رحلة البحث عن نيويورك.. في أفضل الأفلام التي تناولت هجمات سبتمبر

حجم الخط
0

‘صاخب بشدة.. وقريب بشكل مدهش’: رفقي عسافإن الأفلام التي تتناول أحداثاً كبيرة.. يجب أن تنتظر حتى ينضج الحدث لتستطيع تناوله بالعمق الكافي، وهذا ما يحدث غالباً مع الأفلام التي تتناول حدثاً طازجاً، فتفشل عادة في ملامسة عمق الحدث الذي لا تكون حيثياته وظروفه ونتائجه قد نضجت بعد.. وقد حدث هذا مع كثير من الأفلام التي تناولت حادثة انهيار البرجين في 11/9.. وحرب العراق.. وقبلها في حرب فيتنام.. ومؤخراً في الثورة المصرية، وغيرها، لهذا يأتي هذا الفيلم، المرشح لأوسكار أفضل فيلم، بعد مرور عشر سنوات على الحدث، ناضجاً وثرياً وممسكاً بعمق الحدث الإنساني.. الفيلم يتناول قصة صبي استثنائي، ذكي إلى حد العبقرية، ومغرم بالبحث وحل الألغاز، يمتلك علاقة مميزة للغاية بوالده الذي يدرك عبقرية ابنه وينميها دائماً بإعطاء الصبي ما يبحث عنه ويحرك فيه عقله، لا يلبث الصبي أن يفقد والده في حادثة انهيار البرجين في 11/9.. ليتناول الفيلم بعد ذلك رحلة بحث الصبي عن القفل الذي يفتحه مفتاح وجده في خزانة أبيه.. في مغلف عليه كلمة واحدة ‘بلاك’.. يستشف الصبي بأنها تشير إلى الاسم الأخير لأحد ما سيدله على القفل الذي يخص هذا المفتاح ليجد شيئاً من أبيه ربما يبقيهما على اتصال، ومن خلال هذه الرحلة، يعرج الفيلم على كثير من مناطق نيويورك وناسها، ويتناول الجانب الإنساني للفقد، ويطرح العمق الإنساني للحدث الذي فجع المدينة من خلال فجيعة أحد أطفالها.

سيناريو محبوك بعناية كتبه إريك روث عن رواية جوناثان سافران فوير، فالطريقة التي عولجت فيها قصة الصبي وعلاقته بأبيه، وكيف تم تقديم حواراته الذكية للغاية لمما يحسب لهذا السيناريو بكل تأكيد، وهو من أجمل السيناريوهات التي تناولت هذا الحدث بالتحديد، وهو كذلك مثال جميل على السيناريوهات التي تتناول المدن من خلال أناسها.

الأداء التمثيلي في هذا الفيلم جاء قوياً للغاية، فطاقم الممثلين الذين تم اختيارهم ليساندوا الصبي المبدع توماس هورن الذي لعب دور ‘أوسكار’ طاقم ثقيل وقوي، إذ أدى توم هانكس دور الأب، فيما أدت ساندرا بولوك دور الأم، وتألق ماكس فون سيدو بشدة في دور المستأجر العجوز المضرب عن الكلام، والذي ترشح عنه لجائزة الأوسكار كما توقعت أثناء مشاهدتي دون أن اكون قد عرفت. إخراج الفيلم تولاه ستيفن دالدري، صاحب الأفلام المهمة، انطلاقاً من ‘بيلي إيليوت’ مروراً بفيلم ‘الساعات The Hours’ وانتهاء بفيلم ‘القاريء The Reader’.. فلم يقدم في مسيرته حتى الآن أي فيلم يمر مرور الكرام، إذ سبق وترشح للأوسكار ثلاث مرات عن أفلامه الثلاثة السابقة وإن كان لم يترشح لأوسكار الإخراج هذه المرة ولكن فيلمه مرشح كأفضل فيلم، ويعود فيه إلى ثيمة رحلة الطفل التي انطلق منها في فيلمه الأول ‘بيلي إيليوت’… العناصر الفنية جاءت متكاملة في هذا الفيلم، فمن الإخراج الفني الذي تولاه كي.

كي باريت، مرورا بالموسيقى التي ألفها أليكساندر ديسبلات الذي سبق وترشح للأوسكار أربع مرات، والتوليف (المونتاج) الذي تولته كلير سيمبسون وصاحبته لمسات مميزة، وانتهاء بالتصوير السينمائي لـ كريس مينجيز، صاحب الأوسكارين والذي ترشح للأوسكار أيضاً عن تعاونه السابق مع نفس المخرج في فيلم ‘القاريء’. فيلم يقول بأن طريقنا لإيجاد الراحة بعد الفجيعة، والطمأنينة بعد الفقد، هو باستكمال الرحلة، رحلة البحث عن أنفسنا، حتى ننجح، وألا نستسلم قبل ذلك، مهما كان الصعوبات، ومهما كان الألم قوياً وعميقاً في أرواحنا، وإن كان هذا ينطبق على البشر، فهو ينطبق على مدنهم أيضاً، فهي أيضاً تتألم، وهي أيضاً تشفى. شاعر ومخرج أردني/فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية