رصدت قناة «أون لاين تي في» مأساة فتاة عراقية تدعى نداء، عاشت، كما تقول، إثنتين وثلاثين سنة بلا وطن!
هي اليوم تبحث عن وطن، ليس لأن أرض العراق لا تسعها، ولكن لأنها فقدت نضارتها وماءها إثر تحولها إلى غنيمة تقتسمها الميليشيات. ذرفت هذه الفتاة دمعاً سخيا، وهي تدين من أوصل البلاد إلى حالها اليوم. إنها تحكي مأساة شباب عراقيّ تقتسم وإياه معاناته عبر لغة حارقة.
لقد ولدت في عمان، ولم تكن قد رأت العراق من قبل، لكنها تحمل انتماءها إلى جذورها العراقية مبدأ وقضيةً، أينما حلت. لم تستطع، رغم تشتتها لاحقاً في بلدان عديدة أن تقطع حبل السرة مع بلدها العراق، الذي كانت تراه من بعيد، من منافيها المتعددة، وهو ينهار بالتدريج. ثم، اتخذت قرارها النهائي: العودة إلى الوطن، الذي كانت تحلم أن تلامس أرضه يوماً، وطن تراه قد تجسد الآن أمام عينيها في ساحة اختزلت كل العراق، وبعثت روحه من الرماد مرة أخرى.
تركت كل شيء ورحلت لبلدها لتقف مع الثوار في ساحة التحرير. تصرف من مالها الخاص لتؤمن الماء والطعام للمتظاهرين.
هكذا وجدت وطنها بين أولئك الشباب الأبطال، الذين يهتفون بحرية الفكر واستقلالية الرأي، بعيداً عن جحيم الطوائف.
تقول والحرقة تعتصرها: لا تنقصني شهادة ولا ينقصني المال. فقط أريد وطناً. بلدا يحتويني!
رغم كل المخاطر التي يتعرض لها الشباب في ساحة التظاهرات إلا أن نداء ما زالت متمسكة بقضية وطنها التي منحتها الشعور بالانتماء والكرامة، للمرة الأولى في حياتها. إنها باقية هناك، كما تقول حتى آخر رمق.
من العراق إلى بيروت جرح مفتوح واحد يجمع آهات واحتجاجات شعبين لن يرضيا أبداً أن تستمر كمشة من الطغاة تستبيح كرامتهما وتعبث بمصيرهما.
كوميديا ساخرة
ما يحدث في لبنان في أسبوع الغضب، يلخص مساراً سياسياً معقداً، كما أشارت إليه كثير من الفضائيات الجادة، التي حاولت أن تعلق على الأحداث اللبنانية. ونتفق معها بإثارتها نقطة جوهرية تتعلق بأزمة الحوار ما بين الشعب اللبناني والدولة.
هذه الأزمة تمثل الذروة في كوميديا ساخرة عن حكومة تعتقد أنها في كوكب معزول عن شعب نزل إلى الساحات منذ شهور طويلة ليسترد كرامته. مكمن السخرية هنا أن هذه الدولة ترقص رقصة القرد أمام مالكه وفي وعيها أن هذا المالك لا يعي مكرها وخداعها. لدرجة أن الكثير من المحللين والإعلاميين المقربين من السلطة باتوا يلمحون إلى أن استمرار التظاهرات قد يؤدي إلى الانفجار الطائفي، وهذا يعكس أزمة السلطة في لبنان، التي عجزت عن الارتقاء لمطالب الثائرين المطالبين بحكومة وطنية بعيدة عن المحاصصة الحزبية والطائفية البغيضة.
إن التسويف والمماطلات، التي اعتمدتها لتهدئة غضب الثوار وإطفاء الثورة كانت بئيسة ورديئة، بدليل أن الشعب فطن إلى تذاكيها فأصر على استمرار الثورة مهما كان الثمن. وبدل أن تتدارك السلطة الواقع وتتجاوب مع مطالب الناس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أسقطت نفسها في مهوى ديكتاتورية مقيتة سبقها إليها جيرانها قبلاً ولم يفلحوا في مساعيهم، وكأن المواطن اللبناني، الذي يطالب بحقه هو عدوها، متجاهلة أنها المسؤول الأول عن حماية هذا الشعب، وحقه في الحياة الحرة الكريمة. ألم نقل إنها كوميديا ساخرة؟
لقد نقلت لنا الفضائيات اللبنانية والعربية والعالمية ومواقع التواصل الاجتماعي صوراً لاصطدامات دامية بين قوى الأمن والثوار نتجت عنها إصابات وأعطاب لحقت شباباً، ذنبهم الوحيد أنهم اعترضوا على السياسات الفاسدة لحكومتهم، ومن بينهم نبيل قزاز، الشاب اللبناني، الذي كاد أن يفقد عينه وشقيقه الذي عنّف أيضاً بشدة، وقبلهما الصبية رفيف التي فقدت ذاكرتها من جراء الضرب وغيرهم كثر.
هذا التعنيف ينبئ بأن هذه السلطة لن تعمر طويلاً، فقد أحدثت بأفعالها غير المسؤولة جراحاً عميقة ستظل غائرة في ذاكرة ووجدان الشعب اللبناني.
إن أسبوع الغضب الذي أعلنه هذا الشعب ما هو إلا نتيجة متوقعة بعد تجاهل مرير لوجع وقهر شعب لا يطالب إلا بوطن يحتويه. ماذا كانت الدولة التي أصيبت بطرش حاد تتوقع من شباب وقفوا في الشارع لأكثر من تسعين يوما وهم يحتجون ويصرخون ويهتفون؟
بدورها حاولت بعض الفضائيات اللبنانية التحرر نوعاً ما من الأجندات السياسية والحزبية في تغطية الأحداث، ولكن طبيعة المحللين والضيوف الذين تستقطبهم هذه القنوات كشفت هشاشة ما يسمى الإعلام المستقل.
كان مطلوبًا من هذا الإعلام أن يوضح للبنانيين طبيعة الأخطبوط الداخلي والخارجي، الذي يتحكم ببلدهم، وتعرية أدواره في توظيف الطائفية وتصديع جدار الوحدة الوطنية، وتسليط الضوء على المستور في ما يخص علاقة الأحزاب أو النخب بالشأن السياسي في البلد.
إن الخرجات المحتشمة لا ترقى إلى الدور، الذي يجب أن تلعبه الفضائيات في كشف الحقائق والتعبير عن المواقف، التي تساعد على إنضاج الوعي السليم في هذه الظروف، التي قد تكون الأخطر في تاريخ البلد.
كاتبة وإعلامية من لبنان