدة مستويات سياسية واقتصادية وأمنية يمكن تقويضها في حال غاب الفهم المشترك والتفاهم بينهما حول معركة إدلب، والعودة إلى ما كانت عليه علاقاتها من توترات وإجراءات عقابية اقتصادية متبادلة بعد إسقاط تركيا مقاتلة روسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2015.

لدى تركيا، وفق تقارير إعلامية، أكثر من 1300 جندي على الأراضي السورية منذ تدخلها العسكري في 24 آب/اغسطس 2016؛ وتتمركز معظم القوات في مناطق سيطرة درع الفرات وعملية غصن الزيتون، إضافة إلى نقاط المراقبة الاثنتي عشر نقطة على خطوط تماس قوات النظام مع المعارضة المسلحة.

وبنت تركيا علاقات تنسيق وتعاون ودعم مع فصائل مسلحة في المعارضة المسلحة سواء الحليفة لها والتي تمولها وتسلحها مثل الجيش الوطني ودرع الفرات، أو فصائل الجيش السوري الحر وفصائل إسلامية معتدلة انضوت تحت مسمى الجبهة الوطنية للتحرير في المناطق المحررة.

وفي 17 سبتمبر/أيلول 2018، أعلنت روسيا وتركيا التوصل إلى تفاهم في سوتشي لإنشاء منطقة منزوعة السلاح في محافظات إدلب ومناطق من أرياف محافظات حلب واللاذقية وحماة ضمن جغرافية المناطق المشمولة بالقطاع الرابع من اتفاقيات أستانة التي رعتها روسيا وتركيا كطرف ضامن لالتزام المعارضة المسلحة وإيران لقوات النظام والقوات الحليفة.

خلقت تفاهمات سوتشي حالة من الإرباك في معرفة مصير ومستقبل تلك الفصائل بكل توجهاتها الفكرية بعد انقسامات حادة في الموقف من تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة ومن ثم الانسحاب إلى العمق بعيدا عن المنطقة منزوعة السلاح التي رسمتها بنود التفاهم الروسي التركي.

تتضمن تفاهمات سوتشي بين روسيا وتركيا انسحاب كل من قوات النظام والمعارضة المسلحة من المنطقة منزوعة السلاح على طول خطوط التماس بين طرفي الحرب لعمق يتراوح ما بين 15 إلى 20 كيلومترا مناصفة بحلول منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2018.

ولم يتم الحديث في تفاهمات سوتشي عن تجريد قوات النظام والمجموعات الشيعية المسلحة التي ترعاها إيران من أسلحتها بموعد ينتهي في 10 تشرين الأول/اكتوبر، في حين سيكون على تركيا الطرف الممثل للمعارضة المسلحة سحب الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من الفصائل المتواجدة في المنطقة منزوعة السلاح.

ومن بين النقاط العشر التي وردت في تفاهمات سوتشي بين تركيا وروسيا، تبدو النقاط المتعلقة بتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والانسحاب من المنطقة منزوعة السلاح هما من أكثر النقاط تعقيدا في تنفيذها وخطورة في تداعياتها بالنسبة لتركيا التي تناور في أوساط المعتدلين والمتشددين للقبول بالاتفاقية وتجنب معركة إدلب التي تحرص سوريا وروسيا على استغلال معطيات الواقع للمباشرة بها واسترداد كامل محافظة إدلب.

ووصف العقيد المنشق خالد المطلق، عملية تسليم السلاح الثقيل والمتوسط بانه “مقتل الثورة السورية ونهايتها” طالما أن الواقع الميداني “يخلو من أي مؤشرات على إمكانية دخول قوات النظام إلى إدلب واجتياحها بوجود السلاح لدى الفصائل الثورية”.

خلاصة القول، أن تفاهمات سوتشي أدت إلى تأجيل العملية العسكرية لاقتحام محافظة إدلب من قبل القوات الروسية وقوات النظام وحلفائه، لكن ليس ثمة ما يؤكد على إلغاء العملية دون تحقيق الهدف النهائي لها باستعادة سلطات النظام على المحافظة ضمن استراتيجية معلنة لاستعادة النظام سيطرته على كامل الأراضي السورية سواء باستخدام القوة العسكرية أو بعقد الهدن والمصالحات مع الفصائل؛ وهي استراتيجية تدعمها روسيا ولا ترفضها تركيا مع تحفظات شكلية من الولايات المتحدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية